ماذا بعد حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية؟

عبد الله تركماني

يعتبر حلُّ الأمانة العامة للشؤون السياسية استجابة متأخرة لرغبة أغلب السوريين من ناشطي الشأن العام، خاصة فيما إذا كان مؤشرًا على إدراك سلطة المرحلة الانتقالية أهمية بناء دولة الحق والقانون، التي تفتح المجال لحياة سياسية عامة.

إذ إنّ إحداثها، في 27 من آذار/مارس 2025، أثار جدلًا في أوساط هؤلاء الناشطين حول حدود صلاحياتها على الصعيدين القانوني والسياسي، خاصة بعدما صرح مدير إدارة المنظمات الدولية في وزارة الخارجية والمغتربين سعد بارود، خلال الحوار المدني في 15 من تشرين الثاني/نوفمبر، بأنها ” تملأ فراغ حزب البعث “، الذي اعتمده النظام البائد ” قائدًا للدولة والمجتمع “. وكان هذا التوجه واضحًا منذ الإعلان عن تشكيلها، بهدف الإشراف على منظمات المجتمع المدني، بما فيها النقابات والاتحادات المهنية، وكذلك إدارة العمل السياسي الداخلي، تجاوزًا لدور وزارة الخارجية، التي يُفترض أن يكون دورها محصورًا في العمل الدبلوماسي وإدارة السياسة الخارجية لسوريا.

نأمل أن يكون حلُّ الأمانة العامة اعتراف بأنّ مرحلة ما بعد الوصول إلى دمشق لا يمكن أن تستمر بالطريقة التي كانت في إدلب، بما يفتح المجال لحياة اجتماعية وسياسية تنطوي على تعددية حقيقية للأحزاب السياسية واستقلالية لمنظمات المجتمع المدني والنقابات.

ويبدو أنّ حلها يعبّر عن تعثّر عملها، بسبب تناقض صلاحياتها مع عمل وزارة الخارجية، وليس بسبب ” عدم تجانس فروعها في المحافظات “، بل كونها تشير إلى تناقض المصالح بين ممثليها في أغلب المحافظات، الذين اعتبروا مواقعهم فيها ” غنيمة حرب”. من خلال تدخلهم في كل شيء بدون أية رقابة شفافة، بدءًا من النشاطات السياسية والمجتمعية التي تحتاج إلى موافقة الهيئة، ونهاية بترشيح أهل الولاء من أخوة المنهج السلفي إلى شغل وظائف مختلفة في الدولة، إضافة إلى دورها في ترشيح المخاتير وأعضاء المجالس المحلية، بل اختيار الهيئة الناخبة لمجلس الشعب. من خلال مكاتبها المتنوعة: الشباب، والمرأة، والنقابات، والتنمية المجتمعية، وشؤون الطوائف. تواصلًا مع مهام ” المديرية العامة للشؤون السياسية “، التي كانت تابعة لـ “حكومة الإنقاذ ” في إدلب، قبل 8 من كانون الأول/ديسمبر 2024، حين كانت تشرف على النشاط المدني والسياسي.

واليوم نأمل أن يكون حلُّ الأمانة العامة اعتراف بأنّ مرحلة ما بعد الوصول إلى دمشق لا يمكن أن تستمر بالطريقة التي كانت في إدلب، بما يفتح المجال لحياة اجتماعية وسياسية تنطوي على تعددية حقيقية للأحزاب السياسية واستقلالية لمنظمات المجتمع المدني والنقابات. ولكن ثمة خشية من الحديث عن تشكيل “هيئة مستقلة للنقابات “، في محاولة لإعادة السيطرة السياسية لاحقًا، من خلال استغلال الفراغ السياسي، الذي نتج عن 54 سنة للنظام البائد الذي غيّب الحياة السياسية. وكذلك عدم قدرة القوى السياسية، خلال سنوات الحراك الشعبي 2011 – 2024، على صياغة سياسات وبرامج تعكس حاجات السوريين والتحولات الإقليمية والدولية.

الأحزاب الجديدة/القديمة سوف تحتاج وقتًا للملمة أعضائها وإعادة تشكيلها وصياغة برامجها الجديدة. إذ إنّ مقربين من السلطة بشّروا بتحضيرات لتأسيس حزب سياسي جديد، قد يكون على نمط “حزب العدالة والتنمية التركي “، بالطبع مع مسحة سلفية.

فهل تستقيم الحياة السياسية بعد حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية؟ من خلال تفعيل المادة 14 من الإعلان الدستوري: تصون الدولة حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية وفقًا لقانون جديد، وتضمن الدولة عمل الجمعيات والنقابات. وفي هذا السياق، من المهم أن يصدر مجلس الشعب، المزمع انعقاده قريبًا، قانونًا لتشكيل الأحزاب السياسية، بحيث ” يعيد صياغة الهيئة السياسية كحزب مستقل عن الإدارة، ولا تكون له مزايا أكثر من بقية الأحزاب الأخرى لأنه حزب السلطة “. إذ إنّ للسلطة الانتقالية حق تنظيم الحياة السياسية والاجتماعية، طبقًا لقانون واضح وشفاف، وليس التدخل لدعم هذا الحزب أو ذاك. بما يضمن حرية تنظيم الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، من خلال انتخابات ديمقراطية لقياداتها، بعيدًا عن تدخل السلطة الانتقالية.

فهل أقلعت السلطة الانتقالية حقًا عن عقلية ” مَن يحرّر يقرّر”، بما يضمن الحريات الفردية والعامة، بما فيها حرية تشكيل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني المستقلة، وبالتالي الاعتراف بحرية المعتقد وتعدّد مكوّنات الشعب السوري؟ إذ ثمة خشية من إعادة ” منطق الوصاية ” تحت أسماء جديدة، من خلال توظيف تجربة وملفات وعلاقات الأمانة المنحلة، بعد إصدار قانون الأحزاب مباشرة، في حين أنّ الأحزاب الجديدة/القديمة سوف تحتاج وقتًا للملمة أعضائها وإعادة تشكيلها وصياغة برامجها الجديدة. إذ إنّ مقربين من السلطة بشّروا بتحضيرات لتأسيس حزب سياسي جديد، قد يكون على نمط ” حزب العدالة والتنمية التركي “، بالطبع مع مسحة سلفية.

وأخيرًا، لا يبدو أنّ الاستجابة المتأخرة لحلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية نهاية مسار مصادرة الحياة السياسية السورية، إذ من المرجح أن نكون أمام تمييز بين الأحزاب السياسية بعد إعلان قانون إنشائها، خاصة وأنّ الأمانة لم تعلن مصير مراكز فروع وشِعب وممتلكات حزب السلطة البائدة. فهل تتجاوز السلطة الانتقالية أنّ سوريا ” غنيمة حرب ” لمن حرّرها من النظام البائد؟

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى