ياسمين الذكرى: الثامن عشر من آذار يوم وطني سوري للشهداء والمفقودين
 مقترح لإحياء الذكرى الوطنية ضمن إطار العدالة الانتقالية في سوريا

أصدرت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان اليوم تقريرًا دعت فيه إلى اعتماد زهرة الياسمين رمزًا وطنيًّا لإحياء الذكرى الوطنية في سياق العدالة الانتقالية في سوريا. ويعرض التقرير، الصادر بعنوان: “ياسمين الذكرى: الثامن عشر من آذار/ مارس يوم وطني سوري للشهداء والمفقودين: مقترح لإحياء الذكرى الوطنية ضمن إطار العدالة الانتقالية في سوريا”، ملامح المأساة الإنسانية السورية، ويؤكد الحاجة إلى تأسيس إطار وطني مؤسسي لإحياء الذكرى بوصفه مدخلًا للاعتراف والفهم الجماعي للفقد.

ويقترح التقرير اعتماد زهرة الياسمين رمزًا وطنيًّا، مع تخصيص 18 آذار/ مارس يومًا للشهداء والمفقودين، استنادًا إلى خبرات دولية تُظهر كيف يمكن ربط إحياء الذكرى بالعدالة الانتقالية بوصفه أداة للتعويض الرمزي وتعزيز الاعتراف والمصالحة. كما يتضمن المقترح طقوسًا رمزية، من بينها توزيع الياسمين الأبيض وإقرار دقيقة صمت وطنية، بما يحوّل الذكرى إلى فعل تضامن جماعي منظم. ويناقش التقرير، في الوقت نفسه، تحديات محتملة، مثل الذاكرة الانتقائية والحاجة إلى حوار وطني شامل، ويختتم بتوصيات موجّهة إلى الجهات الوطنية والدولية.

يعتمد التقرير على توثيق الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان لانتهاكات النزاع، وهو توثيق حظي باعتراف جهات أممية ودولية. كما يستند إلى تحليل مقارن يرتكز إلى أدبيات وتجارب إحياء الذكرى ولجان الحقيقة في دول ما بعد النزاع، بهدف تأطير المقترحات ضمن ممارسات مؤسسية مستقرة ومعايير معروفة في بناء الذاكرة العامة.

ويشير التقرير إلى حجم الخسائر الهائلة التي جرى توثيقها في سوريا، حيث قُتل نحو 231 ألف مدني، بينهم عشرات الآلاف تحت التعذيب، إضافة إلى أكثر من 177 ألف مختفٍ قسرًا، ونزح 13.8 مليون شخص. وتعكس هذه الأرقام معاناة إنسانية عميقة امتدت إلى الأسر والمجتمع، في ظل إنكار رسمي سابق وحرمان واسع من الحداد العلني. ومع سقوط النظام في كانون الأول/ ديسمبر 2024، برزت مبادرات مجتمعية عفوية لإحياء الذكرى كشفت الحاجة الملحّة إلى الاعتراف بالفقد. غير أنَّ هذه الجهود، على أهميتها، تبقى محدودة الأثر ما لم تُدعَم بإطار وطني مؤسسي ينظّم فعل التذكّر ويضمن استدامته. ومن ثم، يبرز اعتماد إطار وطني بوصفه ضرورة لدمج الاعتراف بالضحايا في بنية الدولة وتعزيز التضامن المجتمعي.

ويؤكد التقرير أنَّ إحياء الذكرى يمثل ركنًا أساسيًّا في العدالة الانتقالية، باعتباره أداة للتعويض الرمزي وما يرتبط بها من وظائف المصالحة والاعتراف والتثقيف المدني. وتستند المقترحات إلى المعايير الدولية ذات الصلة بحقوق الضحايا في المعرفة والانتصاف، وإلى خبرات لجان الحقيقة في جنوب أفريقيا وغانا وبيرو، التي أبرزت أهمية النصب التذكارية والطقوس المنظمة في ترسيخ الذاكرة العامة. كما تبيّن التجارب المقارنة، مثل يوم الذكرى في المملكة المتحدة، واليوم الوطني للذكرى في الأرجنتين، وذكرى كويبوكا في رواندا، أنَّ البناء المؤسسي والطقوس الثابتة يعززان الاستدامة والمشاركة المجتمعية، ويمنحان الرموز قوة معنوية متجددة. وتشمل توصيات الشَّبكة السورية إنشاء نصب تذكارية ومتاحف وأرشيفات رقمية، وإدماج تاريخ الثورة السورية في المناهج التعليمية وبرامج حقوق الإنسان. ويبرز التقرير أنَّ التعويض الأخلاقي، عبر الاعتراف والفعاليات التذكارية، يُكمل التعويض المادي ولا يغني عنه، وأنَّ الجمع بينهما ضروري لمعالجة آثار النزاع على الأفراد والمجتمع، وضمان بقاء الذاكرة الوطنية حاضرة ومؤثرة على المدى الطويل.

ويشير التقرير إلى أنَّ الياسمين يمكن أن يمثل رمزًا وطنيًّا أصيلًا للذكرى في سوريا، متجذرًا في الثقافة والذاكرة الجمعية، بما يحمله من دلالات الانتماء والكرم والبساطة، وقدرته على استحضار الذاكرة عبر التجربة الحسية اليومية. كما يكتسب 18 آذار/ مارس 2011، تاريخ سقوط أول شهداء الثورة السورية في درعا، أهمية أخلاقية ورمزية بوصفه لحظة تضحية حوّلت احتجاجًا محليًا إلى ثورة وطنية واتخذت مكانة راسخة في الوعي العام. ويعرض التقرير إطارًا تذكاريًا يجمع بين البعد المؤسسي والبعد الإنساني، عبر دقيقة صمت وطنية عند الساعة الثانية عشرة، وتوزيع الياسمين الأبيض على أسر الشهداء والمفقودين، بما ينقل الذكرى من ممارسة فردية إلى فعل تضامن جماعي. كما يتضمن المقترح وضع الياسمين في مواقع النصب التذكارية والمقابر الجماعية ومراكز الاحتجاز السابقة، وإدماج بعد تعليمي داخل المدارس لتعزيز وعي الأجيال بمسؤوليات الذاكرة. ويهدف هذا الطقس إلى تثبيت الاعتراف الجماعي ضمن خطاب مؤسسي، وترجمة وعود العدالة الانتقالية والبحث عن الحقيقة إلى ممارسة ملموسة تُكرّس العدالة الرمزية، وتؤكد الالتزام الوطني تجاه الضحايا وأسرهم، وتضمن استدامة ذاكرة الثورة ضمن بنية وطنية جامعة.

ويؤكد التقرير أنَّ أي إطار وطني لإحياء ذكرى ضحايا النزاع السوري سيواجه تحديات متعددة تتصل بفاعليته وشرعيته. ويتمثل أبرزها في خطر الذاكرة الانتقائية، إذ قد يتحول التكريم إلى أداة سردية منحازة إذا اقتصر على ضحايا طرف واحد، بما يقوّض قدرته على الإسهام في المصالحة. وعليه، يشدد التقرير على ضرورة أن يكرّم الياسمين جميع الضحايا بغض النظر عن هوية الجاني، بما يرسّخ حياد الرمز ويعزز العدالة الشاملة. ويرتبط التحدي الثاني بالتوقيت والتسلسل المؤسسي، إذ قد يفقد إحياء الذكرى كثيرًا من قوته إذا سبق اكتمال التحقيقات أو تحديد المصائر أو حماية المقابر الجماعية؛ لذلك ينبغي أن ينمو الإطار التذكاري بالتوازي مع تقدم مسارات العدالة الانتقالية، مع التأكيد المستمر على أنَّ البحث عن الحقيقة التزام قائم لا ينقطع. كما تتوقف شرعية الرمز على اعتماد عملية تشاركية وحوار وطني شامل يراعي التنوع المجتمعي ويضمن مشاركة مختلف المناطق والخلفيات الدينية والاجتماعية. ويجمع الياسمين بين جذور ثقافية عميقة وارتباط بالممارسات الشعبية، غير أنَّه يحتاج إلى اعتماد رسمي تشاوري ليغدو مؤسسة وطنية تمثّل الجميع وتحافظ على وحدة الرسالة الرمزية دون تمييز أو تحيز.

واختتم التقرير بتوصيات موجّهة إلى جهات محلية ودولية:

إلى الحكومة الانتقالية السورية: إعلان 18 آذار/ مارس يومًا وطنيًّا للشهداء والمفقودين، واعتماد الياسمين رمزًا وطنيًّا عبر حوار تشاوري يشمل أسر الضحايا والمجتمع المدني والقيادات الدينية، مع إقرار دقيقة صمت وطنية، وتخصيص موارد للبنية التحتية التذكارية، بما في ذلك مواقع تذكارية ومتاحف ومراكز توثيق وأرشيفات رقمية.

إلى اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية للمفقودين: إدماج برامج إحياء الذكرى ضمن اختصاصات اللجنتين بما يربطها بتقصي الحقيقة وتحديد الهوية ومحاسبة الجناة، وضمان شمولية الذكرى لجميع الضحايا بغض النظر عن هوية الجاني، بما يحقق وظيفة العدالة الشاملة والرمزية.

إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي: تقديم دعم فني ومالي لتطوير البنية التحتية لإحياء الذكرى والاستفادة من الخبرات الدولية، مع الاعتراف بإحياء الذكرى بوصفه جزءًا من التعويض، وإدماج هذا البعد الرمزي ضمن برامج التعاون مع مؤسسات العدالة الانتقالية السورية لضمان استدامته ومساواته بالأبعاد القضائية.

المصدر: الشبكة السورية لحقوق الانسان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى