تونس والاتحاد الأوروبي… قصّة شراكة مختلّة

أنور الجمعاوي

تُعدّ الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي نموذجاً حيّاً، وجدلياً، للعلاقات بين شمال البحر الأبيض المتوسّط وجنوبه، فهي علاقة عريقة تضرب جذورها في التاريخ والجغرافيا، لكنّها تظلّ محاصرةً بأسئلة الجدوى والتكافؤ. وتكشف القراءة المتأنّية لمسار العلاقة بين الجانبَين، منذ توقيع أوّل اتفاق تجاري عام 1969، وصولاً إلى اتفاقية الشراكة (1995)، ومذكّرة التفاهم (2023)، فجوةً عميقةً بين خطاب نظري بشّر بالتنمية والاندماج، وواقع محكوم بالتبعية الاقتصادية و”أمننة” العلاقات بين الطرفَين. فمع أهمّية الموقع الاستراتيجي لتونس باعتبارها بوابّةً للقارّة الأفريقية، ومركزاً للتواصل الأورومتوسّطي، ما زال المنجز الفعلي لهذه الشراكة دون المأمول، بل أسهم، بحسب مراقبين، في تكريس اختلالات بنيوية جعلت من تونس طرفاً تابعاً في سلاسل القيمة الأوروبية وحارساً أمنياً لحدود القارّة الجنوبية.

تضمّن اتفاق الشراكة لعام 1995، الذي دخل حيّز التنفيذ في 1998، وعوداً كُبرى بتحويل تونس إلى شريك اقتصادي متكامل، خصوصاً مع إحداث منطقة للتبادل التجاري الحرّ في 2008. وبالفعل، أصبح الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأوّل لتونس، إذ استأثر بأكثر من 54% من مبادلاتها التجارية عام 2024، وبلغت قيمة الصادرات التونسية إليه نحو 67%. لكنّ هذه الأرقام تخفي خللاً هيكلياً؛ فالميزان التجاري يسجّل عجزاً مزمناً لصالح أوروبا بلغ نحو خمسة مليارات يورو سنوياً، كما أنّ بنية الصادرات التونسية ظلّت حبيسة الصناعات ذات القيمة المضافة الضعيفة والمنتجات نصف المصنّعة، في مقابل استيراد التكنولوجيا العالية والمواد الطاقية والكيماوية من الشمال. فالتجارة، رغم اتساعها، لم تُترجم إلى تنمية شاملة، بل أدّت في كثير من الأحيان إلى إضعاف النسيج الصناعي المحلّي، خاصّة المؤسّسات الصغرى والمتوسّطة التي وجدت نفسها عاجزةً عن منافسة المنتجات الأوروبية. كما أنّ التبادل التجاري غير المتكافئ أضعف المالية العمومية التونسية نتيجة تفكيك الحواجز الجمركية بين الجانبَين.

معظم الشركات تعمل وفق نظام “المؤسّسات المصدِّرة كلّياً”، ما يجعل تونس مجرّد منصّة لوجستية وقاعدة تصنيع منخفضة الكلفة

ويستأثر الاتحاد الأوروبي بنحو 88% من الاستثمار الأجنبي المباشر في تونس، وهو ما يوفّر آلاف فرص العمل، إلا أنّ هذه الاستثمارات تتسم بالانتقائية والتركيز الجغرافي. فهي تتركّز في الأقاليم الساحلية، في قطاعات تجميعية ومناطق محدودة، ما عمّق الفوارق الجهوية، وأبقى الداخل التونسي خارج دوائر الفعل الاقتصادي الحقيقي. كما أنّ معظم هذه الشركات تعمل وفق نظام “المؤسّسات المصدِّرة كلّياً”، ما يجعل تونس مجرّد منصّة لوجستية وقاعدة تصنيع منخفضة الكلفة، تُستخدم لإعادة تصدير السلع إلى أوروبا، من دون أن تُبنى حولها منظومة إنتاج وطنية متكاملة، ومن دون أن يرافق هذا توطين حقيقي للتكنولوجيا أو اندماج فعلي في النسيج الاقتصادي الوطني.

ولا يقتصر الإشكال على الاقتصاد وحده، بل يمتدّ إلى البعد الاجتماعي، إذ تكشف حصيلة عقود من الشراكة مفارقةً صارخةً بين حجم الدعم الأوروبي وتواضع أثره في الواقع المعيشي. فقد رافقت برامج التأهيل والانفتاح وعودٌ بتحسين التشغيل وتقليص الفوارق، لكنّ البطالة ظلّت مرتفعةً، خصوصاً بين الشباب وحاملي الشهادات العليا. كما ساهمت المقاربة الليبرالية التي رافقت الشراكة في تقليص الدور الاجتماعي للدولة، وفي تراجع الإنفاق على الصّحة والتعليم والمؤسّسات الخدمية العمومية تماشياً مع منطق السوق الحرّة، ما أدّى إلى تآكل الطبقة الوسطى وانتشار العمل الهشّ. وحتى برامج التبادل الأكاديمي مثل “إراسموس”، رغم أهمّيتها، لم تنجح في تحويل الكفاءات العلمية إلى قوى دافعة للتنمية المحلّية، بل اختار بعض المنتفعين بها العودة إلى العمل في أوروبا.

سياسياً، واجه الاتحاد الأوروبي اختباراً حقيقياً بعد ثورة 2011؛ فبينما سارع لدعم الانتقال الديمقراطي ومنح تونس صفة “الشريك المميّز” عام 2012، إلا أنّ هذا الدعم ظلّ محكوماً بـ”المشروطية السياسية” التي ربطت تقديم المساعدات المالية، والقروض الميسّرة، والمنح التنموية، وحتى الامتيازات التجارية، بمدى التزام الدولة التونسية بجملة من المعايير السياسية والحقوقية، أبرزها تعزيز سيادة القانون، وضمان استقلال القضاء، وحماية حرّية التعبير والصحافة، وإرساء هيئات دستورية مستقلّة، وإجراء انتخابات دورية نزيهة وشفّافة. ولم تكن هذه المشروطية مجرّد إطار نظري، بل كانت تُستخدم أداة ضغط ناعمة عبر “تقارير التقدّم” السنوية التي تُقيّم مدى استجابة تونس لهذه المعايير قبل صرف الحزم المالية الكُبرى أو تفعيل اتفاقات الشراكة المتقدّمة. وظلّ هذا النهج عرضةً للانتقاد؛ إذ اعتبره بعضهم تدخّلاً في السيادة الوطنية، وارتهاناً للخارج، بينما رأى آخرون أنّه اتّسم بالانتقائية، فقد كانت “المشروطية” تتراجع أحياناً أمام أولويات الأمن والاستقرار ومكافحة الهجرة غير النظامية، ما أنتج حالةً من التذبذب في مدى فاعلية هذه السياسة لتكون ضمانة حقيقية للانتقال الديمقراطي المستدام.

الأمن المستدام في المتوسّط لا يُبنى بالأسوار والقيود الأمنية، بل بالاستثمار في الكرامة الإنسانية والتنمية الشاملة

ومع صعود منظومة 25 يوليو/ تموز (2021) إلى الحكم، شهدت بوصلة الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي انزياحاً لافتاً نحو “البراغماتية الصرفة”، بحسب مراقبين، على حساب القيم الحقوقية والمبادئ الديمقراطية التي لطالما كانت تتصدّر الاتفاقات المشتركة بين الجانبين. فقد تراجع خطاب “المشروطية الديمقراطية” ليَحلّ محلّه منطق “المقايضة الأمنية”، فأصبح الهاجس الأساس لبروكسل هو تأمين حدودها من تدفّقات الهجرة غير النظامية وضمان الاستقرار السياسي بأيّ ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب غضّ النظر عن تراجع مؤشّرات الحرّيات أو التضييق على مكوّنات المجتمع المدني. وظهر هذا جلياً في مذكّرة التفاهم بين الطرفين لعام 2023 التي كرّست منطق المقايضة: “التمويل مقابل ضبط الحدود”، فقد تحوّل ملفّ الهجرة من مجال للتعاون الإنساني والتنموي إلى أداة للضغط والتحكّم، وخصّصت مبالغ مالية كبيرة لمكافحة التهريب وتجهيز خفر السواحل، ما جعل تونس تلعب دور “الحارس المتقدّم” لأوروبا، وهو ما أثار تساؤلات جدّية حول انتهاكات حقوق الإنسان والسيادة الوطنية، بحسب ملاحظين.

ويُخبر هذا التحوّل البنيوي بازدواجية في السياسات الأوروبية؛ فالاتحاد الذي قدّم نفسه سنواتٍ حارساً للقيم الكونية والديمقراطية في المتوسّط، يبدو اليوم مستعدّاً للتضحية بجوهر “القوة الناعمة” من أجل مكاسب أمنية آنية، ما أضعف مصداقية الشراكة لدى نُخب فكرية وحقوقية في تونس باتت ترى في الموقف الأوروبي صمتاً “تكتيكياً” يمنح الأولوية لصدّ الهجرة السرّية على حساب دعم تطلّعات الشعوب نحو الدمقرطة والحوكمة والتنمية الشاملة. ويُعدّ ملفُّ الهجرة غير النظامية الاختبار الأكثر تعقيداً وحساسيةً في تاريخ العلاقات التونسية الأوروبية، فقدْ تحوّلت تونس، بحكم موقعها الجغرافي، من مجرّد بلد عبور إلى نقطة ارتكاز استراتيجية في السياسات الأمنية للاتحاد الأوروبي. وفرض هذا التحوّل على الدولة التونسية ضغوطاً مزدوجةً. فمن جهة، يمارس الشريك الأوروبي ضغوطاً سياسية ومالية مكثّفة لدفع تونس نحو لعب دور “الشرطي” الذي يحمي الحدود الجنوبية للقارّة، وهو ما تجسّد في اتفاقات ومذكّرات تفاهم تمنح الأولوية للمقاربة الأمنية والرقابة البحرية. ومن جهة أخرى، تجد تونس نفسها في مواجهة تداعيات اجتماعية وإنسانية وحقوقية وأمنية متزايدة على أرضها، نتيجة تزايد أعداد المهاجرين العالقين، وهو ما يضعها أمام تحدّيات سيادية تتعلّق برفضها القاطع، رسمياً وشعبياً، أن تكون “بلد توطين” أو “مُحتشَداً” دائماً للمهاجرين المُبعدين من أوروبا.

الشراكة الحقيقية هي تلك التي تستثمر في الإنسان وتدعم الانتقال الديمقراطي والتنموي الشامل، بعيداً من سياسات المقايضة والإملاءات المجحفة

علاوة على هذا، يكمن الإشكال في اختلال التوازن بين الدعم المالي الأوروبي المخصَّص للأمن، والاستثمار الحقيقي في معالجة الجذور العميقة للهجرة، إذ يرى كثيرون أنّ المقاربة الأوروبية تظلّ منقوصةً ما لم تقترن بتسهيل مسارات الهجرة النظامية ودعم التنمية في دول المنشأ. وقدْ وضعت إدارة هذا الملفّ تونس في موقف تفاوضي صعب، إذ تحاول الموازنة بين الحفاظ على شراكتها الحيوية مع الاتحاد الأوروبي وبين حماية أمنها القومي واستقرارها المجتمعي، خصوصاً في ظلّ تنامي الاحتقان الشعبي في بعض المناطق التي تحوّلت إلى مراكز لتجمّع المهاجرين. وبناءً عليه، تظلّ الهجرة غير النظامية بمثابة معضلة تهدّد استقرار هذه الشراكة، ما لم يتم الانتقال من منطق “الحلول الترقيعية” والأمنية الصرفة إلى رؤية شاملة، تقوم على المسؤولية المشتركة، والتنمية الاقتصادية العادلة، والاحترام الكامل للكرامة الإنسانية والمواثيق الحقوقية الدولية.

إنّ إصلاح مسار الشراكة يقتضي رؤيةً استشرافيةً تنتقل من منطق “الجار التابع” إلى سياسة “الشريك الفاعل”. ومطلوب من تونس في هذا الخصوص، أن تُعيد تعريف أولوياتها التفاوضية، وتنويع شركائها الدوليين في آسيا وأفريقيا لتقليل الارتهان للسوق الواحدة، مع ضرورة بناء نموذج اقتصادي داخلي قوامه السيادة الإنتاجية والابتكار. ومن جانب آخر، حريٌّ بالاتحاد الأوروبي مراجعة فلسفته المتوسّطية عبر الانتقال من المشروطية والردع الأمني، إلى التنمية المشتركة والتمكين الاقتصادي. فالشراكة الحقيقية هي تلك التي تستثمر في الإنسان وتدعم الانتقال الديمقراطي والتنموي الشامل، بعيداً من سياسات المقايضة والإملاءات المجحفة.

ختاماً، تقف العلاقة بين تونس والاتحاد الأوروبي أمام مفترق طرق؛ فإمّا الاستمرار في إعادة إنتاج علاقات التبعية واللامساواة التاريخية، أو الشروع في بناء عقد اجتماعي أورومتوسطي جديد ينبني على شراكة بينية ناجعة ومتوازنة. والثابت أنّ الأمن المستدام في المتوسّط لا يُبنى بالأسوار والقيود الأمنية، بل بالاستثمار في الكرامة الإنسانية والتنمية الشاملة التي تجعل من البحر الأبيض المتوسّط جسراً للتواصل لا خطاً للفصل أو التبعية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى