زيلينسكي يكتشف العرب وإسرائيل

   محمود الريماوي

                  

نشبت في الأسبوع الماضي أزمةٌ علنيةٌ بين إسرائيل وأوكرانيا، بعدما لاحظت الأخيرة أنّ تلك تستقبل للمرّة الثانية باخرةً تحمل حبوباً مسروقةً من الأراضي الأوكرانية، في إشارة إلى أنّ هذه الحبوب صدّرتها روسيا بعد أن جنتها من محصول أنتجته أراضٍ أوكرانية استولت عليها في حربها المستمرّة على هذا البلد منذ فبراير/ شباط 2022. يقول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنّ هذه هي الباخرة الثانية التي تستقبلها الموانئ الإسرائيلية خلال الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، فيما ادّعت تل أبيب على لسان وزير الخارجية جدعون ساعر أنّ كييف لم تقدّم أدلّةً قانونيةً على هذا الأمر، بينما يردّ زيلينسكي بأنه: “لا يمكن للسلطات الإسرائيلية أن تجهل السفن التي تصل إلى موانئ البلاد وما تحمله من حمولات”. وكشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أنّ أربع شحنات على الأقلّ من الحبوب المهرَّبة رست في إسرائيل هذا العام (2026)، وذكرت أنّ هذه الشحنات مستمرّة منذ 2023، فبلغ عددها الإجمالي أكثر من 30 شحنة. وبهذا، يفيد مصدرٌ من داخل إسرائيل بأنّ الأمر أكبر حتى ممّا تذكره السلطات الأوكرانية.

اشتدّت الأزمة إلى حدّ استدعاء السفير الإسرائيلي في كييف، ووبّخت الخارجية الأوكرانية سلوك حكومته. أتت هذه الوقائع بينما يخيّم الفتور المديد على أجواء علاقات الجانبَين الذي بدأ منذ الاجتياح الروسي أراضي أوكرانية قبل أكثر من أربعة أعوام، إذ استنكفت تل أبيب عن التضامن مع أوكرانيا أسوةً بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وكانت تل أبيب في تلك الأثناء تراعي موسكو إلى درجة كبيرة، ذات النفوذ الكبير في سورية والداعمة لنظام الأسد آنذاك، وقد أُبرمت تفاهمات بين الجانبَين تتيح لتل أبيب حرّية الحركة في الأجواء والأراضي السورية ضدّ أهداف إيرانية، وفي حالات قليلة ضدّ أهداف تابعة للنظام السوري السابق، مقابل عدم انضمام الدولة العبرية إلى التحالف الغربي المناهض لاجتياح أوكرانيا. وكانت تصدر آنذاك بين آونة وأخرى، وحتى انهيار نظام الأسد، احتجاجات إيرانية منخفضة النبرة ضدّ موسكو “التي لا تحرّك ساكناً حيال الاعتداءات الإسرائيلية”. من جهة ثانية، سعت كييف للحصول على أسلحة دفاع جوي متطوّرة من تل أبيب، لكنّ مساعيها في هذا الشأن خابت، وحاولت تل أبيب في تلك الأثناء التركيز على ما تسميه البعد الإنساني للأزمة، بتقديم مساعدات إغاثية لأوكرانيا، غير أنّ هذه المبادرات لم تكسر جمود العلاقات المستمر. ويُذكر أنّ كييف نأت بنفسها عن تطوّرات الكارثة الإنسانية في غزّة، وامتنعت عن إبداء أيّ موقف سياسي أو إنساني تجاه الضحايا في القطاع، كما لم تدن الاعتداءات الإسرائيلية على سورية ولبنان، غير أنّها سعت إلى اتخاذ مواقف أقلّ سوءاً في الأمم المتحدة، بإظهار مواقف متوازنة تجاه حروب إسرائيل في الشرق الأوسط.

وقفت حكومات وشعوب عربية مع أوكرانيا رغم علاقات صداقة قديمة ووثيقة مع روسيا

وفي إطار الأزمة الناشبة بين كييف وتل أبيب، يسترعي الانتباه أنّ رئيس الدولة في أوكرانيا هو الذي يبادر إلى انتقاد إسرائيل، بينما تكتفي تل أبيب بردود وزير الخارجية، ما يدلّل على مدى الاستياء الأوكراني، فيما تحاول تل أبيب بطريقتها الملتوية المعهودة التهوين من حدّة هذه الأزمة. وفي معرض انتقاداته السلوك الإسرائيلي في هذه المسألة، وصف زيلينسكي استقبال حبوب مهرّبة من بلاده بأنّه يتنافى حتى مع القوانين الإسرائيلية، وهي عبارة دبلوماسية يُراد بها إحراج تل أبيب. لكن العبارة في واقع الحال تمتدح تل أبيب في ما لا تستحقّ أن تُمدح به. فالقوانين الإسرائيلية تجيز الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتجيز وضع اليد على الجولان السوري المحتلّ، وتجيز للجنود والمستوطنين التنكيل بالمدنيين الرازحين تحت احتلالها، وتمنع غير اليهود من أداء شعائرهم في أماكن عبادتهم. وفي الأسابيع الماضية، ظهرت تقارير عدّة تفيد بأنّ الجنود الإسرائيليين لا يتردّدون في نهب البيوت في جنوب لبنان، وهو ما سبق أن ارتكبوه من دون أدنى خجل في قطاع غزّة المدمّر. وخلافاً لما ذهب إليه الرئيس الأوكراني، القوانين الإسرائيلية والادعاءات الأيديولوجية تجيزان الاستيلاء على الأراضي والبيوت ومصادر المياه التي يمتلكها الفلسطينيون والسوريون، فيما يبشّر بنيامين نتنياهو، ومعه وزراؤه المتطرّفون، بالعزم على الاستيلاء على مزيد من الأراضي العربية ضمن المشروع التوسّعي الاستعماري المسمّى “إسرائيل الكبرى”. أمّا رئيس الأركان إيال زامير فيبشّر بأنّ العام الجاري سيشهد مزيداً من حروب إسرائيل على الشرق الأوسط، وهو ما يسمّيه نتنياهو “تغيير الشرق الأوسط”.

وهي فرصة متجدّدة لتذكير زيلينسكي، الذي تعاني بلاده توسّعاً روسياً منذ العام 2014، بأنّه لم يسبق له أن اتخذ موقفاً مبدئياً ضدّ الاحتلالات الإسرائيلية (باستثناء بعض المواقف في الأمم المتحدة)، في وقتٍ كان فيه (وما زال) ينتظر من الحكومات والشعوب العربية الوقوف مع بلاده ضدّ الاجتياح الروسي. علماً أنّه، باستثناء بعض التنظيمات السياسية في العالم العربي، فإنّ الحكومات والشعوب وقفت مع أوكرانيا رغم علاقات صداقة قديمة ووثيقة مع روسيا.

في مارس/ آذار الماضي، زار زيلينسكي السعودية وقطر والإمارات والأردن، في بادرة صداقة تجاه العالم العربي، وزار الرياض مرّة ثانيةً خلال أقلّ من شهر، وجرى الحديث عن اتفاقات تعاون متعدّدة الأوجه قيد الإعداد والتوقيع بين السعودية وأوكرانيا. ولم تشمل هذه الزيارات إسرائيل، التي تسود العلاقات معها أجواء من التوجّس واهتزاز الثقة. فهل بدأ زيلينسكي في اكتشاف أهمية العالم العربي، وفي الفوائد التي تحقّقها بلاده بتعاونها مع الدول العربية؟ وهل اكتشف في الأثناء، وإن متأخّراً، ماهية الدولة الإسرائيلية، القائمة على التوسّع والاحتلالات وإنكار حقوق الغير، والانغماس في حروب الإبادة؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى