علي الزيدي وتحدّيات ما بعد التكليف

بشار نرش

                                                                                           

كلّف الرئيس العراقي نزار آميدي رجلَ الأعمال علي الزيدي بتشكيل حكومة جديدة، ما شكّل انفراجةً نسبيةً في المشهد السياسي العراقي بعد أسابيعَ ظل فيها المشهد أسير الانسداد والتعطيل. وجاء التكليف بعد اتفاق قوى “الإطار التنسيقي” على الزيدي “مرشّح تسوية”، بعد مصاعب كبيرة، وخلافات عميقة، وتنافس واضح على الفوز بالمنصب.

وعلى الرغم من أنّ التكليف جاء مفاجئاً في توقيته ومساره، لا لأنّ اسم الزيدي لم يكن مطروحاً بقوة ضمن التداولات السابقة، بل أيضاً لأنّه حدث خارج الإيقاع السياسي المعتاد الذي غالباً ما تمهّد له تفاهمات تدريجية، فضلاً عن عامل السنّ الذي يضيف بُعداً آخر، فالزيدي أصغر رئيس وزراء يصل إلى هذا المنصب. إلا أنّ هذا التكليف، على أهميته، لا يمكن قراءته بوصفه نهاية للأزمة بقدر ما هو محطّة جديدة ضمن مسار أكثر تعقيداً، يطرح تساؤلات جدّية بشأن قدرة هذه التسوية على إنتاج استقرار سياسي واقتصادي فعلي.

وفي هذا الإطار، لا يُختبر تكليف الزيدي بحدّ ذاته بقدر ما ستُختبر قدرته على إدارة مرحلة ما بعد التكليف، لا سيّما أنّ التسوية التي أوصلته إلى هذا الموقع، على هشاشتها، لا تعني بالضرورة قدرته على تحويلها إلى قاعدة حكم مستقرّة، بل قد تتحوّل هي نفسها إلى مصدر ضغط عليه. ومن هنا تبرز مجموعة من التحدّيات الرئيسة التي ستواجهه في مرحلة دقيقة تتسم بتعقيدات سياسية متراكمة وتحدّيات اقتصادية داخلية وخارجية متزايدة.

ضغوط أميركية متزايدة تدفع باتجاه تفكيك الجماعات، التي صنّفتها واشنطن جماعات إرهابية

التحدّي الأوّل الذي سيواجه الزيدي يتمثل في تشكيل الحكومة، وهو الأكثر حساسية في ظلّ مهلة دستورية لا تتجاوز 30 يوماً، وفق المادة 76 من الدستور العراقي. وتزداد صعوبة هذه المهمة بفعل مجموعة من العوامل المتداخلة، يمكن اختصارها في محدِّدَين رئيسيَّين: أولهما، تأثير توازنات القوى الإقليمية والدولية، ولا سيّما الولايات المتحدة وإيران، وما يفرضه هذا من ضرورة إدارة دقيقة لهذه التوازنات بما لا ينعكس سلباً على استقرار الحكومة المرتقبة، وهو ما قد يضيّق هامش الخيارات المتاحة أمام الزيدي، ويطيل أمد عملية تشكيل الحكومة. المحدِّد الثاني هو الانقسام داخل “الإطار التنسيقي” الذي لا يقتصر على الخلاف حول الأسماء، بل قد يمتدّ إلى آلية توزيع الحقائب الوزارية أو ما يُعرف بـ”التنقيط”، الأمر الذي يجعل الوصول إلى صيغة توافقية لتقاسم الحصص بين المكوّنات والكتل السياسية عمليةً معقّدةً ومفتوحةً على احتمالات التعثّر. وإذا ما حصل هذا، ستنتهي مهلة الشهر الدستورية المحدّدة للزيدي لتقديم كابينته وبرنامجه الحكومي لمجلس النواب من دون نتائج، ما سيحتّم على “الإطار التنسيقي” تقديم مرشّح بديل، وهو ما قد يفجّر صراعاً سياسياً من نوع آخر.

التحدّي الثاني، إصلاح العلاقات مع دول الجوار، لا سيّما دول الخليج العربي، التي شهدت توتّراً ملحوظاً أخيراً على خلفية الهجمات بطائرات مسيّرة نفذتها فصائل عراقية مسلّحة مدعومة من إيران على بعض دول الخليج العربي خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ولا تقتصر أهمية هذا التحدّي على البُعد الدبلوماسي فحسب، بل تمتدّ إلى أنّه اختبار مبكّر لقدرة الزيدي على إعادة ضبط سلوك الفصائل الولائية في العراق، وإعادة تعريف موقع العراق في شبكة التوازنات الإقليمية. فنجاحه في هذا الملفّ المهمّ والمعقّد يتطلّب تحقيق معادلة دقيقة تقوم على طمأنة دول الجوار، وعدم الاصطدام المباشر مع القوى الداخلية المرتبطة بإيران، وهي معادلة معقّدة قد تضع حكومته أمام ضغوط متزايدة منذ لحظة تشكيلها.

جاء التكليف بعد اتفاق قوى “الإطار التنسيقي” على الزيدي “مرشّح تسوية”، بعد مصاعب كبيرة، وخلافات عميقة، وتنافس واضح على الفوز بالمنصب

ويتعلّق التحدي الثالث بملفّ سلاح الفصائل الموالية لإيران، وهو من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في المشهد العراقي، بل التحدّي الأكثر استعصاءً أمام جميع الحكومات العراقية منذ عام 2014، بعدما تحوّلت هذه الفصائل من مجرّد تشكيلات مسلّحة إلى فاعل سياسي وأمني يمتلك حضوراً مؤثّراً ومتزايداً داخل مؤسّسات الدولة. تزداد صعوبة هذا التحدّي في ظلّ الضغوط الأميركية المتزايدة التي تدفع باتجاه تفكيك هذه الجماعات، التي صنّفتها واشنطن جماعات إرهابية، وحصر السلاح في يد الدولة، وهو مطلب لم تنجح فيه أيّ من الحكومات العراقية السابقة، ويبدو مستحيلاً إلى حدّ كبير. وقد برزت هذه الضغوط بعدما علّقت الولايات المتحدة إرسال شحنات الدولار إلى العراق (500 مليون دولار)، وجمّدت برامج تعاون أمني مع جيشه، بالتوازي مع رسائل سياسية واضحة ترفض أيّ مخرجات حكومية تنسجم مع نفوذ تلك الفصائل.

وعليه، سيجد الزيدي نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد، بين ضغوط خارجية تطالب بإجراءات حاسمة، وواقع داخلي يجعل من هذه الإجراءات أقرب إلى خيار محفوف بالمخاطر، إن لم يكن مستحيلاً في المدى القريب.

في المحصلة، لا يبدو تكليف الزيدي مجرّد انتقال إداري في رئاسة الحكومة بقدر ما هو دخول منطقة سياسية شديدة الوعورة، تُختبر فيها حدود القدرة على الحكم داخل نظام قائم على التوازنات لا على الحسم. لذا فإنّ التحديات الثلاثة التي تحيط بمرحلة ما بعد التكليف لا تعمل بنحو منفصل، بل تتداخل لتشكّل شبكة ضغط واحدة تُضيّق هامش المناورة أمام رئيس الوزراء الجديد منذ لحظة تكليفه، ما يعني أنّ أزمة الحكم في العراق لم تعد أزمة أشخاص أو حكومات، بل أزمة بنية سياسية تعيد إنتاج عجزها مع كلّ استحقاق.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى