كيف ستنعكس نتائج حرب إيران على المنطقة وسورية؟

  معقل زهور عدي

بدون شك سوف تعيد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من الجهة الأخرى تشكيل خارطة التوزع الجيوسياسي في المنطقة بكاملها وفق النتائج النهائية التي ستسفر عنها، وبينما مازالت تلك النتائج غير واضحة تماما، فهناك ملامح مسارات محتملة لإعادة التشكيل السابقة.

فإيران لن تخرج بهزيمة استراتيجية كاملة طالما أن الحرب التي أعلنت عليها لم تصل لأهدافها المعلنة، بل على النقيض من ذلك فإن الاستعجال في الذهاب لإنهاء الحرب من قبل الولايات المتحدة – وربما اسرائيل التي لم تظهر معارضة ذات وزن لإنهاء الحرب – يعكس نوعا من التفوق الاستراتيجي، تفوق يمكن أن يجد أساسه في منع الخصم من تحقيق أهدافه المعلنة التي بادر لشن الحرب من أجلها.

رغم أن هذا التفوق الاستراتيجي يبقى على مسافة من وصفه بالنصر بسبب الخسائر العظيمة التي نزلت بالدولة الايرانية والتي ستدفعها للانشغال بإعادة الاعمار لما هدمته الحرب لسنوات ليست بالقليلة.

ما سوف نواجهه في المنطقة بعد الحرب هو إيران منهكة اقتصاديا، قابلة للتغييرات السياسية الداخلية، لكنها ليست إيران التي استسلمت للإرادة الأمريكية بل هي مازالت قادرة على ايجاد مكانة سياسية لها في المنطقة ربما أكثر من السابق لكن بطرق مختلفة عن السابق إلى حد ما.

وهي بذكائها السياسي قادرة على استثمار هذا الفارق بإعادة تموضعها ضمن الاقليم على نحو يضمن لها تحقيق مصالحها بعيدا عن أية مواجهة ساخنة. وليس مستبعدا حال تخليها – ولو مرحليا – عن فكرة امتلاك سلاح نووي. أن تتمكن من إعادة تشكيل علاقتها بالغرب والولايات المتحدة تحديدا بصورة أقل عدائية مقابل اعتراف الغرب الضمني بمصالح محدودة لها في المنطقة. وتلك مشكلة سوف تواجهها الدول العربية مستقبلا.

هل ستتخلى إيران نهائيا عن أذرعها في المنطقة؟

وفقا لنتائج الحرب التي بدأت بالظهور حتى الآن فمن المستبعد أن تتخلى نهائيا عن أذرعها في المنطقة لكنها ستعيد هندسة علاقتها مع تلك الأذرع , فهي لم تعد قادرة على تمويلها كالسابق , كما أنها لم تعد بصدد أن تتورط في المرحلة القادمة بحرب قريبة مع اسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية , بالتالي فسوف تستخدم مكانتها السياسية الجديدة في المنطقة لتجعل من علاقاتها بتلك الأذرع أمرا مقبولا لدى الغرب وإلى حد ما لدى الدول الاقليمية مقابل إبعاد أذرعها عن المجابهة الساخنة مع اسرائيل نحو هدنة طويلة الأمد .

وربما يشمل ذلك تحويل الميليشيات إلى أحزاب سياسية موالية لايران ضمن لبنان والعراق .

أما عن اسرائيل فهي في الغالب قادمة نحو مراجعات سياسية استراتيجية في ظل الفشل في تحقيق انتصار حاسم في الحرب مع إيران، ومنذ الآن بدأت بوادر تحولات سياسية داخلية تستعيد كل عوامل معارضة الحكومة الحالية التي كانت كامنة خلف الحرب على ايران.

لم يعد الحلم بشطب إيران من معادلات التوازن في المنطقة نهائيا لصالح هيمنة اسرائيلية واردا بالطريقة التي يحلم بها نتنياهو، فإيران حجزت لها مكانا في الجيولوجيا السياسية في المنطقة بفعل نتائج الحرب، صحيح أنه ليس المكان الذي كانت تحلم به أيضا كإمبراطورية توسعية، لكنه في المقابل ليس شطبها في معادلات التوازن كدولة مهزومة.

والحقيقة الثانية أن نقاط الضعف البنيوية لدى اسرائيل انكشفت على نحو غير قابل للإصلاح، فإسرائيل القوية بسلاحها الجوي وتقنياتها العسكرية الحديثة ضعيفة في قابليتها لمواجهة عسكرية طويلة الأمد، وصغيرة إلى حد أنها لا تستطيع مواجهة الصواريخ لفترة طويلة مهما كان لديها من نظم متقدمة ومعقدة من المضادات الجوية.

وانتهاء الحرب مع إيران بدون استسلام إيران يعني أن عدوا استطاع أن ينال من الأمن الاسرائيلي بصورة جدية دون أن يلقى مصير الهزيمة كعقاب مستحق.

كما ظهر مدى اعتماد اسرائيل على الولايات المتحدة لدرجة التبعية في حين كانت تعتبر نفسها الشريك والحليف للولايات المتحدة والحصن المتقدم للغرب في المنطقة.

لا يمكن للوحشية التي تظهرها اسرائيل في لبنان أن تغطي حقيقة انكشافها ومحدودية قوتها بل إن تلك الوحشية تكرس تلك الحقيقة التي أظهرتها الحرب مع إيران أكثر من أي وقت سابق.

من وجهة نظر استراتيجية لم يعد للخط السياسي لليمين الاسرائيلي من مستقبل، لكن ذلك قد لا يظهر قريبا.

أخيرا ماذا يعني ما سبق بالنسبة لسورية؟

أولا : مكانة سورية كحاجز في وجه التمدد الايراني سوف تبقى في المرحلة القادمة مادامت ايران لم تستسلم كما كانت تهدف الحرب ضدها . وهذا يصح بالنسبة للدول العربية كما يصح بالنسبة للولايات المتحدة .

ثانيا : مكانة سورية كبديل لتأمين سلاسل الامداد خاصة النفط سوف تظهر بقوة كإحدى دروس الحرب على ايران وهذا يرتبط باستقرار سورية كضرورة حيوية للتجارة الدولية وتأمين طرق النفط العربي .

ثالثا : أثبت الحكم في دمشق قدرته الفائقة على التأقلم مع المتغيرات الاقليمية والدولية , من خلال موقفه المتزن خلال الحرب , وابتعاده عن مخاطرها , وأنه الأقدر على الابقاء على سورية واحة للسلام وسط أمواج الحروب والمواجهات الطاحنة في المنطقة وهذا سوف يعزز مكانته العربية والدولية .

رابعا : انكسار الاستراتيجية الاسرائيلية اليمينية  كناتج للحرب ضد ايران , وانكشاف محدودية قدرتها السياسية على تغيير معادلات القوة في المنطقة سوف يبعد احتمالات المغامرات العسكرية الاسرائيلية ضد سورية , وسوف يدفع اسرائيل للسعي لاتفاق أمني مع سورية يمنح سورية الهدوء الضروري على جبهة الجنوب من أجل الدفع باتجاه الاعمار وإعادة البناء .

خامسا : باختصار فإن إرهاق كل من ايران واسرائيل وإضعافهما معا دون انتصار أي منهما  من خلال الحرب سينعكس ايجابا على الوضع السوري , وتعزيزا لمكانة سورية الاقليمية والدولية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى