“الهيئة الاستشارية”.. توسيع للمشاركة العسكرية أم إعادة إنتاج القرار بدائرة ضيقة؟

مالك الحافظ

أعاد إعلان وزارة الدفاع تشكيل هيئة استشارية طرح مسألة بنية القرار داخل المؤسسة العسكرية ضمن سياق إعادة ترتيب مواقع النفوذ داخل الوزارة وإعادة توزيع الأدوار بين القيادة التنفيذية والدوائر المرتبطة بها، إذ تعمل الوزارة منذ أكثر من عام على إعادة تنظيم الوحدات وضبط التسلسل القيادي وتتابع دمج تشكيلات عسكرية مختلفة ضمن هيكل واحد، بينما يأتي تشكيل الهيئة كإطار تنظيمي يُدرج ضباطاً منشقين عن قوات نظام الأسد المخلوع داخل مسار إعادة الهيكلة، ضمن موقع يتيح حضورهم داخل البنية العسكرية من خارج الدائرة التي تحتفظ بصلاحيات اتخاذ القرار.

هيئة استشارية بصلاحيات محدودة؟

الهيئة الاستشارية لوزارة الدفاع كانت قد عقدت جلستها الأولى نهاية آذار الفائت برئاسة وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، وناقش الاجتماع آلية عمل الهيئة ومهامها والملفات التي ستتابعها خلال المرحلة المقبلة، ووفق ما أعلنته الوزارة فإن دور الهيئة يتركز في إعداد دراسات وتقديم توصيات مرتبطة بملف إعادة بناء الجيش الجديد وتنظيم بنيته، في سياق تعمل فيه الوزارة على إعادة ترتيب المؤسسة العسكرية خلال المرحلة الانتقالية، كما ضمت الهيئة في تشكيلها الأول عدداً من الضباط، وهم محمد نور خلوف ومحمد الحاج علي وعبد العزيز الشلال وسليم إدريس ورياض الأسعد وفضل الله الحجي وعبد الرحمن الشيخ، مع توجه لإضافة أسماء أخرى في مراحل لاحقة، ويأتي هذا التشكيل ضمن مسار إداري أوسع تعتمده وزارة الدفاع في التعامل مع ملفات إعادة الهيكلة وإدراج شخصيات عسكرية ضمن أطر تنظيمية مرتبطة بعملية إعادة بناء الجيش.

وفي الوقت الذي يتقاطع إدخال الهيئة الاستشارية مع إعادة ترتيب دوائر القرار داخل وزارة الدفاع، فإن القيادة العسكرية تحتفظ بصلاحيات اتخاذ القرار داخل مستويات محددة، بينما تُدرج الهيئة ضمن هذا السياق كإطار تنظيمي يضاف إلى هيكل قائم على تركّز القرار، مع إدخال الضباط المنشقين ضمن موقع منفصل عن التسلسل القيادي المباشر، إذ يضع هذا الترتيب دور الهيئة ضمن نطاق يتصل بإعداد التصورات المرتبطة بإعادة الهيكلة دون ارتباط بآليات التنفيذ.

حضور استشاري خارج دوائر القرار التنفيذي

العميد المنشق مصطفى الفرحات، الباحث في قضايا الدولة والأمن الاستراتيجي، اعتبر خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن تقييم موقع الهيئة الاستشارية داخل وزارة الدفاع يرتبط بالسياق العام الذي يمر به الجيش السوري في المرحلة الحالية، مشيراً إلى أن المؤسسة العسكرية الجديدة تشكّلت عبر عملية إعادة تأسيس شبه شاملة لجيش خرج من مرحلة طويلة من التفكك البنيوي والانقسام العملياتي، وأضاف أن توزع القوى المعارضة لنظام الأسد خلال السنوات الماضية وما رافقه من انتشار جغرافي متباين أفرز فجوة مركبة على مستوى القيادة والعقيدة والثقة داخل البنية العسكرية.

وأوضح أن الهيئة الاستشارية تندرج ضمن أدوات إدارة المرحلة الانتقالية العسكرية، حيث يقع موقعها بين مستوى التفكير الاستراتيجي ومستوى صناعة القرار، واعتبر أن دورها لا يتصل بإصدار الأوامر بقدر ما يتصل بإعادة صياغة الخيارات المطروحة أمام صانع القرار، لافتاً إلى أن أهمية الهيئة ترتبط بطبيعة تركيبتها، خاصة في حال ضمّت ضباطاً منشقين عن قوات نظام الأسد بمستويات وخبرات متعددة، ما يمنحها قدرة على قراءة بنية الجيش السابق بما تحمله من نقاط قوة واختلالات، إضافة إلى خبرة ميدانية تراكمت في ظروف قتال غير تقليدية، إلى جانب حضور معنوي داخل أوساط المنشقين الذين ينتظرون إدماجاً مؤسسياً يعيد موقعهم داخل المؤسسة العسكرية.

وفيما يتعلق بمدى تأثير الهيئة، أشار الفرحات إلى أن فاعليتها ترتبط بطريقة إدراجها داخل منظومة القرار، حيث يتحدد حضورها وفق مستوى ارتباط توصياتها بمسارات التنفيذ داخل وزارة الدفاع، لافتاً إلى أن تحويل مخرجاتها إلى سياسات عملية يمثل عاملاً حاسماً في تحديد دورها داخل المؤسسة العسكرية، وأضاف أن مسار إعادة بناء الجيش يتصل بملف إدماج الضباط المنشقين ضمن بنية عسكرية واحدة، وهو ملف يرتبط بطبيعة الترتيبات المعتمدة داخل المؤسسة خلال المرحلة الانتقالية.

وختم بالإشارة إلى أن إعادة بناء الجيش تتطلب إدماج الكفاءات العسكرية ضمن إطار مؤسسي منظم، معتبراً أن موقع الهيئة الاستشارية سيتحدد ضمن هذا المسار بحسب مستوى ارتباطها بعملية إعادة التنظيم وإعادة توزيع الأدوار داخل المؤسسة العسكرية.

هذا ويندرج تشكيل الهيئة الاستشارية ضمن مسار تنظيمي يعيد توزيع الأدوار داخل المؤسسة العسكرية دون أن ينقلها إلى داخل مركز القرار، حيث يسمح هذا الترتيب بإدراج الضباط المنشقين ضمن بنية المؤسسة مع استمرار تركّز صلاحيات اتخاذ القرار داخل مستويات محددة، في سياق يعكس طبيعة إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية خلال المرحلة الانتقالية.

بين التنظيم المؤسسي والهواجس الأمنية

من جانبه قال الكاتب والباحث حسام البرم، خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن تقييم موقع الهيئة الاستشارية داخل وزارة الدفاع يرتبط بمقارنة ما أُنجز فعلياً منذ تأسيس السلطة الجديدة في كانون الأول 2024 بطبيعة عمل المؤسسات التي تشكلت لاحقاً، مشيراً إلى أن البنية المؤسسية ما تزال تفتقر إلى هيكلية واضحة وآليات مستقرة لاتخاذ القرار، بما في ذلك وزارة الدفاع، رغم كونها مؤسسة سيادية تعتمد في عملها على درجة عالية من السرية، وأضاف أن ما ظهر حتى الآن يقتصر على إعلان تشكيل هيئة استشارية دون وضوح في موقعها الفعلي داخل منظومة القرار.

وبرأيه فإن إدراج هذه الهيئة يندرج ضمن مسار يهدف إلى استيعاب الخبرات العسكرية السابقة واحتوائها ضمن إطار تنظيمي، مع مراعاة البعد المرتبط بالرأي العام، حيث يحمل هذا التشكيل بعداً يتصل بإظهار انفتاح المؤسسة على دمج الضباط المنشقين ضمن بنيتها، دون أن يعني ذلك بالضرورة نقل هذه الخبرات إلى داخل مواقع التأثير المباشر، لافتاً إلى أن طبيعة التسمية بحد ذاتها تعكس حدود الدور المتوقع، حيث يقتصر عمل الهيئة على تقديم الاستشارات، في حين يبقى القرار النهائي ضمن نطاق القيادة التنفيذية داخل وزارة الدفاع.

وأضاف أن قدرة الهيئة على التأثير ترتبط بمدى قدرتها على خلق حضور يتجاوز الإطار الاستشاري، مشيراً إلى أن اللجوء إلى الرأي العام قد يشكل أحد أدوات الضغط المتاحة أمامها في حال سعت إلى توسيع دورها، إلا أن هذا المسار يبقى محدود الأثر في ظل طبيعة البنية الحالية لمؤسسة القرار، ما يجعل دور الهيئة أقرب إلى إطار استشاري تنظيمي لا يصل إلى مستوى المشاركة في صياغة القرار العسكري.

وأشار إلى أن إدراج ضباط منشقين عن قوات نظام الأسد داخل هذا الإطار يفتح أيضاً باباً لتحديات تتعلق بالبعد الأمني، في ضوء ما راكمته هذه الفئة من علاقات واتصالات خلال السنوات الماضية مع جهات إقليمية ودولية، بحسب تعبيره، وهو ما يضع دورهم داخل المؤسسة ضمن سياق يحتاج إلى ضبط وتقييم مستمرين، بما ينسجم مع طبيعة المرحلة ومتطلبات إعادة بناء المؤسسة العسكرية.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى