ازدواجية الدبلوماسية المغربية

علي أنوزلا

                                                                  

منذ توقيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل سنة 2020، دخل الموقف الرسمي المغربي تجاه ما يجري في الشرق الأوسط مرحلة تختلف جذرياً عن التي سبقتها، ليس فقط في الشكل، وإنما في الجوهر أيضاً، بحيث لم تعد فيها اللغة الرسمية أكثر حذراً، بل أصبحت أكثر التباساً إن لم نقل تحيّزاً. فالمغرب الذي ظل عقوداً يقدّم نفسه داعماً ثابتاً للحقوق الفلسطينية، ورئيساً للجنة القدس، وحافظ على مسافة معتبرة من دولة مارقة مثل إسرائيل، لم يكن يتردّد في تبني مواقف أكثر وضوحاً تجاه انتهاكاتها وجرائمها، أصبح اليوم أقرب إلى موقع الصمت إزاء سياساتها، بل وإلى موقع التماهي مع كثير من سياساتها الإجرامية. ويطرح هذا التحوّل سؤالاً بسيطاً لكنه جوهري: ماذا تغيّر فعلاً؟

قرّر المغرب، في سنة 2000، وقف التطبيع مع إسرائيل، وإغلاق مكتب الارتباط المغربي في تل أبيب، كما أغلق مكتب الارتباط الإسرائيلي في الرباط. ولم يكن القرار غامضاً أو ملتبساً، بل جاء في بيان رسمي لوزارة الخارجية المغربية، بثته وكالة الأنباء المغربية الرسمية، أن هذا القرار اتُّخذ بسبب “انتكاسة عملية السلام”، وبسبب “الأعمال اللاإنسانية التي ترتكبها القوات الإسرائيلية في حق أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل”، واستعمالها “الآلة الحربية لقتل المدنيين الأبرياء”. وأضاف البيان أن القرار جاء أيضاً “نظراً إلى الظروف الخطيرة التي خلقتها الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية”، وبسبب موقفها المتعنت بإعلان توقيف عملية السلام. كما ذكّر البيان بمسؤولية المغرب والتزاماته في نطاق لجنة القدس التي يرأسها الملك محمد السادس، وبأن المغرب فتح أصلاً مكتب الاتصال دعماً للحوار والتفاهم بدل لغة القوة والغطرسة.

كان ذلك الموقف واضحاً ومنسجماً مع منطق سياسي وأخلاقي يعتبر أن استمرار العلاقة لا يستقيم مع استمرار القمع والاحتلال. وبعد 20 سنة، انقلب الموقف رأساً على عقب. فالمعطيات نفسها التي برّرت القطيعة سنة 2000 لم تختف، بل تفاقمت إلى مستوياتٍ غير مسبوقة. إسرائيل لم تصبح أكثر اعتدالاً، ولا أكثر احتراماً للقانون الدولي، ولا أكثر استعداداً للسلام. العكس ما حدث. فقد ازداد التطرّف، وتعمّق الاستيطان، واتسعت دائرة العنف، وصعدت إلى الحكم قوى صهيونية أكثر صلافة وعنصرية وعدوانية لا تخفي نياتها التوسّعية والاستيطانية والاحتلالية.

الاستمرار في المنطقة الرمادية والجمع بين خطاب الدعم وممارسة الصمت، قد يحقّق مكاسب ظرفية، لكنه يهدّد على المدى البعيد مصداقية المغرب وصورته الأخلاقية

في غزّة، ارتكبت إسرائيل حرب إبادة حقيقية أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، أغلبهم من النساء والأطفال، ولا تزال آلة القتل تفتك يومياً بالأبرياء بلا توقف. نحو مليونين ومئتي ألف فلسطيني حوّل الاحتلال حياتهم إلى جحيم مفتوح يعيشون بين الركام والخراب، وتحت خيام مهترئة، محرومين من الماء والدواء والغذاء وأبسط شروط الكرامة الإنسانية. وفي الضفة الغربية، يستمر الجيش والمستوطنون في قتل الفلسطينيين، والاعتداء على ممتلكاتهم، وطردهم من بيوتهم وأراضيهم، وحرق متاعهم وتجريف مزارعهم. أما القدس، وخاصة المسجد الأقصى، فقد أصبح مستباحاً لمليشيات المستوطنين الصهاينة، تحت حماية وزراء الاحتلال المتطرفين. وعلى المستوى المؤسّساتي، سنّت الدولة الصهيونية عشرات القوانين التي كرّست واقع الأبارتهايد بشكل معلن، وجديدها أخيراً قوانين انتقامية وعنصرية، مثل قانون إعدام أسرى فلسطينيين.

ماذا تغيّر إذن؟ أو بالأحرى، لماذا تغيّر السلوك المغربي الرسمي، بينما ازداد الواقع الذي كان سبباً في القطيعة السابقة سوءاً وتعقيداً؟ المؤكد أن الذي تغير ليس الموقف الإسرائيلي، لأنه يزداد كل يوم تطرّفاً وعنفاً وغطرسة. ما تغير هو الموقف الرسمي المغربي، الذي يزداد كل يوم تقرّباً من إسرائيل، وصمتاً عن جرائمها، واستعداداً لتقديم التسهيلات لها بما في ذلك السماح للسفن التي تنقل إليها أسلحة الدمار لتعبر موانئه ومياهه الإقليمية، في وقتٍ يُقمع فيه صوت كل مغربي يرفع صوته تنديداً بما يجري أو رفضاً للتطبيع المفروض على أغلبية الشعب المغربي.

ما تغير هو الموقف الرسمي المغربي، الذي يزداد كل يوم تقرّباً من إسرائيل، وصمتاً عن جرائمها

داخل المغرب، يصف المبرّرون هذا الخيار بأنه موقفٌ براغماتي وعقلاني ومنطقي، يراعي المصلحة الوطنية المغربية حتى لو على حساب حقوق شعب شقيق ومعذّب هو الشعب الفلسطيني. وهذا التبرير، مهما اختلفنا معه، يبقى قابلاً للنقاش إذا طُرح بصراحة ووضوح، لكن المشكلة في ازدواجية المواقف والتباس اللغة التي تحاول أن تجمع بين الاستفادة من التطبيع سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وفي الوقت نفسه ادّعاء أن المغرب لا يزال في الصف الأول لمساندة الشعب الفلسطيني وقضيته وإقامة دولته المستقلة وحماية مقدساته الدينية. فهذان المنطقان لا يستقيمان معاً، لأن البراغماتية تصبح موضع مساءلة حين تتحول إلى انتقائية أخلاقية، أو إلى صمت مطبق تجاه جرائم جسيمة. فمن الصعب التوفيق بين التأكيد المستمر على دعم الحقوق الفلسطينية وغياب مواقف واضحة وحازمة تجاه مشاهد الجرائم اليومية التي ترتكبها إسرائيل في حق الشعبين الفلسطيني واللبناني، أو تجاه السياسات العنصرية للدولة العبرية والتي تدينها منظّمات دولية وهيئات حقوقية كبيرة.

لا يمكن الجمع بين شرف مساندة قضية عادلة مثل القضية الفلسطينية والاستفادة من علاقات غير سوية مع دولة عنصرية استعمارية استيطانية، يلاحَق كبار مسؤوليها أمام العدالة الدولية بتهم جرائم حرب. كما لا يمكن الفوز بالحسنتين: صورة المدافع عن الحق، وصورة المرابي المتحالف مع القوة الظالمة المعتدية. وعندما تحاول الدولة الرسمية المغربية الجمع بين الأمرين لا تنتج إلا خطاباً مرتبكاً يفقد المصداقية في الداخل والخارج.

 الازدواجية في المعايير تُضعف صورة الدبلوماسية المغربية، وتجعلها تبدو أقرب إلى منطق الاصطفاف منه إلى منطق الاتزان الذي طالما تباهت به

وقد انكشفت هذه الازدواجية أكثر في سياق الحرب العدوانية الأميركية الإسرائيلية على إيران ولبنان. فقد سارعت الدولة المغربية الرسمية إلى إدانة العدوان الإيراني على دول خليجية، والذي قدّمته إيران ردّاً على استخدام قواعد عسكرية انطلقت منها عمليات استهدفت أراضيها ومنشآتها. وفي المقابل، لم يُسمع للمغرب الرسمي صوت واضح يدين العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، الذي لم يحترم ميثاق الأمم المتحدة ولا قواعد الشرعية الدولية، وأدانته دول عديدة، بينها دول حليفة لتل أبيب وواشنطن، كما تحفّظت عليه هيئات دولية وازنة.

تكرّر الأمر نفسه عندما تعرّض لبنان، الدولة العربية المستقلة، لهجمات إسرائيلية استهدفت أراضيه ومنشآته المدنية ومستشفياته وجسوره ومدارسه، وامتدت إلى قلب عاصمته بيروت. أليس ذلك عدواناً سافراً على دولة ذات سيادة؟ ولماذا لم يصدر الموقف الرسمي المغربي باللغة نفسها، والسرعة نفسها، التي استُعملت في إدانة عدوان طهران؟ هل لأن لبنان بلد فقير لا يملك ما يمنحه لمن يسانده؟ أم لأن الموقف المغربي أصبح أقرب إلى الحسابات الإسرائيلية منه إلى مقتضيات التضامن العربي والحد الأدنى من الاتساق الأخلاقي؟

هذه الازدواجية في المعايير تُضعف صورة الدبلوماسية المغربية، وتجعلها تبدو أقرب إلى منطق الاصطفاف منه إلى منطق الاتزان الذي طالما تباهت به. من حقّ الدبلوماسية المغربية أن تراعي مصالح البلاد، وأن تدير توازناتها كما تشاء، لكن ليس من حقها أن تطلب من الناس تصديق خطابها المتناقض ولغتها المزدوجة. فإما أن تعلن بصراحة أنها اختارت البراغماتية المجرّدة، أو أن تظل وفية لما كانت تقوله وتفعله حين كانت تعتبر العدوان عدواناً، والاحتلال احتلالاً، وقتل المدنيين جريمة لا تقبل التبرير. فالمصلحة الوطنية الحقيقية لا تتعارض مع إدانة العدوان، ولا مع الدفاع عن القانون الدولي، ولا مع التعبير الصريح عن رفض قتل المدنيين الأبرياء أينما كانوا. أما الاستمرار في المنطقة الرمادية والجمع بين خطاب الدعم وممارسة الصمت، فقد يحقّق مكاسب ظرفية، لكنه يهدّد على المدى البعيد مصداقية المغرب وصورته الأخلاقية واحترامه المعنوي في محيطه العربي والإسلامي والدولي.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى