
لديّ صديق «ربنا فاتح عليه»: منظمات حقوقية، ومؤتمرات، وندوات، وورشات عمل، وسفر دائم، وحضور طاغٍ أمام جمهور السوشال ميديا.
«كل ما دقّ الكوز بالجرة» حول حدث في سوريا، يعيد العبارة نفسها: السبب في كل ما نعيشه هو غياب العدالة الانتقالية، وتأخر تطبيقها منذ بداية العهد الجديد.
هذه البديهية تبدو، في ظاهرها، صحيحة، لكنها في كثير من الأحيان مضلِّلة ومجتزأة من سياق عام تتداخل فيه التفاصيل، ما يخرجها من صوابيتها النظرية إلى الاستثمار الأيديولوجي. فلا يوجد سوري غير راغب في العدالة، حتى خصوم العهد الجديد؛ فكلٌّ يعتقد أنه على حق، وأنه الصواب، وما عداه باطل يستوجب العقاب.
قارب الرئيس أحمد الشرع، خلال حضوره الصحفي في معهد «تشاتام هاوس»، المشهد قانونيًا وسياسيًا بمنظور الدولة وخياراتها الصعبة، بين رغبة الشارع بالاستعجال والخوف من التداعيات والتحديات الماثلة أمام أعقد الملفات في سوريا.
معتبرًا أن العدالة الانتقالية أولوية، لكنها تحتاج إلى بناء مؤسسي ومرجعية قانونية واضحة، قد تتبلور بعد انطلاق أعمال مجلس الشعب السوري، والنظر في العديد من القوانين القديمة. وهذا أحد مرتكزات تحويل المسار من مطلبٍ إلى قابلٍ للتنفيذ والاستمرار والشمولية.
أصحاب الانتهاكات الأخطر في جرائم الحرب التي وقعت على السوريين فرّوا خارج البلاد، من رأس النظام، وقادة الفرق، والأولوية في الجيش، وصولًا إلى رؤساء الأجهزة الأمنية والسجون.
يقول الشرع: «خلال الفترة الماضية، عملت الدولة على تثبيت بعض الأسس: إعادة فتح قنوات دولية، العودة إلى الإنتربول، ملاحقة مطلوبين، ومحاولة الحفاظ على السلم الأهلي».
في جرائم الحرب، لا يُحاسَب المنفذ فقط، بل كل من ساهم أو سهّل أو حرّض. وهذا باب واسع، يعني مؤسسات حزبية كانت تمتد بطول البلاد وعرضها، ونقابات مهنية وشعبية أُفرغت من مضامينها وتحولت، مع سنوات الثورة، إلى داعم لنظام الإجرام قولًا أو فعلًا.
العدالة فكرة.. والواقع معضلة
غالبًا ما أتحامل «صحفيًا» على صديقي الحقوقي، فأبادره بالسؤال: دعنا نقارب نموذجًا افتراضيًا.
هل يمكن، مثلًا، ألا يتفجر السلم الأهلي إذا اقتربت الدولة من بيئة عائلية في الجنوب السوري؟ العائلات انقسمت هناك بين ثورة ونظام، وقد دفع الجميع أثمانًا طائلة: أولاد العمومة، والإخوة، والبيت الواحد.
ماذا عن المنظومة العشائرية التي تورّط بعض أفرادها في الانتهاكات؟ كيف نضمن ردّة فعل هذه المجتمعات المغلقة بالعصبية القبلية؟
وماذا لو كان معظم المتورطين ينتمون إلى مكونات بعينها؟
هل تضمن أن فتح هذا الملف لن يتحول إلى انفجار طائفي؟
في جرائم الحرب، لا يُحاسَب المنفذ فقط، بل كل من ساهم أو سهّل أو حرّض. وهذا باب واسع، يعني مؤسسات حزبية كانت تمتد بطول البلاد وعرضها، ونقابات مهنية وشعبية أُفرغت من مضامينها وتحولت، مع سنوات الثورة، إلى داعم لنظام الإجرام قولًا أو فعلًا.
فهل تُحاسَب قيادة المنظمة أم الفاعلون، أم القواعد الواسعة فيها؟ أم حتى السائق الذي يوصل رئيسه ويتشارك معه الموقف ونصف الفعل؟
ذاكرة الألم غير المنتهية
في بدايات الشهور الأولى للثورة السورية، شاءت أقداري المهنية أن أكون في تغطية لصالح وكالة الأنباء الرسمية «سانا»، في مؤتمر سنوي، أو طارئ، للاتحاد العام للفلاحين في سوريا.
قطاع يفترض أن همومه الاقتصادية أولوية، لا سيما أن البلاد شهدت حينها ارتفاعًا في أسعار الطاقة، وانخفاضًا في الهطولات المطرية، وهجرة قاسية للفلاحين، تُرى بالعين، على أطراف المدن.
فئة مهمشة أصلًا، ومعاناتها فاقعة: ديون، تراجع في المحاصيل الزراعية، وألف قصة وقصة.
فجأة تحوّل المؤتمرون إلى دعاة حرب، بفعل التحريض والتعليمات القادمة من القيادة حينها: التصفيق، والهتاف، ودعوة الدولة لمنحهم السلاح للمواجهة، والتصدي «للمؤامرة الكونية».
ربما فعلها بعضهم، وقاتل جاره، أو حتى حفيده.
رحلت حينها هاربًا من موت أخافني، واعتقدته محققًا، فما أوسعه آنذاك في البلاد.
خطف القتلة روح أخي، يزورني معاتبًا كل ليلة. صورة ضحكته البريئة لا تغادر حياتنا. أضمد جراحي، فتؤزّها أمي نحيبًا علقمًا، وتسألني: متى تُحاسب الدولة من سلّمه للقتلة؟
غالبًا ما تسلك والدتي طريقها الدائري حول البلدة، على ما فيه من مشقة وعسر، لاعتقادها أن رائحة الواشي تقطن في وسط البلدة، وأن قلبها وأمومتها كافيان للاستدلال على من كتب التقرير الأمني.
حتى إذا وصلت حاجز الجيش، بدأت رحلة العذاب، لتنتهي بعد سنوات بورقة وفاة تسلمتها من قيود المنطقة.
تطبيق العدالة الانتقالية بشكل واسع ومباشر في سوريا يعني فتح ملفات قد تطول شرائح كبيرة من المجتمع، وهو ما لا يحتمله بلد لم يتعافَ بعد من غياب الأمن والفقر والبطالة وغياب الاستقرار.
كلها عوامل تؤجل العدالة، لكنها في الوقت نفسه تجعل غيابها أكثر خطورة.
سوريا اليوم أمام معادلة لا تقبل التبسيط:
لا يمكن بناء دولة بدون عدالة، ولا يمكن فرض عدالة غير مدروسة دون أن تهدد هذه الدولة نفسها.
مسار طويل وتجارب صعبة التطبيق
المقارنات التي تُطرح في سياق تطبيق العدالة الانتقالية على مرتكبي جرائم حرب سوريين في الغرب لا تتعدى بضعة أشخاص، وتستمر محاكماتهم منذ سنوات، كما هو الحال في ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية.
يقول الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال: «إن ما يكون صحيحًا في مكان، قد يكون خطأ في مكان آخر».
وهذا ينطبق تمامًا على العدالة الانتقالية في سوريا.
كل النصائح لا تقترب من عمق الهوة السحيقة ومدى اتساعها، ولا من موازنة بالغة التعقيد.
في مقاله بجريدة «الثورة» السورية، يؤكد وزير العدل مظهر الويس أن «العدالة الانتقالية مبدأ دستوري التزمت به الدولة على كل الصعد، وظهر واضحًا في الإعلان الدستوري، وقد تجسّد هذا الالتزام عمليًا من خلال إجراءات واسعة وواضحة، منها إطلاق هيئة وطنية للعدالة الانتقالية وملف المفقودين».
كما يؤكد أن «السير الجاد في إصلاح البنية المؤسساتية للقضاء وضمان استقلاله، وإعادة تنظيم المحاكم لضمان الكفاءة واستمرارية العمل القضائي، ركن أساسي».
توضيح الصورة النمطية وتصحيح المفاهيم، كما تراها وزارة العدل، لا يقل أهمية في سياق تطبيق العدالة الانتقالية.
وترى الوزارة أنه من الطبيعي أن «يبقى المسار غير مكتمل ما دامت بعض هذه التحديات قائمة، إذ إن إخضاع الجميع لسلطة الدولة وسيادة القانون يحتاج وقتًا وجهدًا تراكميًا».
الغريب بالنسبة لي ألّا يتفهم صديقي القانوني، وعشرات النخب، دعوة الوزارة إلى التمهل؛ فواجب النخب والمعنيين والمؤثرين مساعدة المؤسسات ودعمها، بدلًا من الضغط والتسرع الذي قد يؤثر على حالة الاستقلالية المطلوبة، ويصنع جوًا من القلق والتحريض غير المقصود.
الدولة مطالبة اليوم بإصلاح القضاء، وإعداد كل ما يلزم لمساره، وصولًا إلى محاسبة الجميع دون استثناء، وكشف الحقيقة، خاصة في ملف المفقودين وجراح ذويهم النازفة.
عدالة تُنصفنا.. لا عدالة تُفجّرنا
لست ضد العدالة الانتقالية، أرجوكم.
أنا فقط أحاول أن أقدم لصديقي الحقوقي وأهلي قراءة متوازنة، ومعرفة حجم التحديات والصعوبات، وأن نضغط على الجراح ولا ننساها.
ولست بوارد البحث عن تبرير لتأجيلها، ولا أملك ترف تجاهل الألم أو تجاوزه. أنا، كغيري من السوريين، أحمل جرحًا مفتوحًا، وذاكرة لا تهدأ، وأسماء لا تغيب. أريد العدالة، بصدق، وبإلحاح، وبحاجة إنسانية لا تقبل المساومة.
لكنني أخاف من عدالة تتحول إلى انتقام، ومن محاسبة تُفتح بلا حساب، فتغرقنا جميعًا في دائرة جديدة من الدم.
الدولة مطالبة اليوم بإصلاح القضاء، وإعداد كل ما يلزم لمساره، وصولًا إلى محاسبة الجميع دون استثناء، وكشف الحقيقة، خاصة في ملف المفقودين وجراح ذويهم النازفة.
لكن المجتمع أيضًا مسؤول، عبر رفض الانتقام، ودعم مسار العدالة، والمطالبة بها بشكل واعٍ، ومراقبة متأنية تُبقي الملف حيًا من دون أن تعجّل بحرقه.. أو حرقنا معه.
المصدر: تلفزيون سوريا






