في البحث عن المشروع العربي كبديل عن مشاريع الآخرين

أثبتت حرب إيران أن من غير المجدي الاتكال على الدول الكبرى لحماية أمن الدولة الوطنية العربية، فالدول الكبرى معنية بمصالحها أولًا، وبمصلحة أمن الكيان الصهيوني في المنطقة ثانيًا مع إعادة تعريف مفهوم الأمن ليعني التفوق العسكري للكيان الصهيوني شبه المطلق على أية دولة عربية بمفردها من جهة ومنع أي تكتل عربي يغير المعادلة السابقة من جهة أخرى.

لقد جرب العرب طويلًا تلك المعادلة الأمنية، ودفعوا كامل أثمانها الباهظة، وأظهروا حسن النية في ثقتهم بالغرب كضامن لأمنهم، لكن الأيام الصعبة الماضية من الحرب على إيران أثبتت بوضوح أنهم أقاموا بناء أمنهم على الرمال، وأن الدول الكبرى عند ساعة الحقيقة ستتركهم وحدهم في مواجهة المخاطر المحدقة.

بالتالي فلابد لهم الآن من أجل بقاء وجودهم في بيئة دولية لم تعد تخضع لنظام عالمي أو قانون دولي أن يكتشفوا نظام أمنهم البديل، هذا النظام الذي لن يكون سوى العودة لمفهوم الأمن القومي العربي، وتفعيل معاهدات الدفاع المشترك، وبناء مؤسسات ذلك الدفاع، ووضع ذلك فوق الخلافات البينية السياسية.

ومفهوم الأمن العربي القومي هو مفهوم دفاعي بالعمق، فالهدف ليس شن الحروب ولكن حماية الدول العربية من الحروب التي يمكن أن تفرض عليهم، وتستهدفهم في أرضهم ومقدراتهم، في مسعى لنهب ثرواتهم ومصادرة استقلال بلدانهم واستقرارهم.

ومفهوم الأمن القومي العربي ينبغي أن يعاد تأسيسه بعيدًا عن السياسة اليومية وفوق الخلافات بين الدول العربية فهو مفهوم يتعلق بمسألة أن نكون أو لا نكون في هذا العالم الذي انهار فيه مفهوم النظام العالمي انهيارًا شبه تام، وأصبحت القوة المجردة قادرة على فرض إرادتها بغض النظر عن أي اعتبار.

لنكن واقعيين ولننظر إلى الحقائق كما هي عليه وكما تجسدها حرب إيران اليوم، ولابد أن نقوم بخلع الأوهام السابقة وإزاحتها جانبًا، فعالم النظام الدولي وقوانينه والأمم المتحدة ومجلس الأمن ومفاهيم مثل ” سيادة الدول واحترام حدودها” والبند السابع لميثاق الأمم المتحدة الذي يسمح بتدخل مجلس الأمن بالقوة لوقف أي اعتداء من دولة على دولة أخرى تخترق شرعة الأمم المتحدة وميثاقها كل ذلك لم يعد يساوي الورق الذي كتب عليه في عالم اليوم.

لدينا في المنطقة العربية ما يكفي من الموارد والعقول، ولا ينقصنا سوى الارادة والعزيمة لبناء نظام دفاع عربي مشترك يحفظ وجودنا ويحمي بلداننا، وتلك ليست دعوة لفك علاقات الصداقة والتعاون مع أي دولة من الدول، لكن لجعل تلك الصداقة مؤسسة على حقائق العصر وليس على الأوهام التي تتلاشى كما يتلاشى ضباب الفجر أمام أشعة شمس الصيف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى