
لا مهرب من خيار السلام على صعوبته، فأي خيار آخر يقود إلى نهاية لبنان، لأن المعادلة مكتوبة على الجدار: إما تفكيك المنظومة العسكرية والأمنية لـ”حزب الله”، وإما تفكيك البنية الوطنية والاجتماعية في لبنان، ولا قوة تستطيع إنهاء لبنان.
ما أشبه الليلة بالبارحة وما أبعدها منها، أما الشبه، فهو أن لبنان يعود اليوم، بعد عقود من الدوران حول نفسه وحول الآخرين، إلى النقطة التي كان فيها عام 1983 بعد الاجتياح الإسرائيلي: التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركا تحت عنوان الأرض مقابل السلام. وأما البعد، فإنه متعدد الجوانب في ظروف متغيرة داخل البلد والإقليم، تبدلت وتراكمت أحياناً فيها الحقب: الحقبة الفلسطينية، الحقبة الإسرائيلية، الحقبة السورية، والحقبة الإيرانية. من رعى المفاوضات بالأمس بعد ترحيل الرئيس ياسر عرفات وفصائل منظمة التحرير إلى تونس وبلدان أخرى كان الرئيس رونالد ريغان ووزير الخارجية جورج شولتز. ومن يرعى المفاوضات اليوم هو الرئيس دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو. بنیامين نتنياهو وإسرائيل كاتس مكان مناحيم بيغين وآرييل شارون. الرئيس جوزاف عون محل الرئيس أمين الجميل. “حزب الله” مكان الفصائل الفلسطينية. وإیران مكان سوريا. والعقدة، بصرف النظر عن الخلافات داخل المفاوضات، كانت المواقف الرافضة له من خارج قاعة التفاوض، وهي مشكلة الربط وفك الربط بين الوضع اللبناني وأوضاع القوى الإقليمية والدولية اللاعبة فيه والمتلاعبة به.
الموفد الأميركي الخاص فيليب حبيب، وهو من أصل لبناني، طلب الرئيس حافظ الأسد من ريغان إبداله بعدما صار بيغن يرفض استقباله، فأصدر بعد التقاعد مذكراته بعنوان “ملعون صانع السلام”. وفي الزيارة الأولى للبديل منه ماكفرلين قبل أن يصبح مستشاراً للأمن القومي قال له الأسد “قل للرئيس ريغان إنه إذا قُتل له مئة جندي في بيروت يسقط في واشنطن، وإذا قُتل لي 10 آلاف جندي أصبح زعيم العالم العربي”. أما الوزير شولتز الذي أدار المفاوضات في مرحلتها النهائية للتوصل الى اتفاق الـ17 من مايو (أیار)، فإن انطباعه الأول كان قوله “وجدت نفسي بين تلموديين وتجار سماسرة شرقيين”. وقد روى في مذكراته “اضطراب وانتصار” أنه رفض عرض مسؤولين وغير مسؤولين بينهم كيسنجر “أن يتوقف عن التركيز على مشكلات لبنان لئلا تطغى على ما عداها، ويلتفت إلى تقديم مشروع للشرق الأوسط كله”، ويصر على أن “أزمة لبنان شيء وإيجاد تسوية للشرق الأوسط شيء آخر”. لكن الاتفاق سقط في النهاية بتضافر ثلاثة عوامل ضده: شارون، لأن الاتفاق ربط تنفيذه بانسحاب القوات السورية من لبنان. وحافظ الأسد، الذي قال إنه مستعد لخوض خمس حروب لإسقاطه. وثلاثة من أمراء الطوائف الأقوياء.
اليوم بدأ الاعتراض على المفاوضات المباشرة التى كانت مبادرة من الرئيس جوزاف عون قبل البدء العملي للجولات. والمعترض هو “حزب الله” الرافض لتسليم سلاحه إلى الدولة، والمنخرط في قتال مع إسرائیل دفاعاً عن إيران في الحرب الأميركية- الإسرائيلية عليها. والقوة المصرة على احتفاظ “حزب الله” بسلاحه غير الشرعي، وعلى الاحتفاظ بالورقة اللبنانية في يدها على طاولة المفاوضات مع أمیرکا، هي إیران. وكما حرصت سوريا على ما سمتها “وحدة المسارين” لربط مصير بيروت بمصير دمشق، تحرص طهران على “وحدة الساحات” و”محور المقاومة” كمنصات للحرب إلى جانبها، وأوراق للتفاوض في يدها.
لكن الدنيا تغيّرت في لبنان ومن حوله منذ “طوفان الأقصى” وحروب غزة ولبنان وإیران وسقوط نظام آل الأسد في سوريا. فالأكثرية الشعبية في لبنان تدعم التفاوض لاستعادة الأرض التي احتلتها إسرائيل في حرب “حزب الله” الإسنادية لغزة وإيران، ولوضع حد نهائي للحروب التي لم يخرج الوطن الصغير منها منذ عقود. والأكثرية في مجلس الوزراء هي التي قررت سحب سلاح “حزب الله” واعتبار نشاطاته العسكرية والأمنية خارج القانون. والأشقاء العرب والأصدقاء الدوليون جميعاً يدعمون السعي اللبناني إلى استعادة البلد من الاحتلال الإسرائيلي والاحتلال الإيراني.
الرئيس ترمب نقل اللقاء بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن من وزارة الخارجية إلى “البيت الأبيض”، والتزم العمل على مساعدة لبنان للوصول إلى سلام ثم ازدهار. والوزير روبيو رأى أن “النتيجة المثالية هي حكومة لبنانية قوية وقوات مسلحة قادرة مع تعزيزها على تفکیك “حزب الله” داخل لبنان ونزع سلاحه حتى لا تضطر إسرائيل إلى القيام بذلك”. لكن الحزب يراهن على المعركة مع إسرائيل ولو دمرت سلاحه بدل أن يقدمه للجيش، ويتهم رئيس الجمهورية بـ”الخيانة”، والذي رد عليه بالقول “إن الخائن هو من يأخذ بلده إلى حرب من أجل الآخرين تنتهي باحتلال إسرائيلي”. والقرار ليس للحزب. فالأمين العام الشيخ نعيم قاسم يقول من كتاب “حزب الله: المنهج والتجربة”، “نحن لا نتخذ قرار الحرب والسلم بأنفسنا، بل نعود فيه إلى الولي الفقيه الذي يحدد متى تكون المواجهة واجباً شرعياً”.
وقمة التحديات أن يذهب لبنان إلى مفاوضات لإنهاء حرب واستعادة أرض، فيرفض فصيل أيديولوجي مذهبي مسلح وقف حربه دفاعاً عن إیران، ويهدد بحرب في الداخل. ولا مهرب من خيار السلام على صعوبته، فأي خيار آخر يقود إلى نهاية لبنان، لأن المعادلة مكتوبة على الجدار: إما تفكيك المنظومة العسكرية والأمنية لـ”حزب الله”، وإما تفكيك البنية الوطنية والاجتماعية في لبنان. ولا قوة تستطيع إنهاء لبنان.
المصدر: أندبندنت عربية






