
خلال أشهر من التفاعل شبه اليومي مع أشخاص ينتمون إلى شريحة واسعة من السوريين، غير المنخرطين، بحكم تكوينهم التعليمي ونشاطهم المهني، بالشأن العام، لحظت قناعة راسخة لدى أغلبهم، تفيد بأن سوريا “غنية” بمواردها الباطنية. وأنها تقارع، لدى بعض من تحدثت معهم، دول الخليج. وفي حالات أكثر تواضعاً، تقع المقارنة مع العراق وليبيا. هذه القناعة شائعة إلى درجة كبيرة، وصادمة في “منطقها” بالنسبة لكل من يملك دراية أولية بموارد سوريا الباطنية انطلاقاً من خلفيات بحثية. ومع ارتفاع منسوب التذمر المعيشي، خصوصاً مع القفزة الأخيرة في أسعار المحروقات، تصبح هذه “الظاهرة” مدخلاً إضافياً من مدخلات “غضب” شعبي، قد تأتي مخرجاته انفجاراً غير مضبوط وغير معروف العواقب.
ووفق إطلاعنا، لم يسبق أن تم التطرق لهذه “الظاهرة” في الحالة السورية. كذلك يندر أن نجد كتابات أكاديمية تطرقت لذلك، في الغرب. إحدى المساهمات الملفتة في هذا السياق، كتاب “السذاجة وعلم النفس الاجتماعي- الأخبار الكاذبة، نظريات المؤامرة، والمعتقدات اللاعقلانية”، الذي أعدّه باحثان في علم النفس (جوزيف ب. فورجاس، وروي ف. بوميستر)، واللذان جمعا مساهمات بحثية من باحثين دوليين في عدد من الدول الغربية، تناقش موضوع “السذاجة” بوصفه أحد أهم الأسئلة المتداولة في الخطاب العام.
ويفيد هذا الكتاب في فهم أن “الظاهرة” المتمثلة في الميل لتصديق الافتراضات غير المحتملة وغير المدعومة بالأدلة، شائعة أكثر بكثير مما نظن، في التاريخ الإنساني. وبعيداً عن الطبيعية “التحقيرية” لوصف “ساذج”، يشير المتخصصون في الكتاب إلى الوظيفة “التكيفيّة” التي تجعل من “السذاجة”، واحدة من عوامل نجاح تأسيس المجتمعات البشرية، في عهود غابرة، يوم كانت المجتمعات –على صعيد الاتصال بين أفرادها- أصغر حجماً وأقل تنوعاً. لكنها اليوم تتحول إلى خطر على الحياة العامة في المجتمعات الضخمة الحديثة.
كان دافع معدّي الكتاب والمساهمين فيه، هو تمظهر أثر “السذاجة” في الحياة العامة بالديمقراطيات الغربية. فتجربة انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت)، وانتخاب ترامب، وصعود نجم اليمين المتطرف، كلها مؤشرات لتصاعد أثر هذه “الظاهرة”، بصورة تجعل “الحقيقة” في الحياة العامة في خطر. فاستعداد الشخص لتصديق معلومات خاطئة أو مضللة، تجعل من السهل التأثير عليه.
يدرس الكتاب “الآليات النفسية لـ”السذاجة”. ومن ذلك، أن البشر يميلون إلى محاولة التقليل من الاعتراف بالعشوائية، ويفرطون في إدراك الأنماط والروابط، والعثور عليها أو تخيّلها، حتى في المواضع التي لا يوجد دليل على أنها تحتوي على روابط أو أنماط. وكان لذلك فوائد كبيرة على صعيد التطور البشري. لكن كانت له كُلف باهظة أيضاً، منها على الصعيد الفردي، بروز “الوسواس القهري”. ومجتمعياً، أنتج ذلك النزعة إلى خلق روابط بين أحداث عشوائية غير مترابطة، مما ينتج معتقدات خاطئة، تقود في حالات كثيرة إلى العنف والعدوانية. وتستغل الدعاية السياسية المضللة ذلك. ويوضح الكتاب، أن الوحشية والعنف عبر التاريخ الإنساني، كانا يرتكبان باسم الاستنتاجات السببية الخاطئة.
أحد المصادر الكبرى لـ”السذاجة”، ميل البشر إلى تصديق القصص الشيّقة الآسرة والواضحة، التي يسهل تخيلها. وكلما كانت المعلومات سلسة ويسهل الوصول إليها، زاد احتمال تصنيفها على أنها حقيقة. كما أننا أكثر استعداداً لتصديق المعلومات التي تمتدحنا من تلك التي لا تمتدحنا. وأبرز النقاط الملفتة في الكتاب، الإشارة إلى أن الأنظمة الرسمية للمنطق، التي أرساها الفلاسفة عبر التاريخ، ليست جزءاً طبيعياً من الطريقة التي يفكر بها الناس عادة في المواقف اليومية.
ويذهب الباحثون في علم النفس التطوري إلى خلاصة مفادها، أن التطور شكّل أمخاخ البشر بطريقة جعلتها مجهزة ببرامج لمعالجة المعلومات، تبدو مصممة لتشويه الواقع، لأهداف تكيفيّة. وهو ما كان مفيداً في مراحل التطور السابقة. لكنها اليوم ذات أثر معاكس تماماً. فهي الأساس الذي تبني عليه التيارات الشعبوية والديماغوجية. والتي تتيح المجال واسعاً لانتشار الأخبار الزائفة، ولتصاعد المدّ المستند لمشاعر الانتماء الهوياتي والقومي، في الحياة العامة.
أحد المؤثرات المهمة الحديثة في ترويج “السذاجة”، وفق الكتاب، ظهور وسائل التواصل عبر الانترنيت. إذ قبل ذلك، كانت هناك طبقة من الخبراء والمتخصصين، مستقرة مؤسسياً في نظامنا الاجتماعي. لكن “مؤثري” السوشال ميديا، أقصوهم اليوم، إلى حد كبير، من التأثير على الجمهور الواسع.
“سوريا الغنية” بمواردها الباطنية، والتي تقارع الخليج أو العراق وليبيا، والتي يجب أن يحيا مواطنوها بمستوى معيشة أقرانهم في هذه الدول، استناداً إلى الثروة “الريعية” الضخمة، المتخيلة، هو نموذج متفاقم لهذه “الظاهرة”. ونزعم أنه مدخل من مدخلات “الغضب” الشعبي المتفاقم اليوم، لأسباب معيشية. لا يقل خطورة عن مدخلات من قبيل: سياسة “الصدمة” في الانتقال إلى اقتصاد السوق، وغياب الحوكمة والتشاركية في صنع القرار المتعلق بمعيشة الناس. فحينما تسأل أحدهم، ما مصدر معلوماتك عن “ثروة” سوريا من الموارد الباطنية، يفاجئك بصفحة “فيسبوك” أو “ريلز” مصوّر من مصدر غير موثوق، أو “مؤثِّر” غير خبير. وفي هذه الحيثية، يمكن تلمّس الانخفاض الكبير في الثقة بالمصادر الرسمية. ولا نستطيع إرجاع ذلك إلى ميراث عدم الثقة بالحكومة من عهد النظام البائد. فالفترة التي أعقبت إسقاط نظام الأسد مباشرة، شهدت ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب شعبية سلطة ما، في سوريا. وهو رصيد تم تبديده لاحقاً، عبر خطاب غير مدروس للشارع، يرفع سقف التوقعات بصورة يدفع القائمون على الأمر اليوم، أثمانها باهظاً، متمثلةً في عدم استعداد الكثير من السوريين، لاعتمادهم كمصدر للمعلومة، حتى الرسمية.
لذلك قد تكون إحدى أبرز وسائل معالجة هذه المعضلة، هو بحث كيفية إعادة بناء الثقة بين صانع القرار وبين الشارع. إلى جانب وسائل معالجة أخرى، أبرزها رفع منسوب التشاركية مع أصحاب المصلحة في كل قضية يتم اتخاذ القرار فيها. والتواضع للناس، مجدداً، كي يتم جذبهم بعيداً عن تأثير الراغبين باستغلال النقمة المعيشية المتفاقمة. فخلطة “السذاجة” في تقييم “ثرواتنا” الريعية، مرفقةً بضغط معيشي كبير، في مرحلة انتقال “أليم” بأسلوب “الصدمة”، من اقتصاد مغلق إلى اقتصاد مفتوح، هي تشبه إيقاد النار في عشب جاف، وتوقُع ألا يحترق.
المصدر: المدن






