
لم يولد الناس عنصريين، ولكنّهم يغدون كذلك في سياقات خاصّة. تنطبق هذه القاعدة على المجتمعات. ويحفل تاريخ البشرية بالنزاعات والخلافات التي تندلع لأسباب عديدة، سواء بين المجموعات (قبائل وطوائف…) أو بين البلدان والمجتمعات، ولكن العنصرية تشكّل أسوأ ما يتملّك الشعوب من مشاعر، لأنّها تسلبهم إنسانيتهم. وتبرهن دراسات عديدة أُجريت على حالات متعدّدة من العنصرية أنّها تمثّل، في الحقيقة، خليطاً من المشاعر والمواقف والرؤى والأفكار المسبقة التي تتشكّل تدريجياً لتغدو صلبة. إنّها أشبه بالمعتقدات التي لا يمكن زحزحتها بيسر. ولكنّها، في حالاتها كلّها، لا تكشف قواسم (وملامح) الذين صُوّروا على هذا النحو (ضحايا العنصرية)، بل هي في الحقيقة لوحة أقرب إلى بورتريه الجماعات التي جرفتها مشاعر العنصرية. ففي تحليل الخطاب العنصري وجملة الممارسات العنصرية التي تصدر عن تلك الجماعات، من شيطنة الآخر، وكراهية المختلف، والخوف إلى حدّ الرهاب من الغرباء والأجانب، والملاحقة، والعنف، والإقصاء، والطرد… إلخ لا نكتشف حقيقةً سوى صورة العنصريين. إنّها لعبة المرآة الفاضحة التي لا تعكس وجوه مَن شُيطنوا، بل تكشف حقيقة وجوه من تأجّجت في صدورهم مشاعر الكراهية والحقد تلك.
يدعو أنصار اليمين المتطرّف الشعبوي إلى ترحيل المهاجرين الأفارقة وإباحة كافّة أشكال الاعتداء عليهم
حين اندلعت الثورة التونسية، كانت اهتمامات النُّخب منصبّةً على التونسيين فحسب، وقد يعود هذا إلى حجم الملفّات الثقيلة التي تركتها ثلاثة عقود من حكم بن علي: عشرات آلاف المساجين، والمفقودين، والفساد… إلخ. والأرجح أنّها كانت ثورةً محلّيةً، على الرغم من أنّها ألهمت لاحقاً شعوباً عربية وغير عربية أخرى. كان بُعدها الكوني، في الحقيقة، ضامراً. كتب المختص في قضايا العالم العربي وتونس تحديداً، الفرنسي فانسون جيسار، وأيضاً أستاذة القانون الدستوري التونسية سهيمة بن عاشور، مقالات تعلّقت بغرباء الثورة وأيتامها، قاصدين المهاجرين “غير الشرعيين” الذين تناستهم نخب الثورة، ولم يُلتفت إليهم إلّا بفصل يتيم عن حقّ اللجوء في دستور 2014، لم تتبعه أيُّ قوانين أساسية أخرى ترسّخ حقوقهم، بل إنّ مشروع قانون اللجوء ظلّ على الرفوف حتى قدوم الرئيس قيس سعيّد، الذي سيشكّل صعوده إلى رئاسة الجمهورية منعطفاً خطيراً في مقاربة الهجرة عموماً.
استقبلت الثورة التونسية، في أشهرها الأولى، أكثر من مليون مهاجر قدموا من ليبيا، رُحّلوا لاحقاً إلى بلدانهم بكثير من الترحاب، كما استقبلت لاحقاً مئات آلاف من الأشقاء الليبيين الذين فرّوا من جحيم الحرب التي عرفتها بلادهم حتى سقوط القذافي. لكنّها ظلّت غاضةً الطرف عن المهاجرين غير الشرعيين القادمين من بلدان أفريقية (جنوبي الصحراء).
ظلّ مَن بقي في مخيّم شوشة، في أقصى الجنوب التونسي، الذي آوى هؤلاء الأفارقة، مهمَّشاً، ثمّ فُكِّك لاحقاً وشُرّد مَن قطنوه، ولم تقبله الدول الأوروبية “لاجئاً”. كان هذا مؤشّراً إلى الذين عُدّوا، كما أُشير سابقاً، “أيتام الثورة التونسية ومنسييها”. أمّا الاستثناء الوحيد الذي ظلّ قائماً، فتمثّل في نشاط المنظّمات الحقوقية الوطنية وغير الحكومية في رعاية هؤلاء المهاجرين ومناهضة أشكال التمييز التي تلاحقهم. وتحت ضغط هذه المنظّمات، سُنّ قانون يمنع أشكال التمييز العنصري كافّة، ولكنّ أشكالاً يومية من التمييز ظلّت قائمة، تصل أحياناً إلى حدّ التحرّش بهم ومضايقتهم وتعنيفهم.
غير أنّ التحوّل كان تحديداً مع قدوم الرئيس قيس سعيّد، الذي أمضى مع عديد من بلدان الاتحاد الأوروبي، ومنها تحديداً إيطاليا وألمانيا، اتّفاقات ما زالت غير واضحة المضمون، ولكنّها، حسب ما تسرّب إلى الإعلام، تنصّ على أن تستقبل تونس أبناءها المرحَّلين، وتنخرط في مكافحة الهجرة غير الشرعية، حتّى تحوّلت البلاد إلى حاجز أمني منيع يحول دون وصول هؤلاء المهاجرين إلى شواطئ أوروبا.
أسهم خطاب سعيّد حول “حرب التحرير الوطنية” في استعداء المهاجرين وتجريم أدنى أشكال التعاطف معهم
انتقلنا في السنوات الماضية من عنصرية الشارع إلى عنصرية الدولة، فأسهم خطاب “حرب التحرير الوطنية”، الذي يخوضه الرئيس سعيّد في حالة استعداء لكلّ أجنبي، خصوصاً المهاجرين، في تجريم أدنى أشكال التعاطف مع هؤلاء تحت وابل التهم التي يشنّها اليمين المتطرّف التونسي على الحقوقيين، باعتبارهم خونةً ومرتزقةً. وفي الأسابيع الماضية، شهدت شبكات التواصل الاجتماعي طوفاناً غير مسبوق من مشاعر الحقد والكراهية والعنصرية. وتصدر دعوات إلى ترحيل هؤلاء وإباحة دمائهم، بل إنّ “شاعراً تونسياً” دعا، في تدوينة في “فيسبوك”، إلى تسميم النساء والأطفال الأفارقة، فضلاً عن مئات صفحات خُصّصت لنشر خطاب الكراهية. وتُلصق بهؤلاء المستضعفين شتّى أنواع التهم: احتلال تونس (استيطانها)، واغتصاب النساء، واقتحام البيوت، والسرقة، ونشر السيدا وفيروس إيبولا… إلخ.
هذه التهم كلّها قلّما يسعفها الواقع، غير أنّ الرهاب، والأزمة الاقتصادية الحادّة، والفراغ القِيَمي المريع الذي يعصف بفئات واسعة، علاوة على الشلل الذي أصاب المجتمع المدني المدافع عن المهاجرين، فسحت المجال لهذا الخطاب كلّه الذي يشكّل انتهاكاً خطيراً للحقوق الإنسانية الدنيا للبشر.
يدعو أنصار هذا اليمين المتطرّف الشعبوي إلى ترحيل المهاجرين الأفارقة وإباحة كل أشكال الاعتداء عليهم، ولعلّ ما جرى في جنوب أفريقيا وبعض الدول المجاورة، مثل ليبيا، سيحفّز هؤلاء على مزيد من انتهاكات للحقوق الدنيا للمهاجرين.
المصدر:العربي الجديد






