
يتحرك المشهد السوري دراماتيكيًا من حيث انعكاس ذلك على الواقع المتغير، والمضي في سياقات الحرب الضروس الأميركية الإسرائيلية ضد حكم سلطة الملالي في إيران، ولأن ذلك لا يمكن أن ينفصل عن مجمل المشهد الأكبر في الحالة السورية والمنطقة، فإنه لا يمكن إلا الولوج بما حصل قبل ذلك، في جملة ديناميات الحالة السورية برمتها، وخاصة ما جرى مؤخرًا في شمال شرق سورية، عبر انسحابات أميركية من القواعد المتمركزة شمال شرق سورية وقاعدة (التنف) أيضًا.
حيث وضمن خطة استراتيجية أمنية وعسكرية تجري تباعًا عملية انسحاب الأميركان من مجمل القواعد العسكرية الأميركية المتواجدة على امتداد الشمال والشرق من سوريا، ويأتي ذلك إبان الاتفاق الذي جرى توقيعه برعاية أميركية بين حكومة دمشق وتنظيم (قسد) وهو الذي تم البدء بتنفيذ بنوده بشكل عملي وميداني، لكنه بطيء نسبيًا، إلا أن الإدارة الأميركية، وعلى هدي الثقة التي وجدتها بالدولة السورية الوليدة، بدأت بالانسحاب من كامل الجغرافيا السورية، ولا يبدو أن هناك معيقات لهذه المغادرة، بل لعله القرار الأميركي الجدي هذه المرة، والمدرك بحق لإمكانيات الدولة السورية الجديدة، عبر حالة سد الفراغ الذي يمكن أن يتركه الانسحاب الأميركي بالتوازي مع تحركات قليلة نسبيًا لبقايا تنظيم (داعش) أدت مؤخرًا إلى مقتل بعض عناصر الأمن السوري في محافظة الرقة.
الانسحاب الأميركي المتواصل من شمال شرق سورية ومن قاعدة (التنف) قبل ذلك، يشي بثقة الأمريكان بالحكومة السورية على ضبط المسألة في تلك المناطق أمنيًا ضد تنظيم (داعش)، بعد أن انضمت سوريا رسميًا للتحالف الدولي لمواجهة الإرهاب الداعشي، وبعد أن تم التوقيع على الاتفاق أواخر شهر شباط/ فبراير مع (قسد) وبعد أن أثبتت حكومة دمشق تعاونها وكذلك قدرتها على مواجهة كل التحركات الإرهابية الداعشية المحتملة.
مع العلم أن اتفاق (قسد) مع الحكومة السورية مازال يحمل في طياته الكثير من إمكانية العبث به، أو وجود جملة صعوبات بتطبيقه، إلا أن إمكانيات الحكومة باتت قادرة على الوفاء بالمتطلبات، وتتحمل مسؤولية تنفيذه، فيما لو صعدت للسطح بعض المعوقات، من قبل جزء ليس بالكبير من بعض العقول المتشددة داخل تنظيم (قسد) والتي تجد اليوم صعوبة كبرى في تسليم المناطق المنصوص عليها بالاتفاق المذكور لحكومة دمشق، وهي التي سبق و سيطرت على كل الموارد والجغرافيا لأكثر من عشر سنوات خلت، استفادت من خلالها ماليًا ولوجستيًا ووجودًا ضمن إطار وسياقات الدعم الأميركي الذي كان في حينه كبيرًا.
لسان حال الشارع السوري مازال يقول: إذا كان الانسحاب الأميركي وهو الأكثر صعوبة، قد أصبح ناجزًا في معظمه، ماذا عن إمكانية واحتمالية الانسحابات الأخرى، لقوات عسكرية كثيرة موجودة على الأراضي السورية، حيث يعرف الجميع أن هناك قواعد روسية مازالت باقية في الساحل السوري، وهي تستمر ضمن احتمالية تجديد العقود والاتفاقيات والمصالح التي تم بحثها بين سورية وروسيا في موسكو مؤخرًا، ولا يبدو أن الروس (في المنظور القريب) بصدد المغادرة من سوريا، أو التخلي عن مصالحهم العسكرية والأمنية والاقتصادية. لكن ذلك غير مقبول شعبيًا، وهناك أصوات شعبية سورية كثيرة ترفع من أجل مغادرة الروس، وهم الذين ساهموا سابقًا مع النظام الأسدي المجرم في قتل السوريين وبقاء نظام الاستبداد لفترة أطول، منذ دخولهم إلى سوريا أواخر شهر أيلول /سبتمبر ٢٠١٥.
أما القواعد الأخرى التي مازالت موجودة داخل الجغرافيا السورية باقية ومستمرة، ولا يوجد أي تفكير بانسحابها حاليًا على الأقل، وهي القوات التركية في الشمال السوري في محافظتي إدلب وحلب، وهذا (كما يبدو) مرتبط بشكل مباشر بإدراك الأتراك من أن خطر (قسد) وتنظيم ال (ب ك ك) لم يعد موجودًا البتة، ومتابعة المشهد تشير إلى أن الأتراك مازالوا يراقبون ويتابعون تنفيذ الاتفاق مع (قسد) والدولة التركية مازالت تشكك أحيانًا في قدرة تنظيم (قسد) عن الاقلاع كليًا عن أن تشكل خطرًا أمنيًا على الحدود الطويلة جدًا مع تركيا، وهي مسألة قد تأخذ وقتًا ليس بالقصير ضمن المعطيات الملموسة، بعد أن تم التمديد للقوات العسكرية التركية مؤخرًا من قبل البرلمان التركي ولمدة سنة قادمة.
الأتراك هم أصدقاء جديين لحكومة دمشق، وقد لا يشكلون معيقًا في عملية توحيد سوريا، بل يدعمون ذلك بشكل دائم، لكن بسط السلطة والعسكريتاريا السورية الوطنية سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية مسألة وطنية سورية بامتياز. علمًا أن هناك ضرورات لبقاء قوات تركية في سورية، كما يرى مراقبون، حتى يتم توقيع اتفاق أمني بين دمشق وإسرائيل، يجري من خلاله وعبره الانسحاب الإسرائيلي من المنطقة العازلة السورية التي احتلتها إسرائيل بعد ٨ كانون أول /ديسمبر عام ٢٠٢٤.
لعل أوضاع الانسحابات المتتابعة لكل القوات العسكرية المتواجدة على الأراضي السوري بات ضروريًا، لأن المزاج الشعبي السوري لا يقبل أية حالات وجود عسكرية دائمة على أراضيه، لكن تشابك المصالح وتعقيدها أيضًا والإرث الكبير السيء الذي خلفه سابقًا نظام الاستبداد الأسدي، كما أنه مازالت هناك أعباء كثيرة وكبيرة، وتساهم في تعويق حالة النهوض السورية المفترضة تنمويًا واقتصاديًا.
يضاف إلى ذلك هذا التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية، وهو إمكانية ضم كل الجغرافيا السورية إلى الدولة السورية الجديدة، وإنهاء حالة التشظي والتفتت في الجنوب السوري، وظاهرة وجود حكمت الهجري وتنظيماته العسكرية، والتي ما يزال موضوع عودتها إلى الحضن الوطني السوري لم يتم إنجازها بعد، رغم الإيجابية في هذا الملف، والتصورات الجدية التي يجري الاشتغال عليها من أجل ذلك، مع وجود معوقات كثيرة مرتبطة بالدور الإسرائيلي، حيث ما انفكت حكومة العدو الإسرائيلي تعمل دائماً على استمرار حالة التشتت ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.
نعود للقول إن الانسحاب الأميركي من شمال شرق سوريا خطو جيدة وفي الاتجاه الصحيح، لكن ذلك لا يكفي، ومازال السوريون ينتظرن جدولة زمنية حقيقية لانسحابات أخرى للقواعد العسكرية الروسية من سورية، وكذلك انسحابات قادمة للقوات العسكرية التركية رغم حاجة الوضع السوري في مواجهة إسرائيل إلى الدعم العسكري التركي للحكومة السورية، ولعل الموضوع برمته لابد من قوننته، عبر الدخول في اتفاقات دفاع مشترك بين سوريا وتركيا في قادم الأيام؟
لكن ما يحصل حاليًا من حرب كبرى ومفتوحة على كل الاحتمالات، بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، قد يشكل عامل ضغط ليس بالقليل على الوضع السوري، ومن الممكن أن يترك بعض ذيوله في المشهد السوري برمته عاجلًا او آجلًا لابد من قراءتها بتمهل وروية ورصانة.






