
ألقت الأمطار الغزيرة وتداعيات حادثة الإساءة إلى العلم الوطني في عين العرب (كوباني) بظلالهما على أجواء احتفالات عيد النوروز في منطقة عفرين بريف حلب الشمالي، شمال غربي سوريا، وهو ما حول المناسبة من مشهد احتفالي صاف إلى فعالية يختلط فيها الفرح بالحذر.
ورغم الاضطراب الذي رافق الحادثة، وسوء الأحوال الجوية التي قيدت الحركة في بعض المناطق، أصر الأهالي على الخروج إلى الساحات العامة والمرتفعات الجبلية لإحياء طقوس العيد، حيث أُوقدت نيران النوروز واجتمعت العائلات حولها في مشاهد حملت طابعاً تراثياً واضحاً، بينما ارتدى الكبار والصغار الأزياء الكردية التقليدية تعبيراً عن التمسك بالهوية الثقافية.
ويحمل احتفال هذا العام خصوصية استثنائية، إذ يأتي النوروز للمرة الأولى بصفته يوماً وطنياً رسمياً في سوريا، بعد صدور مرسوم رئاسي اعترف بالحقوق الثقافية للكراد، وهذا التحول منح المناسبة بعداً وطنياً جامعاً، لتتجاوز كونها طقساً تراثياً سنوياً نحو حدث عام يرمز إلى الاعتراف بالتنوع الثقافي والانفتاح على المكونات الاجتماعية المختلفة في البلاد.
فرحة منقوصة
قال مدير المكتب الإعلامي في إدارة منطقة عفرين، زانا خليل، لموقع تلفزيون سوريا إن المدينة وجدت نفسها مجددا تدفع ثمن أحداث لا علاقة لأهلها بها، في إشارة إلى تداعيات حادثة الإساءة إلى العلم الوطني في عين العرب (كوباني)، وأوضح أن التوترات التي أعقبت الحادثة انعكست مباشرة على أجواء عيد النوروز، فبددت جزءا من فرحة الأهالي بمناسبة استثنائية انتظروها سنوات طويلة بوصفها لحظة ثقافية ووطنية جامعة.
وبين خليل أن حوادث متفرقة طالت رموزا وأعلاما في أكثر من منطقة، مشيراً إلى أن الاعتداءات لم تقتصر على علم الدولة فحسب، بل شملت أيضا الرمزية الكردية، في مشهد زاد من حساسية المشهد العام. كما تعرض مدنيون لمضايقات بسبب ارتدائهم الزي الكردي التقليدي، الأمر الذي عمّق الإحساس بالاحتقان وأضفى على المناسبة طابعا سياسيا لم يكن حاضرا في وجدان المحتفلين. واعتبر أن هذه السلوكيات أضرّت بروح العيد الجامعة، محذرا من الانجرار إلى صراعات تخدم خصوم السوريين، وداعيا إلى تغليب صوت العقل والحكمة وتفويت الفرصة على محاولات الاستثمار في التوتر.
ولفت خليل إلى التحول العميق الذي يعيشه الكرد السوريون اليوم بعد عقود من الحرمان من أبسط حقوقهم الثقافية، موضحا أن الاحتفال بالنوروز كان في السابق محفوفا بالمخاطر خلال عهد النظام المخلوع، حيث تعرض كثيرون للمساءلة والعقوبات لمجرد إحياء المناسبة، وأضاف أن المشهد هذا العام مختلف جذريا، بعدما بات النوروز عيدا وطنيا معترفا به، يخرج إلى العلن وتشارك فيه مختلف المكونات السورية، مؤكدا أن الشعور العام لدى الكرد لا يوصف بعد أن تحقق حلم طال انتظاره بإحياء العيد بصورة رسمية وآمنة.
بين الرمزية الوطنية والهوية الثقافية
قال عضو الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، عثمان ملو، لموقع تلفزيون سوريا إن رمزية الدولة وعلمها تمثلان المظلة الوطنية الجامعة التي تصون خصوصية الكرد ضمن الإطار السوري العام، مؤكدا أن أي اعتداء عليهما يمس جوهر المشروع الوطني المشترك، واعتبر أن التجاوزات التي رافقت بعض الاحتفالات لا تعبر عن الشارع الكردي، بل تعكس أجندات تسعى إلى تكريس الانقسام وإدامة الاستقطاب، مشددا على أن المرحلة الراهنة تتطلب وعيا سياسيا ومسؤولية جماعية، والانخراط كشركاء فاعلين في بناء دولة مستقرة وعادلة تكفل الحقوق وتصون الكرامة، كما حذر من أن الإساءة إلى أي رمز وطني، سواء علم الدولة أو الرمزية الكردية، تعمق الشرخ المجتمعي وتضعف فرص التعايش.
وأوضح ملو أن الحادي والعشرين من آذار يحمل قيمة تاريخية وثقافية عميقة بوصفه عيد النوروز ورأس السنة الكردية، وهي لحظة رمزية تربط الإنسان بالأرض وبمعاني الحرية وإرادة الحياة، واستحضر البعد التاريخي للمناسبة في الذاكرة الجمعية، حين أشعل كاوا الحداد النار على قمم الجبال إيذانا بسقوط الظلم وبزوغ فجر الحرية، لتتحول شعلة النوروز منذ ذلك الحين إلى رمز للكرامة الإنسانية والقدرة الدائمة على كسر القيود مهما طال أمد الاستبداد، وبذلك غدا النوروز عيد الحياة المتجددة ورسالة أمل تؤكد أن الشعوب المؤمنة بحريتها قادرة دائما على النهوض.
وأكد ملو أن النوروز في الوجدان الكردي لم يكن مجرد كرنفال شعبي، بل تعبيرا عميقا عن الهوية والاستمرارية التاريخية، ومناسبة يجدد فيها الشعب الكردي تمسكه بهويته القومية إلى جانب قيم الحرية والكرامة والتعايش، وأضاف أن احتفال السوريين اليوم معا بهذه المناسبة، بعد صدور المرسوم رقم 13 الذي أقر اعتماد النوروز مناسبة وطنية رسميا، يمثل خطوة سياسية وثقافية ذات دلالة مهمة، تعكس تحولا في المقاربة الرسمية تجاه التنوع القومي والثقافي في سوريا.
وأكد ملو أن أهمية هذه الخطوة لا تقتصر على رمزيتها، بل تتطلب البناء عليها وترسيخها ضمن إطار قانوني ودستوري واضح، بما يحصن الاعتراف بالتنوع المجتمعي السوري ويعزز صورة البلاد كفسيفساء ثقافية تسعى إلى الحياة والاستقرار في ظل دولة الشراكة والقانون، القادرة على تجاوز آلام الماضي وفتح صفحة جديدة عنوانها الحرية والكرامة.
فرح علني
ميدانياً، تحولت ساحات مدينة عفرين ومرتفعاتها إلى فضاءات مفتوحة للاحتفال، حيث شارك مسؤولون في الإدارة المحلية إلى جانب شخصيات ووجهاء وفعاليات أهلية في إحياء مناسبة النوروز التي استقطبت حشوداً واسعة من الأهالي، وتداخلت العروض التراثية مع الأهازيج والأغاني الشعبية في مشهد عكس ثراء الموروث الثقافي للمنطقة وتنوعه، بينما ارتدى المحتفلون أزياءهم الكردية التقليدية بألوانها الزاهية، لتغدو الساحات لوحات نابضة بالحياة.
وبإشراف إدارة المنطقة، أُقيمت مراسم إيقاد شعلة نوروز وسط تجمّع كبير من العائلات والوجهاء، في أول احتفال رسمي بالمناسبة بعد اعتمادها عيداً وطنياً بموجب المرسوم التشريعي رقم 13 الصادر عن رئاسة الجمهورية العربية السورية، وتولت قوى الأمن الداخلي تأمين الفعالية وتنظيم الحشود، ما أتاح سير الأنشطة بسلاسة، في وقت أكد فيه المشاركون أن النوروز لم يعد مجرد مناسبة تراثية، بل بات رمزاً للحرية والتجدد وبداية مرحلة مختلفة في الحياة العامة.
وعبر عدد من أهالي عفرين عن مشاعر استثنائية رافقت احتفالات هذا العام، مؤكدين أن النوروز جاء بطعم مختلف بعد اعتماده عيداً وطنياً رسمياً، تقول روكان محمد، التي شاركت في الفعاليات برفقة أطفالها، إن الإحساس بالأمان كان العنوان الأبرز للمناسبة: “للمرة الأولى أشعر أن النوروز يحتفل به من دون خوف، في السابق كنا نحييه بحذر وضمن نطاق ضيق، أما اليوم فنحتفل علناً في الساحات ونشعر أن العيد لنا ولكل السوريين”.
وتضيف روكان في حديثها لموقع تلفزيون سوريا أن الطابع الرسمي للاحتفال منح المناسبة معنى أعمق يتجاوز بعدها التراثي، موضحة: “ارتدينا الزي الكردي والتقطنا الصور في الساحات كما يحدث في الأعياد الوطنية، هذا الاعتراف الرسمي جعل فرحتنا مضاعفة ومنح أبناءنا ذاكرة مختلفة عن العيد، وتتابع: “انتظرنا هذه اللحظة لعقود، أن نحتفل بالنوروز بشكل رسمي يعني أن هويتنا الثقافية أصبحت جزءاً معترفاً به من هوية البلاد، وهذا شعور لا يمكن وصفه بسهولة”.
ويرى حسن شيخو، أحد سكان المدينة، أن المشهد الجماهيري في عيد النوروز حمل دلالات رمزية عميقة، قائلاً: “مشهد إشعال الشعلة أمام هذا الحشد أعاد إلينا الإحساس بالاعتراف والكرامة، لم يعد النوروز مناسبة هامشية، بل عيداً وطنياً يجمع الناس تحت مظلة واحدة”، ويشير شيخو إلى أن الأحوال الجوية حدت من اتساع المشاركة، مضيفاً: “لولا الأمطار والطقس البارد لكانت عفرين شهدت احتفالات أوسع بكثير”.
ويتوقع شيخو أن تستمر المظاهر الاحتفالية لأيام إضافية مع تحسن الطقس وانحسار التوترات التي خلّفتها حادثة العلم في عين العرب، مؤكداً أن الأهالي عازمون على استكمال طقوسهم بوصفها تعبيراً عن فرح مؤجل واستعادة علنية لعيد طال انتظاره.
بين زخات المطر وتوترات الشارع شمالي سوريا، تستمر الاحتفالات في عفرين بإيقاعٍ يجمع بين الفرح والحذر، حيث لم تنجح المنغصات في إطفاء الرغبة الشعبية بإحياء الطقوس وإظهار العيد في صورته الجامعة، فقد تعامل الأهالي مع المناسبة باعتبارها لحظة عامة لتجديد حضورهم الثقافي والتعبير العلني عن هويةٍ طال تهميشها، وفي الوقت نفسه مناسبة وطنية ترسخ الانتماء المشترك وتوسع مساحات اللقاء بين المكونات.
هذا الإصرار المجتمعي يعكس تحولاً في نظرة الناس إلى النوروز، من احتفال تقليدي محدود إلى محطةٍ رمزية تحمل أبعاداً ثقافية ووطنية متداخلة، خصوصاً مع اعتماده عيداً رسمياً على مستوى البلاد، وهنا تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى حماية المناسبات الجامعة من الاستقطاب، وترسيخ ثقافة احترام الرموز الوطنية بوصفها قواسم مشتركة لا ساحات نزاع، فصون هذه المساحات يفتح الطريق أمام تعاف اجتماعي حقيقي، يعيد للعيد معناه الإنساني والثقافي، ويمنح المشهد العام قدراً أكبر من التوازن والاستقرار.
المصدر: تلفزيون سوريا






