عمّان لطفية الدليمي

معن البياري

                 

للكاتبة العراقية، الراحلة قبل أيام عن 87 عاماً، لطفية الدليمي، كتابٌ رائقٌ في أدب الرحلة، “مُدني وأهوائي… ” (دار السويدي، أبوظبي، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2017). يجول قارئه معها في دمشق، أول مدينةٍ زارتها خارج بلدها، القاهرة المدينة في قلب مدينةٍ في قلب أخرى، إسطنبول، الإسكندرية، باريس، لندن، بيرن، طهران، بودابست، زيوريخ، بيروت، فرانكفورت، … وغيرها. أمّا مدينتها بغداد التي عاشت وتعلّمت وعملت فيها، فلم تخصّص لها نصّاً، وإنْ حضرت كثيراً في ثنايا الكتاب. وغابت أيضاً عمّان التي أقامت فيها الكاتبة في سنواتها الأخيرة (نحو 18 عاماً)، وأسلمت فيها الروح. ما يعودُ إلى أنك لا تسافر زائراً إلى المدن التي تعيش فيها. ولكنك حين تعرف أن لطفية الدليمي فضّلت السكنى في هذه العاصمة العربية على الإقامة في باريس، وقد استغرب أصدقاءُ ومعارفُ لها، فهذا يعني أن ثمة قصّةً يُستشفّ منها ما ينفع للتأمل والتفكّر، فالذائع أن باريس أجمل وأبهج، وأكثر إغواء للاغتراب.

ظلّت القاصة والروائية والمترجمة تتمسّك ببقائها في بيتها في بغداد، على الرغم من ظروفٍ صعبة، ومن وفاة زوجها في 1995، واغتراب أبنائها في الخارج، وكانت رئيسة تحرير مجلةٍ هناك. وقد كتبت في كتابها “كرّاساتي الباريسية” (دار المدى، بيروت، بغداد، 2023)، إن فكرة المغادرة والرحيل لم تطرأ لها، طوال ليالي رُعبها ووحدتها (بتعبيرها) في حي العامرية، “فعلى امتداد عقودٍ مضت، لم يختلف الأمر، لبثتُ متشبثةً بجذور نخلةٍ وشجرة يوكالبتوس، كلتاهما يغوصان عميقاً في الأرض، ويسحبانني معهما إلى أعماقٍ قصيّة”. غير أن مواجهاتٍ طائفية مسلّحة، ومخيفة، في الحي، في فبراير/ شباط 2006، دفع أصدقاءها وزملاءها إلى أن يشجّعونها على السفر إلى عمّان، حيث ابنةٌ لها متزوّجةٌ تقيم هناك، لتمضية إجازة قصيرة فيها، ففعلت، وقد كتبت “كنتُ في حيرةٍ لا أرى من ورائي سوى العتمة والخوف، ولا أبصر أمامي غير المتاهة”. غير أن الحيّ أصبح منطقة ملتهبة، فنُصِحت بأن تنتظر بعض الوقت. وهنا تكتب “انتظرتُ وانتظرتُ، ولبثتُ أرنو إلى بغداد، برعشة أملٍ في الفؤاد، غير أنني لم أعُد إليها أبداً، ولا أظنّني سأعود”. اشتدّ القتل في تلك الآونة على الهوية الطائفية، وتمدّدت النيران والاغتيالات وتفجيرات المساجد والمراقد في باقي مدن العراق. وتعرّض بيت الكاتبة هناك للسرقة والنهب والتخريب والاحتلال، وفيه ما فيه من ذكرياتٍ وكتبٍ ومقتنيات. وكانت صاحبته، أياماً قبل مغادرته، تقلّب في حديقته التربة في خطوط فيها “لزراعة أزاهير الربيع والصيف”.

تقيم لطفية الدليمي في عمّان شهوراً، ثم تنتهي إقامتها زائرة، ولا تفلح في الحصول على الإقامة السنوية، ولا تقدر على دفع غراماتٍ متتالية، وتُصبح في ورطة، ولم تتمكّن من السفر إلى مؤتمراتٍ في غير بلد دُعيت إليها لخشيتها ألا تستطيع العودة، قبل أن تتيسّر ظروف سفرةٍ لها إلى مؤتمر لليونسكو في باريس، تقيم بعد انقضائه في فندقٍ “متقشّف” أربعة شهور، قبل أن تُستضاف ستة شهور مجانيّة في بيت الصحافيين، ثم تحصل، بعون أصدقاء وزملاء، على وثيقة سفر، بمثابة جواز لجوءٍ مؤقت، يمكّنها من السفر إلى ابنها في سويسرا. وبعد أن “ترتّبت” أمورُها، صار في وسعها العيش في فرنسا، لكنها لم ترغب، وكتبت “ما وجودي في باريس التي يحلم بها الآخرون إلا مصادفةٌ مربكة، لم أخطّط لها. وبالتالي، لم أنبهر بها كما ينبغي لمن يراها أول مرّة”. سارَعت إلى تقديم تأشيرة إلى الأردن، الدولة العربية الوحيدة (ربما) التي تقبل التعامل مع جواز السفر هذا، ثم استقرّت، “بعد تجارب موجعةٍ في باريس”، في شقةٍ استأجرتها بعمّان، و”تمتّعت بكرامة الاستقرار” بين ابنتها والصديقات والأصدقاء والمعارف.

كتبت لطفية الدليمي “وجدتُني في عمّان إنسانة أخرى، استعدتُ صفاء الروح وشرعتُ أردّ بعزمٍ وقوةٍ وبلا كللٍ على سنتين من التبدّد والبؤس في فرنسا، وأردّ على الخراب الذي اضطرّني لمغادرة بغداد” … “عمّان منحتني من جمالها أمناً، ومن لُطف أهلها طمأنينةً، فصنعتُ من عزلتي مهرجان فرح وكتباً أحبّها، فأحببتُ حياتي هنا، وصنعت ردّاً بليغاً على خراب بلادي وقسوة باريس وعذابات اللجوء”.

رحم الله صاحبة الصوت اللافت في المدوّنة السردية العراقية الحديثة، بما أنجزت من روايات ومجموعات قصصية ومسرحياتٍ منذ أول كتبها في 1970، وقد كتبت في قضايا الثقافة والأدب والمرأة، عدا عن ترجماتها الطيّبة. وأظنّها من أبلغ كاتبات العراق في التعبير عن خرائط العذاب المديد فيه، وقد كانت في عمّان صديقةً ودودةً مع كثيرين، تحوز احتراماً وإعجاباً مستحقيْن.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى