مستقبل العلاقات بين دول الخليج العربية وإيران

بشير البكر

غيّرت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران صورة العلاقات بين الأخيرة ودول مجلس التعاون الخليجي. ويغلب احتمال أنّها لن تعود إلى سابق عهدها في المدى القريب، بل هي مرشّحة للاهتزاز، وعدم الاستقرار على حال واحدة. والثابت أنّ الحرب رفعت منسوب التهديد الإقليمي على نحو مختلف عمّا كان عليه، تبعاً لموقف كلّ دولة، ووفق مصالح الأطراف، وحساباتها الأمنية والاقتصادية، وتحالفاتها العسكرية. وقد واجهت دول الخليج خياراً صعباً بين الردّ على الاعتداءات الإيرانية والانضمام إلى الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب على إيران. وصدرت مواقف صريحة من هذه الدول تعلن أنّ الحرب ليست حربها، ورفضت الانخراط فيها رغم ضغوط أميركية وهجمات إيرانية على البنية التحتية المدنية والمطارات ومنشآت الطاقة في جميع أنحاء الخليج العربي.

اعتبرت معظم دول مجلس التعاون إيران خصماً محتملاً على الدوام، باستثناء سلطنة عُمان، ولذلك كيّفت مواقفها بين اعتماد الدبلوماسية والخيارات الأمنية من أجل تجنّب أو مواجهة المخاطر الإيرانية، وقد قادها هذا إلى تحالفات مع الولايات المتحدة وأوروبا. ومن خلال التعاون العسكري، شعرت دول الخليج بأنّ لديها دعماً قوياً، يمكن أن يردع إيران عن القيام بأيّ أعمال عدائية، كما ساهم التحالف مع الولايات المتحدة في تحقيق توازن إقليمي، إذ عمل لكبح جماح نفوذ إيران في الخليج، بعد أن اجتاح العالم العربي، وتدخّل في الشؤون الداخلية لأربع دول عربية.

لا يبدو أنّ دول الخليج ستتصرّف من موقع انفعالي، والذهاب باتجاه التصعيد مع إيران، بل يميل الاتجاه العام إلى تغليب الخيار الدبلوماسي، والاستفادة من دروس الحرب لإرساء علاقات تعاون على أسس مختلفة عمّا كان عليه الوضع سابقاً، تقوم على تفاهمات بشأن أمن الخليج وعدم الاعتداء. ولكن هناك مؤشّرات إلى أنّ إيران تفكّر على نحو مختلف، وظهر هذا في استمرار بعض الاعتداءات ضدّ السعودية والإمارات، ما قد يقود بعض الدول إلى اللجوء إلى خيارات مختلفة. وهذا ينطبق على الإمارات، التي تحدّثت وسائل إعلام أميركية عن مشاركتها في هجمات ضدّ إيران. ويتبيّن من ردّات الفعل، والتصريحات الإيرانية الرسمية، أنّ هذا الاتهام قد يتحوّل إلى سبب نزاع أوسع بين البلدَين، وهو ما تنظر إليه دول في مجلس التعاون الخليجي بقلق شديد، وتسعى إلى تطويقه كي لا يجرّ منطقة الخليج إلى نزاع جديد ذي طابع إقليمي صرف.

عموماً، ساهم تحالف دول الخليج مع الولايات المتحدة في توفير مستوى من الحماية والأمن ضدّ التهديدات الإيرانية. ومع هذا، تظلّ التحدّيات قائمةً، ويتطلّب الوضع المستقبلي جهوداً مستمرّة لتعزيز التعاون الأمني وضمان استقرار المنطقة. وعلى الرغم من الاتجاهات التصعيدية لدى الجانب الإيراني، تحتاج دول الخليج إلى إدارة خلافاتها الداخلية في التعامل مع إيران من خلال جبهة موحّدة وفقاً للمبادئ الأساسية التي قام عليها المجلس التعاون الخليجي عام 1981 من منطلق الإحساس بالأخطار التي تهدّد الأمن القومي لدول شبه الجزيرة العربية.

يبقى الانخراط الدبلوماسي مع إيران والولايات المتحدة أمراً بالغ الأهمية لمنع تصاعد الصراع إلى حرب إقليمية أوسع، وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى الجهد الكبير الذي قامت به دولة قطر في الأسبوعَين الأخيرَين، إذ زار رئيس الوزراء وزير الخارجة الشيح محمّد بن عبد الرحمن آل ثاني الولايات المتحدة، وقابل كبار مسؤوليها من أجل إعطاء دفعة للوساطة الباكستانية من منظور خليجي، وأبدى المسؤول القطري حرصاً على نجاح هذه الوساطة لما تمثّله من فرصة ثمينة للأطراف كافّة لتجنّب العودة إلى الحرب، وفتح قنوات دائمة للحوار بين الأطراف المعنية كلّها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى