
شهدت الساحات والشوارع السورية خلال الأيام الماضية حراكاً شعبياً لافتاً، جاء تفاعلاً مع ما يُعرف بـ”قانون إعدام الأسرى” الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي، في مشهد أعاد التأكيد على عمق حضور القضية الفلسطينية في الوعي الجمعي للشعب السوري، بوصفها قضية أخلاقية وإنسانية تتجاوز حدود السياسة واللحظة الراهنة.
في أصل هذا الحراك، يمكن القول إنه يمثل تعبيراً مشروعاً عن تضامن شعبي صادق مع الشعب الفلسطيني وقضاياه المركزية، وعلى رأسها قضية الأسرى والمقدسات. فهذا النوع من التفاعل لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من التداخل بين الشعبين السوري والفلسطيني، ولا عن مكانة فلسطين في الوجدان العربي والإسلامي عموماً، والسوري خصوصاً.
غير أن القراءة المتوازنة لهذا المشهد تقتضي التمييز بين شرعية الدافع وسلامة المسار، الذي نتجت عنه تداعيات وتبعات تستحق التوقف عندها. فالمعطيات تشير إلى أن هذا الحراك لم يكن بعيداً عن تعقيدات الواقع السياسي، إذ رافقته بعض التجاوزات، مثل الاعتداء على بعثات دبلوماسية، وتصاعد خطاب التعميم والاتهام، لا سيما تجاه اللاجئين الفلسطينيين في سوريا. وهي ممارسات لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف، لما تحمله من تهديد مباشر للسلم الأهلي، ولما تمثله من مساس بمفهوم الدولة وسيادة القانون.
إن قراءة الحراك لا يمكن أن تنفصل عن حدود القدرة الواقعية. فسوريا ما تزال تعاني من آثار سنوات طويلة من الصراع، وتواجه تحديات عميقة على المستويات العسكرية والاقتصادية والمؤسسية والأمنية، ما يجعل تحميلها أدواراً إقليمية تفوق إمكاناتها الحالية أمراً غير واقعي، بل وقد يؤدي إلى تفاقم التحديات الداخلية.
وفي هذا السياق، يبرز خطر الخلط بين الفعل الفردي والانتماء الجماعي، وهو خلط يفتقر إلى أي أساس قانوني أو أخلاقي. فاللاجئ الفلسطيني في سوريا لا ينبغي أن يكون متهماً بشكل افتراضي، ولا يحتاج إلى إثبات يومي لانتمائه لقضيته أو لمحيطه العربي والإسلامي، بل هو جزء من نسيج اجتماعي يتفق ويختلف مع المستجدات والتطورات كسائر مكونات المجتمع. ومن هنا، فإن التعاطي معه بمنطق التعميم أو التعمية، كلٌّ على حدة أو معاً، يمثل انحرافاً عن أبسط قواعد العدالة والموضوعية.
وبالتوازي مع ذلك، لا يمكن تجاهل البعد السياسي المحيط بهذا الحراك. فالقراءة التحليلية تشير إلى أن احتمال توظيف هذه المظاهرات لأغراض سياسية أو فصائلية، أو لخدمة مشاريع محلية أو إقليمية ودولية، هو احتمال قائم وذو وجاهة، خاصة في ظل مؤشرات تتعلق بطبيعة الشعارات، وانتقائية الرموز، وتوقيت الحراك واتساعه الملحوظ وغير المتوقع بهذه الصورة. كما أن السياق الإقليمي والدولي، بما يشهده من تنافس على تمثيل القضية الفلسطينية وقيادة خطاب “المقاومة والممانعة”، يفتح المجال أمام قوى متعددة لمحاولة استثمار هذه التحركات لتعزيز مواقعها أو توجيه رسائل سياسية إلى خصومها.
ومع ذلك، لا تتوافر حتى الآن معطيات كافية أو أدلة حاسمة تثبت تورط جهات محددة، سواء كانت مرتبطة بالنظام السابق أو بإيران أو بغيرهما، في تنظيم هذا الحراك بشكل مباشر. كما أن هناك روايات أخرى تشير إلى أدوار محتملة لجهات سورية محلية أو تيارات داخلية. وبناءً عليه، فإن المقاربة الأكثر مهنية تقتضي التمييز بين ما هو مثبت وما يندرج في إطار الاحتمال، مع ضرورة الاعتماد على تحقيقات شفافة ومعطيات موثقة قبل تبني أي استنتاجات نهائية. ومع ما أعلنته وزارة الداخلية السورية من اعتقال متهمين متورطين في الاعتداء على سفارة الإمارات بدمشق، والوقوف خلف هذا الحراك تحديداً، ترتفع احتمالات التوظيف والتدخل، إلا أن الأمر لا يزال يتطلب تحقيقات شفافة وعادلة يتم إطلاع الرأي العام عليها، خاصة في ظل الحديث عن ارتباط بعض الموقوفين بالنظام السابق، ووجود خلفيات تتعلق بتنظيمات فلسطينية يُشتبه بتورطها في قضايا ذات طابع استخباري.
في المقابل، لا يمكن القفز عن حقيقة أوسع تتعلق بالمنطقة كلها، وهي أن القضية الفلسطينية لطالما كانت عرضة للتوظيف السياسي من قبل أنظمة وقوى مختلفة، استناداً أحياناً إلى مواقف فلسطينية فردية أو حزبية. ويزداد هذا الواقع تعقيداً في ظل غياب مرجعية فلسطينية منتخبة وقيادة وطنية موحدة، ما فتح المجال أمام تعدد التمثيل وتضاربه داخل الساحة الفلسطينية، وأسهم في جعل القضية عرضة للاستثمار عند كل منعطف إقليمي. وهو خلل بنيوي ذاتي ينعكس على كل حدث موضوعي في أي مكان يوجد فيه اللاجئون الفلسطينيون.
أما على مستوى الإدارة السورية الجديدة، فإن قراءة الحراك لا يمكن أن تنفصل عن حدود القدرة الواقعية. فسوريا ما تزال تعاني من آثار سنوات طويلة من الصراع، وتواجه تحديات عميقة على المستويات العسكرية والاقتصادية والمؤسسية والأمنية، ما يجعل تحميلها أدواراً إقليمية تفوق إمكاناتها الحالية أمراً غير واقعي، بل وقد يؤدي إلى تفاقم التحديات الداخلية.
إن إدارة الدول لا تقوم على الشعارات أو الأمنيات، بل على تقدير دقيق للإمكانات وموازين القوى. ومن هنا، فإن المزاوجة بين التضامن الشعبي المشروع ومنطق الدولة وحدود القدرة تبقى ضرورة لا غنى عنها في هذه المرحلة بالنسبة لسوريا الجديدة.
وفي هذا السياق، تُظهر الوقائع أن عدداً من الدول العربية والإسلامية يمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وسياسية تفوق ما هو متاح حالياً في سوريا، سواء من حيث حجم الإنفاق العسكري أو مستوى التسليح أو الجاهزية اللوجستية. وهو ما يجعل أي مقاربة جدية للقضية الفلسطينية، بما فيها ملف الأسرى والقدس، بحاجة إلى إطار جماعي تشارك فيه الدول الأكثر قدرة وتأثيراً، بدلاً من تحميل دولة تمر بمرحلة تعافٍ ما يفوق طاقتها وإمكاناتها.
وإن إدارة الدول لا تقوم على الشعارات أو الأمنيات، بل على تقدير دقيق للإمكانات وموازين القوى. ومن هنا، فإن المزاوجة بين التضامن الشعبي المشروع ومنطق الدولة وحدود القدرة تبقى ضرورة لا غنى عنها في هذه المرحلة بالنسبة لسوريا الجديدة.
وفي ضوء ما سبق، فإن التعامل مع تداعيات هذا الحراك يتطلب الالتزام بجملة من المبادئ الأساسية، منها سيادة القانون، ورفض التعميم، والفصل بين الفعل الفردي والانتماء الجماعي، وتعزيز الشفافية في التحقيقات، واعتماد خطاب إعلامي مسؤول يحد من التحريض ويحمي النسيج الاجتماعي. والأهم، الاستفادة من تجارب الماضي في التعاطي مع اللاجئين الفلسطينيين في البلدان المضيفة، لا سيما أن التجربة السورية لا تزال حاضرة بقوة، وأن آثارها السلبية ما تزال قيد الدراسة والمعالجة. وهو ما يستدعي مراجعة فلسطينية سورية دقيقة، مبنية على تقييم علمي وعملي مهني رصين، يحفظ العلاقة الشعبية والرسمية بين الطرفين، ويؤسس لمرحلة تخدم قضايا الشعبين في التحرر والتنمية.
في المحصلة، لا تكمن المشكلة في الحراك ذاته، بل في كيفية إدارته. فالتضامن مع فلسطين يجب أن يبقى قيمة جامعة تعبّر عن ضمير الشعوب، لا مدخلاً للتوظيف السياسي، أو لإنتاج الانقسام الداخلي، أو لزرع بذور الفتنة والفوضى. وبين صدق الشارع وتعقيدات السياسة، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على هذا التوازن: تضامن واعٍ، ودولة مسؤولة، وقضية لا تُستخدم إلا في سياقها العادل والجامع.
المصدر: تلفزيون سوريا






