
اهتم مفكرو عصر النهضة العربية بالحداثة السياسية في الغرب، منذ بداية احتكاكهم به منذ القرن التاسع عشر. وقد برز من بين روّاد الإصلاح عدد يصعب حصره، من بينهم: رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، وأديب اسحاق، وعبد الرحمن الكواكبي، وجمال الدين الافغاني، ومحمد عبده وعبد الله النديم، ورشيد رضا، وغيرهم كثيرون.
فمثلاً، رفاعه الطهطاوي يقول في كتابه “تلخيص الإبريز في وصف باريز”: ما يسمونه الحرية ويرغبون فيه، هو عين ما يطلق عليه عندنا العدل والإنصاف، وذلك لأنّ الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين بحيث لا يجور الحاكم على إنسان، بل القوانين هي المحكِّمة والمعتبرة”.
ويشير الأفغاني في “العروة الوثقى” إلى أنّ الدولة التي لا تُستشار في مصالحها، ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية، وإنما هي خاضعة لحاكم واحد إرادته قانون ومشيئته نظام، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، فتلك الدولة لا تثبت على حال واحد، ولا ينضبط لها سير.
أما السوري عبد الرحمن الكواكبي، فقد قال “يا قوم هداكم الله، إلى متى هذا الشقاء المديد والناس في نعيم مقيم وعز كريم أفلا تنظرون؟ وما هذا التأخر وقد سبقتكم الأقوام ألوف مراحل حتى صار ما بعد ورائكم أمام أفلا تتبعون؟ أم أنتم كأهل الكهف ناموا ألف عام ثم قاموا وإذا بالدنيا غير الدنيا والناس غير الناس فأخذتهم الدهشة والتزموا السكون”. وفي سعيه لرفع الاستبداد، حدّد الكواكبي ثلاث قواعد هي:
“الأمة التي لا يشعر أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية”، لأنّ الأمة التي توارثت الاستبداد قروناً عديدة تعتاد عليه، وتأتلف معه حتى أنها تنسى الحرية ولا تعرف لها قيمة، مما يجعلها تقاوم المستبد لتنصّب مستبداً آخر مكانه، أو تنتقم من المستبد لشخصه ولا تنتقم من مؤسساته التي تكبر وتفرّخ استبداداً آخر قد يكون أكثر عنفاً وقبحاً.
“الاستبداد يقاوم بالحكمة والتدرج”، فالوسيلة الوحيدة لقطع دابر الاستبداد هي تَرَقّي الأمة ونشر الوعي والثقافة، وهذا يحتاج إلى زمن طويل، خصوصاً وأنّ الشعب قد فقد الثقة بالحكام زمناً طويلاً وفقد كذلك الثقة بالدعاة والمحرضين. إذ إنّ الكواكبي لا يراهن على السلطة بوصفها السطح السياسي بل يراهن على القاع الاجتماعي، فهو يدعو إلى التقدم بخطوات وئيدة لكن موزونة ومدروسة وعبر دعم المواطنين لهذه الخطوات، وإلا فالمقاومة المتسرعة للمستبد دون مراعاة الشروط تقود إلى فتنة تحصد الناس حصداً، وتنتكس بمشروع التحديث السياسي للوراء.
“قبل مقاومة الاستبداد يجب تهيئة البديل”، ويجب تعيين الغاية المرجوة من مقاومة المستبد، ألا وهي الحكومة الديمقراطية وتعيين ملامحها وسماتها لئلا يقود تغيير الحاكم المستبد إلى آخر أكثر استبداداً، ولا يكفي تعيين الهدف، بل يجب معرفته معرفة دقيقة وواضحة قدر الإمكان. كما ينبغي تحديد الطريق الموصل إلى الهدف، وبلغة السياسة: لا بدَّ من رسم البرنامج وتعبئة المواطنين حوله.
ويعتقد الكواكبي أنّ الناس جميعاً متساوون، وأنّ ليس هناك إنسان يفضل سواه لانحداره من سلالة خاصة، أو بما ينتقل إليه من جاه بطريق الوراثة أو بما يحصله من مال أو سلطان، وإنما معيار الأفضلية هو الإحجام عن الشر. لذلك، نراه يطلب المساواة في الحقوق الطبيعية (حفظ الذات والنوع) وفي الحقوق السياسية (لا فرق بين حاكم ومحكوم، بل لابدَّ من المشاركة السياسية) وفي الحقوق المدنية (حق التملك والحرية الفردية) وفي الحقوق العامة (حق التعلم والعمل والسكن والصحة) من دون تفرقة بين غني وفقير، أو حاكم ومحكوم.
أما من حيث المساواة في الواجبات، فيورد الكواكبي حديث “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”، أي كل منكم سلطان عام ومسؤول عن الدولة، فالناس جميعهم مطالبون، على قدم المساواة، بحفظ كيانها والدفاع عنها ضد الأخطار، وبالأخذ بيدها نحو التقدم والازدهار، ولا يحق لأحد التنصل من هذه المسؤولية كما لا يحق لأحد أن يمنع آخر عن القيام بهذا الواجب، فلا بدَّ أن يقتسم الناس مشاق الحياة ويمارسوا أعمال الزراعة والصناعة والتجارة، مبتعدين عن الارتزاق بالحيلة والشعوذة والسمسرة، وما أكثرها اليوم في حاضرنا السوري.
ويصف الكواكبي الحرية بأنها قدرة الإنسان على الاختيار “بأن يكون الإنسان مختاراً في قوله وفعله لا يعترضه مانع ظالم”. وترتبط لديه بفكرتي العدالة والمساواة. وتتعدد جوانبها لديه من حرية التعبير إلى حرية الاعتقاد والعلاقات وحقوق التملك. وهو، مع مطالبته بحق التعبير عن الرأي والمطالبة بالحقوق، فإنه يدعو إلى ضرورة وجود الحرية السياسية، إذ نراه يعدّد من فروعها “محاسبة الحكام باعتبار أنهم وكلاء، وعدم الرهبة في المطالبة، وبذل النصيحة”.
ويقرن الحرية الشخصية بالحرية السياسية، ويرفض أن تسيطر الحكومة على أعمال الناس وأفكارهم، إذ لا حدود لحرية الفكر، لأنّ الدولة “جامعة سياسية اختيارية، لكل فرد حق إشهار رأيه فيها”. أما حرية الفعل فهي مشروطة بعدم مخالفة القانون الذي يرتضيه المجتمع لنفسه، أي لا يتعدى القواعد الاجتماعية العامة السائدة، فيما عدا ذلك، لا يحق لأحد أو لهيئة، بما في ذلك الحكومة، أن تحدَّ من استخدام الإنسان حريته.
والحرية السياسية لا تكتمل إلا بوجود حكومة دستورية مراقبة ومسؤولة أمام المواطنين. أما الحكومة الاستبدادية فعلى الإنسان أن ينتزع حريته منها انتزاعاً، مهما كلفه ذلك، لأنّ الحرية مطلب عزيز يستحق الثمن الغالي الذي يدفع في سبيل إحرازه.
وفي سياق للحرية يدعو إلى الشورى الدستورية، التي لا تتأتى إلا بسيادة الشعب على نفسه، عن طريق مشاركته في ممارسة الحكم ليكون الحكم عادلاً. وفي الواقع فإنّ الشورى الدستورية التي دعا إليها الكواكبي، ما هي إلا الديمقراطية، باعتبارها الوسيلة العصرية المؤكدة لممارسة جوهر الشورى عن طريق كفالة حق الناس في اختيار حكامهم وتقرير مصير مستقبلهم.
وهكذا، لعلنا لا نعدو الحقيقة إذا اعتبرنا أنّ مطلب دولة الحق والقانون كان مطلباً أثيراً لدى رجال الإصلاح في عصر النهضة العربية منذ القرن التاسع عشر، فالدولة العادلة والقادرة هي جوهر النهضة وأساسها المتين، إذ إنّ الاستبداد هو السبب الأساسي للتأخر في العالم العربي. ومهما يكن الأمر، فإنّ الدعوة إلى بناء الدولة الحديثة شكلت الأساس لدى الغالبية من رجال الإصلاح، الذين رأوا بأم العين كيف أنّ تقدم الغرب جاء بسبب تقدم نظامه السياسي المحكوم بالدستور.
المصدر: صحيفة الثورة السورية



