عن عودة اللاجئين السوريين   

أحمد عيشة

بعد مرور خمسة عشر شهرًا على سقوط نظام بشار الأسد، عاد نحو (1.5) مليون لاجئ سوري إلى ديارهم. وقد استُخدم هذا الرقم على نطاق واسع بوصفه علامةً فارقة لبداية جديدة، إلا أنه يُخفي حقيقةً أكثر إثارةً للقلق؛ إذ إن تسارع وتيرة العودة لم يكن نتيجة تحسّن الأوضاع داخل سوريا بقدر ما يعكس تراجع مواقف الدول المضيفة الرئيسية في المنطقة وتدهور بيئة اللجوء فيها، ولا سيما في لبنان وتركيا والأردن، فضلًا عن الدول الأوروبية، خصوصًا بالنسبة لطالبي اللجوء الذين لم يحصلوا بعد على أوراق إقامة رسمية.

فالضغوط الاقتصادية، وتراجع المساعدات الدولية، وتزايد الضغوط السياسية والنفسية، جميعها عوامل تُجبر كثيرًا من السوريين على العودة، ببساطة لأن بقاءهم في دول اللجوء أصبح أمرًا لا يُطاق.
وبعبارة أخرى، ما نشهده ليس عودةً طوعيةً بالمعنى الدقيق، بل إعادةُ إنتاجٍ للقسر، ولكن هذه المرة خارج الحدود السورية.

تستضيف دول الجوار، ولا سيما تركيا ولبنان والأردن، الكتلة الأكبر من اللاجئين السوريين، حيث تتقاطع هشاشة أوضاعهم القانونية مع تدهور شروطهم المعيشية لتُنتج بيئة لجوء ضاغطة على نحو متزايد. ويعمل معظم السوريين في قطاعات غير رسمية تتسم بانعدام الاستقرار وغياب الحماية، الأمر الذي يكرّس دوائر الفقر ويحدّ من فرص الحراك الاجتماعي.

في تركيا، يعيش أكثر من 2.8 مليون سوري تحت نظام “الحماية المؤقتة”، وهو إطار قانوني يوفّر حدًا أدنى من الحماية، لكنه يفرض في الوقت نفسه قيودًا على الاندماج في سوق العمل الرسمي. وفي ظل تفاقم التحديات الاقتصادية وتقلّبات السياسات الداخلية، تتآكل قدرة اللاجئين على تأمين احتياجاتهم الأساسية؛ إذ تشير تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن نحو 90% منهم غير قادرين على تغطية نفقاتهم الشهرية بشكل كامل.

أما في لبنان والأردن، فتتخذ الأزمة أبعادًا أكثر حدّة في ظل محدودية الموارد الوطنية وتراجع التمويل الدولي، ما يفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المجتمعات المضيفة واللاجئين على حد سواء. ونتيجة لذلك، لم تعد العودة إلى سوريا تُطرح بوصفها خيارًا طوعيًا بقدر ما تغدو استجابة اضطرارية لبيئة لجوء آخذة في التدهور.

في أوروبا، حيث يقيم نحو 1.2 مليون لاجئ سوري، يتركّز معظمهم في ألمانيا، اتجهت السياسات خلال السنوات الأخيرة نحو تشديد متزايد لملف اللجوء، في ظل تصاعد حضوره في الخطاب السياسي الداخلي. وقد ساهمت الأحزاب اليمينية في تأطير القضية ضمن سرديات أمنية واقتصادية تعزّز المخاوف العامة وتدفع نحو مزيد من القيود.

وعقب سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024، علّقت عدة دول أوروبية مؤقتًا إجراءات اللجوء للسوريين، بالتوازي مع طرح خطط لإعادة منظمة وترحيل لاحق، ما فتح الباب أمام مراجعة أطر الحماية تمهيدًا لتقليصها. وأصبحت إجراءات اللجوء أكثر بطئًا وتعقيدًا، إذ تمتد فترات البتّ إلى أكثر من عام، مع تأخيرات في لمّ الشمل والسكن، بينما تستغرق عملية الاستقرار القانوني والاجتماعي سنوات طويلة في ظل إقامات مؤقتة قصيرة ومحدودة الحقوق.

ورغم الطابع القانوني لهذه السياسات، فإن أثرها التراكمي يخلق بيئة لجوء غير مستقرة. وبهذا الشكل، لا تُفرض العودة عبر قرارات ترحيل مباشرة، بل تتشكل تدريجيًا نتيجة تقليص فرص الاستقرار والوضع الهش من الناحية القانونية والمعيشية. وقد تعزز هذا الاتجاه في كانون الأول 2025، حين وافق الاتحاد الأوروبي على إدراج سوريا ضمن قائمة “الدول الآمنة”، رغم التحذيرات بشأن استمرار غياب شروط الأمان والاستقرار.

في المحصلة، يتبلور نمط يمكن وصفه بـ”الإعادة القسرية غير المباشرة”، حيث تُنتج العودة عبر إعادة تشكيل البيئة القانونية والمعيشية بما يدفع اللاجئين إليها تدريجيًا.

غير أن السؤال الحاسم يبقى: ماذا ينتظر هؤلاء العائدين داخل سوريا؟

لا يزال الواقع الإنساني بالغ الهشاشة، في ظل تركة ثقيلة خلّفها نظام الحكم السابق على مختلف المستويات؛ من تدهور البنى التحتية والخدمات الأساسية، إلى محدودية فرص العمل وارتفاع كلفة المعيشة، وصولًا إلى بيئة استثمارية غير مستقرة تعيق التعافي الاقتصادي. ويُضاف إلى ذلك استمرار العقوبات الدولية، وما تفرضه من قيود على حركة الأموال وتمويل مشاريع إعادة الإعمار، الأمر الذي يُبقي الدورة الاقتصادية مشلولة جزئيًا، رغم محاولات الحكومة طرح قطاعات متعددة للاستثمار.

ضمن هذا السياق، تشير تقديرات خطة الاستجابة الإنسانية لسوريا لعام 2026 إلى أن نحو 70% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر العالمي، ويحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية. وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة البنيوية التي يواجهها العائدون، حيث لا تقتصر التحديات على غياب الخدمات، بل تمتد إلى انعدام مقومات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

تُقدَّر كلفة إعادة إعمار سوريا بما يتراوح بين 200 و400 مليار دولار، وهي عملية لا تزال رهينة تعقيدات سياسية واقتصادية متشابكة، تجعل من الصعب تصور تحسّن سريع أو مستدام في الظروف المعيشية. وفي ظل غياب توافق دولي فعّال، وتقييد تدفقات التمويل والاستثمار، يبقى مسار التعافي الاقتصادي بطيئًا ومحدود الأثر.

وحتى مظاهر التحسّن الجزئي في بعض الخدمات، كالكهرباء، جاءت ضمن مقاربات تسعيرية تهدف إلى تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، لكنها في المقابل أدّت إلى ارتفاع كبير في الكلفة على المستهلكين، ما حدّ فعليًا من قدرة شريحة واسعة من السكان على الاستفادة منها. وبذلك، يتحول “التحسّن الخدمي” إلى مكسب نظري أكثر منه تحسنًا ملموسًا في شروط الحياة اليومية.

ورغم مساعي الحكومة لبسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية، والعمل على دمج الفصائل المسلحة ضمن هيكلية وزارة الدفاع، إلى جانب إنشاء قوى أمنية جديدة بهدف تعزيز الاستقرار، لا تزال البلاد بعيدة عن تحقيق استقرار فعلي، إذ تتقاطع مجموعة من العوامل البنيوية التي تُبقي المشهد الأمني هشًا؛ من استمرار التوترات المحلية، إلى ضعف الثقة بين شرائح من المجتمع والدولة، فضلًا عن بقاء تهديد الجماعات المتطرفة، مثل (داعش)، قائمًا، بالتوازي مع الضربات الخارجية التي تقوّض استقرار المشهد الأمني.

وفي موازاة التحديات الأمنية، تبرز أزمة الملكيات العقارية بوصفها أحد أكثر الملفات تعقيدًا أمام عودة اللاجئين. فقد وجد كثير من العائدين منازلهم مدمّرة، أو خاضعة لسيطرة غير قانونية، أو منقولة ملكيتها عبر وثائق مزوّرة. وفي ظل غياب إطار قانوني شامل وفعّال لمعالجة هذه النزاعات، سواء عبر آليات استعادة الحقوق أو التعويض، تتحول مسألة السكن إلى عائق بنيوي إضافي يحدّ من إمكانات الاستقرار وإعادة الاندماج.

لقد وفّر سقوط نظام الأسد الشرط الأساسي لعودة اللاجئين، لكنه بالتأكيد ليس الشرط الكافي أو الوحيد. فثمة فرق جوهري بين إمكانية العودة من جهة، وسلامتها من جهة أخرى؛ إذ تصبح العودة ممكنة عند زوال العامل السياسي الطارد، لكنها لا تصبح آمنة إلا بتوفر شروط مادية وقانونية وخدمية فعلية على الأرض، تشمل الحماية القانونية، والسكن، والخدمات الأساسية.

وبناءً على ذلك، ينبغي أن يتحول السؤال المطروح أمام صانعي السياسات، سواء داخل سوريا أو خارجها، من مجرد: هل العودة ممكنة الآن؟ إلى سؤال أكثر جوهرية وتعقيدًا: هل تتوافر بالفعل شروط العودة الطوعية والآمنة والكريمة والمستدامة؟

حتى الآن، تشير المعطيات إلى أن هذه الشروط لا تزال غير متحققة. وعليه، فإن تصوير ما يجري بوصفه “عودة طوعية” ينطوي على قدر كبير من التضليل. فما يحدث فعليًا ليس عودة طوعية بالمعنى الدقيق، بل نتيجة مسار طويل من الضغوط المتراكمة التي جعلت البقاء في المنفى خيارًا يزداد صعوبة، بل وربما يستحيل، بالنسبة لكثير من السوريين.

وفي ظل هذا الواقع، يظل المبدأ الأهم هو ضمان حرية الاختيار الكاملة للاجئين، بعيدًا عن أي ضغوط سياسية أو اقتصادية، إلى أن تصبح العودة خيارًا حقيقيًا قائمًا على الإرادة الحرة، لا مخرجًا اضطراريًا تُعيد إنتاجه توازنات سياسية أو صفقات ظرفية.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى