العراق: مطالبات باستحداث وزارة للمرأة في حكومة علي الزيدي

محمد الباسم

                                                                                           

قبل أن يشرع البرلمان العراقي، قبل أسبوعَين، في التصويت على منح الثقة لحكومة علي الزيدي، أطلق ناشطون عراقيون ومنظمات تعمل في قطاعات حقوق الإنسان والمجتمع المدني وحماية المرأة والطفل في العراق حملةً على مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة باستحداث وزارة للمرأة، خصوصاً مع تراجع تمثيلها في الوزارات الجديدة، إذ لم يقع الاختيار إلّا على السياسية الكردية سروة عبد الواحد وزيرةً للبيئة، إلى جانب إلغاء معظم أقسام “تمكين المرأة” في الوزارات والدوائر الحكومية في خلال فترة الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني.

والمطالبة باستحداث وزارة للمرأة ليست جديدة، بل طُرحت كذلك في عهد حكومات محمد شياع السوداني، ومصطفى الكاظمي، وعادل عبد المهدي، إلّا أنّ تلك المطالبات لم تفضِ إلى نتيجة، بفعل المحاصصة الحزبية والسياسية، بالإضافة إلى امتناع عدد من الأحزاب الدينية عن تبنّي تشكيل وزارة للمرأة، باعتبارها غير ضرورية، أو لأنّ برامجها قد تتيح تمكين المرأة وتعزيز دورها في المجتمع، الأمر الذي قد يؤدّي، وفقاً لمزاعم تلك الأحزاب، إلى حالات تمرّد تشجّع عليها منظمات تنشط في مجال حماية المرأة.

وتوصف حكومة الزيدي بأنّها من أكثر الحكومات العراقية تهميشاً للمرأة في المناصب الوزارية، إذ لم تُسنَد سوى وزارة واحدة إلى سروة عبد الواحد، التي جاءت تسميتها نتيجة اتفاق مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي كان قد رشّح وزيراً للمنصب، غير أنّ التفاهمات السياسية أفضت في النهاية إلى اختيار عبد الواحد. يُذكر أنّ الحكومات العراقية شهدت بعد الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 مشاركة نسائية لافتة، مع تولّي وزيرات عديدات حقائب وزارية في مجالات متعدّدة.

وتُعَدّ نسرين برواري المرأة الأولى التي تتولى منصباً وزارياً بعد الغزو الأميركي، إذ شغلت منصب وزيرة البلديات في عام 2003، كذلك تولّت وجدان ميخائيل وزارة حقوق الإنسان في عام 2004، فيما شغلت نرمين عثمان وزارة البيئة في العام نفسه قبل أن تتولّى وزارة حقوق الإنسان في عام 2005. من جهتها، تولّت سها الشيخلي وزارة الهجرة في عام 2005، وشغلت نوال السامرائي منصب وزيرة الدولة لشؤون المرأة في عام 2010، في حين شغلت هدى سجاد منصب وزيرة دولة بين عامَي 2011 و2014.

وفي حكومة حيدر العبادي (2014–2018)، أدارت عديلة حمود وزارة الصحة، فيما تولّت شيماء الحيالي وزارة التربية لفترة قصيرة في عام 2017. أمّا حكومة محمد شياع السوداني (2022–2026)، فقد شهدت حضوراً نسائياً تمثّل في ثلاث وزيرات، هنّ طيف سامي محمد في وزارة المالية، وهيام الياسري في وزارة الاتصالات، وإيفان فائق يعقوب في وزارة الهجرة والمهجّرين.

وأوضح المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق أنّ المرحلة الحالية تتطلب تعزيز الدور المؤسسي للمرأة العراقية عبر استحداث وزارة خاصة تُعنى بشؤونها، بما ينسجم مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تواجهها، وبما يعزّز حضورها في صناعة القرار وبناء الدولة. وذكر المركز، في بيان، أنّ المرأة العراقية أثبتت في خلال العقود الماضية قدرتها الكبيرة على المشاركة الفاعلة في مختلف المجالات، سواء في ميادين التعليم والصحة والإدارة والعمل المجتمعي، أو في دعم الاستقرار الأسري وتعزيز السلم المجتمعي، الأمر الذي يجعل من الضروري وجود مؤسسة حكومية عليا تتولّى رسم السياسات الخاصة بتمكين المرأة، وحماية حقوقها، وتطوير قدراتها.

أضاف المركز وهو منظمة مجتمع مدني، أنّ دولاً عدّة في العالم اتّجهت إلى إنشاء وزارات أو هيئات عليا متخصّصة في شؤون المرأة، بهدف ضمان دمج قضاياها من ضمن الخطط التنموية والاستراتيجيات الوطنية، إلى جانب متابعة ملفات الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي والمشاركة السياسية ومكافحة العنف الأسري وتعزيز فرص العمل والتعليم. ورأى المركز أنّ من شأن استحداث وزارة للمرأة في العراق أن يمثّل خطوة مهمّة نحو ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، كذلك سوف يسهم في توحيد الجهود الحكومية المتعلقة بملفات المرأة والأسرة والطفولة، ووضع برامج وطنية متخصّصة تستجيب لاحتياجات المرأة العراقية في مختلف المحافظات.

في الإطار نفسه، قالت الناشطة العراقية لمى عبد الله لـ”العربي الجديد” إنّ “المطالبات بإعادة تشكيل وزارة المرأة متواصلة منذ سنوات، لكنّ القوى السياسية لا تسمع إلى صوت المجتمع المدني أو المنظمات الحقوقية والنسوية”، مشيرةً إلى أنّ “مشاركة المرأة في الحكومات ظلّت تتراجع في السنوات الماضية، وصولاً إلى امرأة واحدة كما في حكومة الزيدي”، وأوضحت أن “القائمين على حملة المطالبة بإعادة استحداث وزارة المرأة وتشكيلها يسعون إلى الوصول إلى رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، ورئيس مجلس النواب، من أجل إقناعهم بأهمية هذه الوزارة”.

وشدّدت عبد الله على أنّ “العراق يضمّ مئات، لا بل آلاف النساء القياديات الخبيرات في مجالات متفرقة، وبالتالي فإنّ حكومة تتألّف من 23 وزارة، لا تضمّ سوى وزارة واحدة تتولاها امرأة، تمثّل استخفافاً كبيراً بدور المرأة في المجتمع ومكانتها بوصفها شريكاً أساسياً في التنمية والاستقرار وبناء المستقبل”، وأكدت أنّ “وجود المرأة في مجلس الوزراء من شأنه أن يسهم في إيصال صوتها إلى رئاسة الحكومة، والدفع نحو تنفيذ القوانين المجمّدة المتعلقة بها، كذلك يدفع نحو إقرار القوانين المهمة التي تخصّ المرأة العراقية، بما فيها قوانين حمايتها ودعمها”.

من جهتها، قالت الأستاذة وداد المحسن في “جامعة بغداد” إنّ “استحداث وزارة للمرأة في العراق ليس خطوة رمزية، بل اعتراف بأنّ قضايا المرأة لم تعد تُحَلّ عبر لجان هامشية أو شعارات موسمية، إنّما تحتاج إلى جهة تنفيذية تمتلك قراراً وموازنة وقدرة على الضغط داخل الدولة، ولا سيّما أنّ العراق من البلدان التي ترتفع فيها نسب العنف الأسري، وتتراجع فيها مشاركة المرأة في السلطة التنفيذية، وتتعثر فيها فرص العمل والحماية القانونية، وبالتالي تصير الوزارة ضرورة سياسية واجتماعية، لا ترفاً إدارياً”.

ولفتت المحسن لـ”العربي الجديد” إلى أنّ “المرأة العراقية تحتاج إلى حماية قانونية حقيقية، وتمكين اقتصادي مباشر للأرامل والمطلقات والخريجات عبر مشاريع وتمويل وفرص عمل، لا مجرّد دورات تدريبية شكلية”. وأكملت المحسن أنّ “وجود المرأة في الحكومة يعني إمكانية نجاحها في الحصول على تمثيل جيّد في داخل مؤسسات الدولة، ومتابعة ملفات الزواج القسري، والتسرّب المدرسي، والحرمان الصحي، إلى جانب فتح ملفات غائبة مثل الأمن الرقمي للمرأة، والابتزاز الإلكتروني، وتمثيل المرأة في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي”.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى