
أصبحت الشعبوية من أكثر الظواهر السياسية حضوراً في النقاشات العامة في العقود الأخيرة، ليس باعتبارها خطاباً انتخابيّاً أو أسلوباً في التعبئة السياسية فحسب، بل بوصفها تعبيراً عن أزمة أعمق تمسّ المسألة الديمقراطية بعمومها والديمقراطية التمثيلية نفسها، فالصعود المتزايد للحركات والأحزاب الشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية والعالم العربي يطرح أسئلة جوهرية بشأن طبيعة التمثيل السياسي، وحدود المؤسّسات الديمقراطية، ومعنى “الشعب” الذي يُستدعى باستمرار في الخطابات السياسية المعاصرة.
في السياق الأوروبي، تبدو فرنسا حالة مدرسية لفهم هذه التحولات، فالتوتر بين إرادة الشعب والمؤسّسات الوسيطة، وبين المطالبة بالمشاركة المباشرة والالتزام بقواعد الديمقراطية الليبرالية، ليس ظاهرة مستجدّة، بل يمتد إلى جذور تاريخية عميقة رافقت تشكل الحياة السياسية الحديثة في فرنسا. ومن هنا يمكن النظر إلى الشعبوية أنها ليست استثناءً طارئاً أو انحرافاً مؤقتاً، وإنما أحد الأبعاد الملازمة لتطوّر الديمقراطية نفسها.
تستند الشعبوية، في جوهرها، إلى رؤية تبسيطية للعالم الاجتماعي والسياسي، تقوم على تقسيم المجتمع إلى معسكرَين متقابلَين: “شعب” يُنظر إليه مصدر الفضيلة والشرعية، و”نخبة” تُقدَّم منفصلة عن مصالح المواطنين أو متواطئة ضدهم. ومن هذا المنطلق، تدّعي الحركات الشعبوية أنها تمثل الإرادة الحقيقية للشعب، وتعتبر أن المؤسّسات القائمة والأحزاب التقليدية لم تعد قادرة على التعبير عنها. وبالتالي هي تفقد كل مشروعية تمثيلية. غير أن الشعبوية ليست ظاهرة متجانسة، فبينما اتخذت بعض أشكالها التاريخية طابعاً سلطويّاً وصدامياً مع الديمقراطية التمثيلية، تحرص أشكالها المعاصرة غالباً على تقديم نفسها حركات مدافعة عن الديمقراطية وعن السيادة الشعبية، لكنها في الوقت نفسه تُبدي شكوكاً عميقة تجاه المؤسّسات الوسيطة، كالأحزاب والبرلمانات والقضاء ووسائل الإعلام المستقلة، معتبرة أنها تعيق التعبير المباشر عن الإرادة الشعبية الكاملة.
وتتجلى أهمية هذه الإشكالية في أن الشعبوية لا تقتصر على تيار سياسي واحد، فهي تظهر في اليمين كما في اليسار، وإن اختلفت تصوّرات كل منهما لمفهوم الشعب. ففي الخطابات اليمينية يُقدَّم الشعب عادة باعتباره جماعة متجانسة ذات جذور تاريخية وثقافية مهدّدة بفعل الهجرة والعولمة والتحوّلات الثقافية، أما في الخطابات اليسارية فيُنظر إليه بناءً اجتماعيّاً وسياسيّاً مفتوحاً يضم فئات متنوعة تتشارك المطالبة بالعدالة الاجتماعية ومقاومة الهيمنة الاقتصادية.
العلاقات داخل المجتمعات الحديثة أكثر تعقيداً من الصورة الثنائية التي تروجها الخطابات الشعبوية
ويكشف هذا الاختلاف أن مفهوم “الشعب” نفسه ليس حقيقة ثابتة أو معطى طبيعيّاً، بل هو موضوع صراع سياسي ورمزي دائم، فكل تيار يسعى إلى تعريف الشعب وفقاً لرؤيته الخاصة للمجتمع ولمستقبل الدولة. ولذلك؛ السؤال المركزي لا يتعلق بوجود الشعبوية أو غيابها فحسب، بل بمن يمتلك شرعية تعريف الشعب والتحدّث باسمه.
وقد أظهرت الاحتجاجات الاجتماعية الكبرى، أخيراً، في فرنسا ودول أخرى، أن هذا السؤال يزداد إلحاحاً مع اتساع الفجوة بين المواطنين والمؤسّسات السياسية. فقد برزت حركات احتجاجية قاعدية ترفع شعارات تؤكد أولوية “صوت الشعب” وتنتقد النخب السياسية والاقتصادية، مع المطالبة بأشكال جديدة من المشاركة المباشرة. إلّا أن هذه المطالب تثير إشكالية معقدة، فهل يؤدّي توسيع الديمقراطية المباشرة إلى تعزيز التعدّدية السياسية، أم يمكن أن يتحوّل إلى وسيلة لإقصاء الأصوات المختلفة باسم الإرادة الشعبية الموحدة؟
لا يمكن فهم صعود الشعبوية بعيداً عن التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة. فالعولمة، واتساع اللامساواة، وتراجع الثقة في المؤسّسات، والشعور بفقدان السيطرة على المصير الجماعي، كلها عوامل أسهمت في خلق بيئة مواتية لانتشار الخطابات الشعبوية، كما أنّ التحولات الثقافية المتسارعة وما تثيره من قلق حول الهوية والانتماء دفعت قطاعات واسعة من المواطنين إلى البحث عن أشكال جديدة من التعبير السياسي تبدو أكثر قرباً من همومهم اليومية.
تظلّ الشعبوية أقل من أن تكون مجرّد انحراف سياسي، وأكثر من أن تكون حلاً لأزمة الديمقراطية
ومع ذلك؛ فإنّ اختزال الشعبوية في مجرد ردة فعل على الأزمات الاقتصادية أو الثقافية يبقى تفسيراً غير كافٍ. فالعلاقات داخل المجتمعات الحديثة أكثر تعقيداً من الصورة الثنائية التي تروجها الخطابات الشعبوية، كما أن التعدد الاجتماعي والثقافي والهوياتي الذي يميّز الديمقراطيات المعاصرة يجعل من الصعب الحديث عن إرادة شعبية واحدة ومتجانسة. ولهذا السبب تظل الشعبوية ظاهرة إشكالية؛ فهي تكشف عن اختلالات حقيقية في أنظمة التمثيل السياسي، لكنها في الوقت نفسه تميل إلى تبسيط الواقع واختزال تنوعه في مواجهة بين “الشعب” و”النخب”.
في النهاية، تكشف الشعبوية عن مفارقة أساسية في الديمقراطيات المعاصرة، فهي تعبّر، من جهةٍ، عن مطالب حقيقية تتعلق بالتمثيل السياسي والعدالة الاجتماعية واستعادة الثقة بالمؤسّسات، لكنها قد تتحوّل من جهة أخرى إلى خطاب يختزل المجتمع في ثنائية حادّة بين “الشعب” و”أعدائه”، بما يهدد قيم التعدّدية والتوازن المؤسّسي التي تقوم عليها الديمقراطية الحديثة. ولذلك تظل الشعبوية أقل من أن تكون مجرّد انحراف سياسي، وأكثر من أن تكون حلاً لأزمة الديمقراطية؛ إنها مرآة تعكس التوترات العميقة التي تعيشها المجتمعات المعاصرة، وتعيد طرح سؤالٍ لا يفقد راهنيته، من هو الشعب، ومن يملك حق التحدّث باسمه؟
المصدر: العربي الجديد






