كيف يمكن إنهاء الأزمة الإيرانية؟

فيديريكا موغيريني و ساهيل ف. شاه

لا يبقى أمام واشنطن، إذا أرادت منع التسلح النووي فعلاً، سوى اتفاق تفاوضي أكثر صلابة وديمومة، يقوم على الخبرة التقنية والحوافز الموثوقة والضمانات المتبادلة، لا على الإكراه وحده.

على رغم المفاوضات المحمومة التي استمرت طوال ليل الثاني عشر من الشهر الجاري، انهارت محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة. ولم تكن الخلافات التي كان على الجانبين تسويتها قليلة، لذلك كان من الطبيعي أن يكون من الصعب عليهما التوصل إلى تسوية دائمة لحربهما. لكن يبدو أن قضية واحدة، فوق كل شيء، كانت مسؤولة عن هذا الفشل: البرنامج النووي الإيراني. فقد كتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي: “سار الاجتماع على نحو جيد، وتم الاتفاق على معظم النقاط. لكن النقطة الوحيدة التي كانت تهم حقاً، النووية، لم يُتفق عليها”.

ليس مستغرباً أن تكون القضية النووية محور تركيز ترمب الأساسي، أو أن تكون السبب في انهيار المحادثات. فقد شكّلت إدارة الطموحات النووية الإيرانية تحدياً محورياً للدبلوماسية العالمية على مدى عقود. لكن الولايات المتحدة، خلال كلتا ولايتي ترمب، حاولت إرغام إيران على التخلي الكامل عن برنامجها النووي من خلال الخنق الاقتصادي والعمل العسكري… ففي 28 فبراير (شباط)- اليوم الذي بدأت فيه واشنطن قصف طهران- قال ترمب: “سنضمن ألا تحصل إيران على سلاح نووي”. لكن بعد ستة أسابيع، لا يزال التحدي الأساسي قائماً. فقد تكون الحرب ألحقت أضراراً هائلة بإيران، لكنها لم تمحُ المعرفة النووية الأساسية لدى البلاد ولا قدرتها الطويلة الأمد على إعادة بناء البرنامج.

وأصبح هذا الخطر الآن أكثر حدة من الناحية السياسية، حتى وإن كانت القدرة التقنية لإيران على المدى القريب قد تعرضت لضرر شديد. فالدرس الذي قد يستخلصه كثيرون في طهران من الحرب ليس أن ضبط النفس يجلب الأمن، بل إن الضعف يجعلهم أكثر عرضة للهجوم. وهذا لا يعني أن اندفاعة سريعة أو سرية نحو امتلاك سلاح نووي مرجحة؛ إذ إن أي تحرك جاد لإعادة تكوين مثل هذه القدرة سيستغرق وقتاً، وسيكون من السهل رصده. لكنه يعني أن الحجة الداعية إلى الاحتفاظ بخيار ردع مستقبلي يُرجح أنها أصبحت أقوى.

وتؤكد هذه النتائج ما كان ينبغي أن يكون واضحاً منذ البداية: الدبلوماسية هي السبيل الوحيد العملي لضمان أن يكون برنامج إيران للطاقة النووية سلمياً. وهي، في نهاية المطاف، نجحت من قبل. فعلى مدى أكثر من عقد، عمل دبلوماسيون أميركيون إلى جانب نظرائهم من الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي من أجل التوصل إلى اتفاق تفاوضي مع إيران بشأن برنامجها. وكانت النتيجة خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، التي قبلت فيها إيران بقيود قابلة للتحقق على ذلك البرنامج مقابل رفع العقوبات. وقد قادت فيديريكا موغيريني، المشاركة في كتابة هذا المقال، المفاوضات وتنفيذ ذلك الاتفاق؛ فيما أمضى المشارك الآخر، شاه، سنوات يعمل على البنية السياسية المحيطة به. ولم تدخل هذه المجموعة المتنوعة من الدول في مفاوضات مع طهران لأنها تثق بها، أو لأنها كانت ساذجة حيال الطبيعة المعقدة للنظام، أو لأنها كانت تعتقد أن الدبلوماسية وحدها كفيلة بحل كل ما لديها من مخاوف. بل فعلت ذلك لأنها كانت تدرك أن البديل من الدبلوماسية هو الفوضى والدمار اللذان نشهدهما الآن.

وبالطبع، لم يدم الاتفاق النووي. ففي عام 2018، وبعد أقل من عامين على توليه المنصب، ألغى ترمب الاتفاق من جانب واحد، على رغم أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت أن إيران كانت ملتزمة به، وعلى رغم أن جميع الأطراف الأخرى أرادت استمراره. لكن هذا الإخفاق ليس حجة ضد المحاولة من جديد. بل إنه يعني، في الواقع، أن على واشنطن هذه المرة أن تذهب أبعد، عبر إنشاء ترتيبات تجعل أي اتفاق أكثر ديمومة، وبالتالي أشد صعوبة على أي طرف أن ينسحب منه. وقد لا يرضي ذلك من يرون أن طهران غير جديرة بالثقة من الأساس، ويأملون في إخضاعها بالقوة… ولمنع البلاد من السعي إلى امتلاك أسلحة نووية، لا بد للولايات المتحدة من التوصل إلى اتفاق مع الجمهورية الإسلامية. وبالنظر إلى أن إيران قد تكون الآن أكثر تحفيزاً من أي وقت مضى لامتلاك رادع، فعلى واشنطن أن تضمن نجاح الاتفاق المقبل.

وحتى لو كانت طهران قد بلغت بالفعل عتبة تغيير الوجهة [الانتقال من برنامج مدنية إلى آخر عسكري] والمضي نحو تسليح موادها النووية، فإن معظم المحللين الجادين رأوا أن الضربات العسكرية لن تفعل الكثير لمنع ذلك، بخاصة على المدى الطويل. فإيران بلد يزيد عدد سكانه على 90 مليون نسمة، ويتمتع بقدرات علمية وصناعية عميقة أفرزت برنامجه المتطور للطاقة النووية. وهذه المعرفة لا يمكن محوها بالقصف. فقد يدمر العمل العسكري المنشآت، لكن يمكن إعادة بنائها في مواقع أعمق تحت الأرض، وبعزم أكبر، وبدعم سياسي داخلي أوسع. وهناك سبب جعل المحللين ينصحون إدارات أميركية متعددة بأن ضرب طهران لن يؤدي أبداً إلى التدمير الكامل لبرنامجها.

وبدلاً من ذلك، توقع محللون أن تؤدي الحرب مع إيران إلى تعزيز نفوذ أكثر التيارات تشدداً ومحافظة داخل البلاد، وإشاعة الصراع في أنحاء المنطقة، ودفع أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات باهظة. وقد ثبتت صحة هذه الاستنتاجات على نحو مدمر. فبمجرد تعرضها للهجوم، سارعت طهران إلى توسيع الحرب عبر إطلاق صواريخ على دول عربية وإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة. ونتيجة لذلك، قفزت أسعار الطاقة. وقتلت الضربات الأميركية والإسرائيلية المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي، لكن ابنه مجتبى حل محله سريعاً. وخسر الحرس الثوري الإيراني جزءاً كبيراً من بنيته التحتية، لكن قبضته على إيران اشتدت مع استمرار القتال. ولم تُنهِ الحرب الخبرة النووية الإيرانية ولا جميع قدراتها. بل إنها، إن صح التعبير، عززت الحجة لدى بعض المتشددين الإيرانيين بأن الردع النووي وحده قادر على ضمان بقاء النظام. ولهذا السبب تحديداً، يصبح التوصل سريعاً إلى اتفاق تفاوضي أكثر أهمية الآن من أي وقت مضى.

أما المفاوضات، فعلى النقيض، فلها سجل مثبت في التأثير إيجابياً في السلوك الإيراني. ولا تزال خطة العمل الشاملة المشتركة الحالة الوحيدة التي وافقت فيها إيران على تقييد مخزوناتها وقدراتها النووية، ولذلك فهي لا تزال المعيار. لكن النجاح في أعقاب هذه الحرب سيتطلب من الولايات المتحدة وإيران مواجهة الإخفاقات البنيوية التي أوصلتهما إلى هنا بصراحة. فالبرنامج النووي الإيراني معقد وشديد الخصوصية. وهو يتمحور حول مستويات التخصيب، وأداء أجهزة الطرد المركزي، وإدارة المخزونات. وكان التفاوض على قيود قابلة للتحقق على مثل هذا النظام يتطلب معرفة تقنية استثنائية، وهو ما كانت تمتلكه الفرق التفاوضية متعددة الجنسيات الخاصة بخطة العمل الشاملة المشتركة. فعلى سبيل المثال، أوعزت الولايات المتحدة إلى مختبراتها الوطنية بإجراء نمذجة علمية لضمان أن تكون القيود المفروضة على تخصيب إيران مضبوطة بما يتوافق مع أطر زمنية محددة لبلوغ العتبة النووية، وأن يكون الالتزام قابلاً للتحقق في الوقت الفعلي عبر معدات مراقبة مبتكرة

كما أن الوفود التي أدارت تلك المحادثات كانت تفهم السياسة الإيرانية. فعلى سبيل المثال، كانت تعلم أن التخصيب أصبح في إيران مسألة هوية علمية وطنية، وليس مجرد برنامج تقني، وأن أي اتفاق يطالب بإلغائه بالكامل كان سيُرفض حتى من جانب الحكومات الإيرانية الإصلاحية. وكانت تدرك أن المفاوضين الإيرانيين يتحركون داخل إطار السياسة الفصائلية في بلادهم، وأن أي تسوية ينبغي أن تعكس ما يستطيع كل طرف تقديمه من تنازلات من دون أن يخسر دعمه الداخلي. والأهم من ذلك، أنها كانت تدرك الفرق بين الموقف الافتتاحي والعرض النهائي، وهو فرق يتطلب خبرة وانضباطاً لاكتشافه.

 وخلال المحادثات التي سبقت الحرب، فسر المفاوضون الأميركيون رفض إيران قبول عرض يقضي بتزويدها بوقود نووي أميركي على أنه دليل على أن طهران ليست جادة في إبرام اتفاق، وذلك وفقاً لما أوردته الصحافية لورا روزن. لكن أي مفاوض ملم بتاريخ العلاقات الأميركية – الإيرانية كان سيدرك أن هذا موقف قديم ومستقر ولا ينطوي على دلالات عدائية. وبالمثل، جرى التعامل مع اقتراح إيران تعليق التخصيب لسنوات والتخلي عن تراكم اليورانيوم المخصب – وهو ما كان يمكن، لو طُبق، أن يمنع التسلح – على أنه غير كافٍ. كما يبدو أن بعض السمات الأساسية للبنية التحتية النووية الإيرانية، بما في ذلك منشآت خضعت لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لسنوات، قد أسيء فهمها من جانب المفاوضين الأميركيين، ما قاد إلى شكوك لا يشاركهم فيها المختصون في منع الانتشار النووي. ولمنع تكرار ذلك مستقبلاً، يجب أن تُدعَم المفاوضات المقبلة بعمق الخبرة الذي تتطلبه المهمة. ولا وجود لأي طريق مختصر.

كما يجب أن تقدم المفاوضات حوافز، لا أن تقتصر على الضغط. فالإكراه من دون مسار دبلوماسي موثوق ليس نفوذاً، بل تصعيد. ويمكن للدول أن تستخدم العقوبات الاقتصادية، والضغط العسكري، والعزلة الدبلوماسية للتأثير على الآخرين. لكن فاعلية هذه الآليات تعتمد في النهاية على كيفية استخدامها، وعلى ما يُراد منها أن تحققه. كما تعتمد على ما إذا كانت الدول تقدم، في الوقت نفسه، حوافز إيجابية وموثوقة لحفز تغير السلوك.

وخلال مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة، قدم شركاء إيران التفاوضيون لها مساراً منظماً إلى الأمام، بدأ باتفاق موقت قاد إلى اتفاق أشمل. وقد عرضت هذه الدول تخفيفاً مرحلياً للعقوبات، وإمكانية الوصول إلى الأصول المجمدة، واحتمال تطبيع العلاقات الاقتصادية بالكامل، بحيث يرتبط كل ذلك بخطوات إيرانية مقابلة. لكن في الفترة التي سبقت الحرب الحالية، اعتمدت الولايات المتحدة تقريباً حصراً على الضغط، فطرحت مطالب قصوى وواصلت تطبيق إجراءات قسرية حتى في وقت كان فيه الطرفان يتبادلان المقترحات. ولم تقدم لطهران أي تصور موثوق لما يمكن أن يحمله المستقبل. ومن ثم خلص الإيرانيون إلى أن واشنطن شريك لا يمكن الاعتماد عليه. ومن وجهة نظر طهران، فإن الاتفاقات مع الولايات المتحدة، بما فيها المعاهدات التي صدق عليها مجلس الشيوخ الأميركي، يمكن التنصل منها بسهولة. ولا توجد ضمانات سياسية أو قانونية تجعل الالتزامات الأميركية طويلة الأمد، كما أن الانخراط لا يوفر حماية من التصعيد. وفي ظل هذه الظروف، لا يترجم الضغط الأميركي وحده إلى نفوذ. بل إنه يضيق مساحة النقاش ويرفع خطر المواجهة.

التوصل إلى اتفاق

كان يُنظر إلى مشكلة الثقة في مفاوضات إيران في السابق على أنها مشكلة أحادية الجانب. فقد اعتادت العواصم الغربية التعامل مع مدى موثوقية إيران بوصفه المتغير الأساسي، أي السؤال الذي يجب أن يدور حوله تصميم أي اتفاق. لكن هذا لم يعد توصيفاً أميناً. فالولايات المتحدة تخلت من جانب واحد عن اتفاق كانت إيران ملتزمة به. كما شنت عمليتين عسكريتين خلال مفاوضات نشطة. وقد استوعبت إيران هذه الوقائع، وستتذكرها مستقبلاً.

وعلى رغم هذا السجل، فإن إيران مستعدة لتقديم تنازلات. فقيادة البلاد ليست كتلة واحدة، وبعض كبار الشخصيات فيها يدركون أن العزلة الاقتصادية والحرب غير قابلتين للاستدامة. ولن تتخلى إيران عن برنامجها النووي، لكن تخفيف العقوبات وإنهاء الصراع الذي استنزف اقتصاد البلاد يمثلان أيضاً مصلحة جوهرية. ولذلك فإن طهران مستعدة لفرض قيود على الأول مقابل إنهاء الثاني.

لكن أي اتفاق مستقبلي سيتعين عليه أيضاً أن يُخضع الولايات المتحدة لمساءلة متبادلة. وهذا يعني أنه يجب أن يُبنى بحيث يصمد أمام التغير السياسي. فقد كشف انهيار خطة العمل الشاملة المشتركة بعد الانسحاب الأميركي عام 2018 عن هشاشة بنيوية. فقد قدمت إيران مسبقاً أهم تنازلاتها في مجال منع الانتشار- خفضت قدرة التخصيب، وشحنت المخزونات إلى الخارج، وقبلت بنظام تحقق مشدد- بينما جاءت تنازلات واشنطن في مراحل لاحقة. وهذا يعني أنه عندما انسحبت الولايات المتحدة، كانت إيران قد قدمت بالفعل كثيراً مما كان ينبغي لها تقديمه، فيما لم تكن المنافع الاقتصادية المتبادلة قد تبلورت بالكامل بعد. وعلى مدى عام كامل بعد إعادة فرض العقوبات، واصلت إيران الالتزام بشروط خطة العمل الشاملة المشتركة أملاً في أن تتمكن الأطراف الأخرى من سد الفجوة على نحو كاف. وقد حاولت تلك الدول، بما فيها دول أوروبية، القيام بذلك بجدية، فأنشأت عدداً من الآليات وأبدت قدراً لافتاً من الإبداع. لكن جهودها لم تحقق نتائج كافية. ولذلك خلصت طهران إلى أن الالتزام بشروط الاتفاق لا يضمن استمراريته، وأن التغيير السياسي الداخلي في واشنطن يمكن أن ينسف التزامات تفاوضت عليها دول متعددة.

وسيحتاج أي اتفاق مستقبلي إلى تصحيح هذا الاختلال على مستوى التصميم، لا على مستوى التسلسل فقط. ويجب أن تُصمم الالتزامات الاقتصادية ضمن بنية مؤسسية مقصودة، لا أن تُترك لقوى السوق وحدها. وعلى وجه الخصوص، يجب التعامل مع رفع العقوبات على أنه أمر ينبغي تنفيذه فعلياً، لا مجرد السماح به.

كما ينبغي للطرفين أن يدرسا بناء ما يسمى الضمانات التقنية، أي مشروعات تعاونية تخلق استثمارات مادية مشتركة في استمرار الاتفاق. وقد تشمل هذه المشروعات تطوير بنى تحتية مشتركة مع إعادة بناء إيران بعد الحرب، أو تعاوناً إقليمياً في دورة الوقود النووي، أو برامج لتحديث الطاقة تفيد جميع الأطراف لكنها تتطلب تعاوناً مستداماً للحفاظ عليها. وتُظهر مثل هذه المشروعات الالتزام من خلال فعل ملموس، وتخلق دوائر داخلية لها مصلحة في بقاء الاتفاق، والأهم أنها ترفع كلفة الانسحاب على جميع الأطراف، لا على إيران وحدها. فعلى سبيل المثال، تضمنت خطة العمل الشاملة المشتركة تعاوناً واسعاً في المجال النووي المدني مع دول مثل الصين وروسيا والمملكة المتحدة في تحديث المفاعلات – وهو عمل استمر سنوات بعد الانسحاب الأميركي تحديداً لأنه أنشأ استثمارات مادية ومؤسسية مشتركة كان التخلي عنها مكلفاً. ويجب أن تُصمم الالتزامات الاقتصادية في أي اتفاق مستقبلي بالبنية المؤسسية المقصودة نفسها، لا أن تُترك لقوى السوق وحدها.

وسيتطلب بناء بنية تحتية من هذا النوع جهداً مقصوداً. ومن المرجح أن يحتاج إلى أكثر من بضعة أيام، بل ربما إلى أكثر من بضعة أسابيع، حتى توضع خطوطه العامة. لكنه السبيل الوحيد لإقناع المفاوضين الإيرانيين بأن هذه المرة ستكون مختلفة.

مخرج واحد

وللوصول إلى اتفاق، يجب على واشنطن أن تجمع بين الضغط والحوافز الحقيقية، بما في ذلك طرح رؤية واضحة ومعلنة لما الذي سيقدمه أي ترتيب نهائي لإيران، وللولايات المتحدة، وللعالم الأوسع. فقد تصورت ديباجة خطة العمل الشاملة المشتركة تحولاً في علاقة إيران بالدول الأخرى، لكن هذا التصور لم يُفعَّل بالكامل قط. ويجب على أي اتفاق مستقبلي أن يذهب أبعد من ذلك، وأن يحدد ليس فقط القيود النووية التي ستقبل بها إيران، بل أيضاً العلاقة السياسية والاقتصادية التي ستحصل عليها في المقابل. ويجب أن يفعل ذلك بصيغة ملموسة بما يكفي لكسب الدعم الداخلي لدى جميع الأطراف.

وبالطبع، فإن انعدام الثقة والديناميات الداخلية في كل من واشنطن وطهران جعلا تقديم التنازلات أكثر صعوبة على المسؤولين. كما أن الأطر المؤسسية التي كانت تشكل سابقاً أساس الانخراط المتعدد الأطراف – مثل قرار مجلس الأمن الدولي الذي كرس خطة العمل الشاملة المشتركة، وترتيبات التحقق الموسعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية في إيران، والصيغة متعددة الأطراف التي حافظت على الانخراط مع طهران – قد ضعفت. وفي هذا السياق، سيكون العثور على حل دبلوماسي مستدام لبرنامج إيران النووي أمراً صعباً.

لكنه ليس مستحيلاً. فالمعرفة الخاصة بكيفية بناء اتفاقات فعالة لا تزال موجودة داخل الحكومات والمنظمات الدولية ومجتمع منع الانتشار النووي الأوسع. وهذه المعرفة رصيد استراتيجي. وينبغي للحكومات التي تستعد للجولة التالية من المفاوضات أن تستعين بهذه الخبرة الآن، وهي تصمم الأطر وتسلسل الخطوات اللذين يمكن أن يمنحا أي اتفاق القدرة على الصمود.

ولم يكن السعي إلى الدبلوماسية مع إيران في يوم من الأيام مجاملة لطهران، بل كان تعبيراً عن مصلحة ذاتية من جانب الأطراف الدولية التي أرادت تجنب البديل. وقد برهنت هذه الحرب المروعة على صواب هذا المنطق، وينبغي أن تدفع مسؤولي اليوم إلى تجنب أخطاء الماضي. لقد جاءت الفرصة التالية للدبلوماسية. والسؤال هو: هل سيعود العالم إلى طاولة التفاوض بعد أن تعلم شيئاً على الإطلاق؟

ترجمة عن “فورين أفيرز” 13 أبريل (نيسان) 2026

شغلت فيديريكا موغيريني منصب الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية من 2014 إلى 2019؛ وقادت المفاوضات بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران وأشرفت على تنفيذها. كما شغلت في عام 2014 منصب وزيرة الخارجية والتعاون الدولي في إيطاليا.

ساهيل ف. شاه زميل أول في سياسات الأسلحة النووية في معهد الأمن والتكنولوجيا.

المصدر: أندبندنت عربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى