قراءة في رواية: ليسوا أرقامًا

   عبد المجيد عرفة

ليسوا أرقامًا رواية صادرة عن دار نرد للنشر والتوزيع عام ٢٠٢٦م. وهي أقرب لسيرة ذاتية منها لأن تكون رواية. السرد فيها بلغة المتكلم على لسان محمد بلال ذاته.

تبدأ السيرة من عام ٢٠١٤م عندما نجح محمد بلال في آخر مادة له في كلية حقوق دمشق. وكانت قد مضت سنوات على بدايات الثورة السورية التي حصلت في ربيع ٢٠١١م.

محمد ينتمي لأسرة دمشقية من سكان في حي كفرسوسة مكونة من الأب فهد والزوجة والأولاد الكبير حسن ويليه محمد وبعده مؤمن ثم مجد الأصغر. يعمل الأب تاجرا للأقمشة في الحريقة، له سمعته وحضوره في السوق، أحواله المادية متوسطة. كان الأب نموذجا للإنسان العصامي الحازم الذي تعب في تربية أولاده. ابنه الأكبر لم يتم دراسته وسرعان ما دخل كار التجارة ونجح فيها. محمد تابع دراسته ودخل كلية الحقوق وتخرج منها كما ذكرنا سابقا.

كان لحصول الثورة السورية تأثيره على عائلة محمد وخاصة اخوه الاكبر حسن الذي سرعان ما أصبح منخرطا في نشاطاتها السلمية ومن ثم الاغاثية حتى وصل للنشاط في الدعم العسكري. استمر ذلك لفترة اختفى بها حسن ولم يعد يستجيب لاتصالات أهله معه. حيث تواصل بعد ذلك معهم من ادعى انه على علاقة مع حسن وأنه مصاب ويمكنهم إحضاره إليهم وإيصال ما يريد أهله له. وكان كل ذلك كذبا، حيث اعتمد بعض عناصر الاجهزة الامنية على استغلال لهفة الأهل على أولادهم المعتقلين والمغيبين واستنزافهم ماليا على اساس انهم على تواصل مع اولادهم الذين قد يكونوا معتقلين او حتى مستشهدين. لم يتجاوب أهل حسن مع هؤلاء المرتزقة وقطعوا التواصل معهم، وانتظروا أن يعرفوا مع الزمن ما مصير ابنهم حسن.

كل ذلك كان قبل عام ٢٠١٣م حيث تم اعتقال فهد بلال والد محمد بلال وبقي في المخابرات العسكرية لحوالي العشرة أيام وخرج بعدها من المعتقل، وكأنه عائد من الموت، عاش أهوال الاعتقال وكانت مشاهداته في المعتقل مما لا يصدقه عقل، عن كثرة المعتقلين والتعذيب الشديد ، الاكتظاظ، القتل والتشبيح والتجويع وضيق المكان والمعاملة التي لا تحترم انسانية المعتقل بل تستبيح جسده وحياته.

عاشت العائلة في خوف وترقب ككل السوريين الذين أصبحوا ضحية انفلات النظام المتوحش وبطشه الدائم بهم.

لم تمض فترة على تخرج محمد من الجامعة حتى جاءت دورية امنية الى بيت العائلة وكانوا كلهم في البيت، سألوا والد محمد عن ابنهم حسن. فكان الجواب عندكم ، وبعد أخذ ورد أجاب الوالد انهم لا يعرفون أين ابنهم حسن. ولان الدورية لم تعجبها الاجابة طلبوا من الاب مرافقتهم إلى الفرع الأمني، وهو يعرف ماذا يعني ذهابه الى ذلك الفرع الذي اعتقل به سابقا، حاولت الأم والاولاد أن يمنعوا اعتقاله، فجاء الأمر للدورية أن تعتقل كل الذكور في البيت. الاب والاولاد محمد ومؤمن ومجد الصغير. وهكذا احضروهم إلى الفرع ٢١٥ ليواجهوا واقعا  و مصيرا مختلفا.

في الفرع عاشوا أهوال التنكيل والاكتظاظ حيث يتواجدون في غرف لكل اثنان بلاطة واحدة يتبادلون الجلوس والنوم عليها. الطعام سيء وقليل جدا إلى درجة انعدامه. كذلك الدخول للمرحاض وحتى الاستحمام بظروف قاهرة، انتشرت بينهم الأوبئة والأمراض والقمل. يصاحب ذلك عنف مفرط بالتعامل مع المعتقلين وأصوات التعذيب والبعض يموت من التعذيب أو المرض، ويلقون في الممرات، لقد احسوا انهم يعيشون في الجحيم.

بعد مضي حوالي العشرين يوما قدموهم للتحقيق وسألهم المحقق عن ابنهم حسن وأين هو فأجابوه لا نعلم، وأخبرهم المحقق انه في وادي بردى مع جبهة النصرة. ثم قال لهم ساحاول ان أخرجكم من المعتقل، لانهم كما قال لا يعرفون اين ابنهم حسن.

طالت أيام الاعتقال وسرد علينا محمد عن دوره واخوته حسن ومؤمن وبعض اصدقائهم واقربائم في الثورة السورية منذ اندلاع شرارتها من تجار الحريقة في مواجهة الشرطي وشبه مظاهرة أقاموها وهتافهم “الشعب السوري ما بينذل”. يقول محمد أن الشباب السوري كان يرصد تطورات الربيع العربي وخاصة في مصر واحتمال انتصارهم وكيف استطاعوا إسقاط مبارك من الحكم. وأنهم بدؤوا بالتظاهر على أثر مظاهرة الحريقة وقرروا أن يبدؤوا من المساجد، وقرروا الانطلاق من الجامع الأموي الذي كان يخطب به البوطي وهو من أزلام النظام كان يندد بالمتظاهرين ويسيء إليهم. ومع ذلك خرجت مظاهرة في داخل المسجد لكن الأمن والشبيحة حاصرتهم ومنعت خروجهم خارج الجامع. ومع ذلك حصلت مظاهرة أخرى جابت سوق الحميدية. وثم انتقل التظاهر الى حي الميدان الذي فيه جامع الحسن وشيخه كريم راجح وحصلت به تظاهرات. ثم انتقل التظاهر الى جامع الرفاعي وحوصر المتظاهرين به وكانت خطب الشيخ اسامة الرفاعي تندد بالنظام و تشرعن مطالب المتظاهرين. وتم إخراج المتظاهرين المحاصرين فيه بواسطة الشيخ أسامة الرفاعي . ثم انتقل التظاهر ليصبح مرافقا لتشييع الشهداء. حيث اصبح النظام يواجه المتظاهرين بالأسلحة ويؤدي لسقوط شهداء لتقوم مظاهرات اخرى لتشييع الشهداء الجدد في دوامة القتل المستمر من النظام المجرم. ثم انتقل الشباب الثائر ومنهم محمد واخوته واقربائه واصدقائه للتظاهر في الليل وظهرت المظاهرات الطيارة التي تبدأ وتبث للفضائيات وتنتهي قبل أن تصل قوات الأمن والشبيحة. وينسحب المتظاهرين بأقل نسبة من الأضرار.

كل ذلك كان في المرحلة السلمية للثورة وعندما استوحش النظام واعتمد على القتل والاعتقال  انتقل بعض الشباب الثائر إلى تشكيل مجموعات الجيش الحر كما فعل حسن الأخ الأكبر لمحمد بلال.

كما يسترجع محمد بلال النشاط الذي قام به المتظاهرين في جامعة دمشق محمد ومن معه من المتظاهرين في كلية الحقوق لتمتد إلى كلية العلوم ايضا. لقد وثّق السجالات الكثيرة التي حصلت بين الشباب الثائر والدكاترة ازلام النظام. وتحدث عن الصدام مع اتحاد الطلبة الموالي للنظام وادواته الامنية. وحصلت مواجهات كثيرة بين الشباب الثائر وأدوات النظام وشبيحته.

كذلك يمر محمد على تجربته مع الحب وكيف وقع في الحب مع زميلته هبة التي كانت له العقل المتفهم والقلب الحاضن واعترفوا لبعضهم بحب نضج في نار الثورة والحراك لأجل مطالب الناس المحقة بالحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية والحياة الأفضل، وكيف احتضنت حبيبته هبة والدة محمد في فترة اعتقالهم كلهم وكيف توج هذا الحب بالزواج بعد خروجهم من المعتقل وانجبوا طفلهم الحفيد فهد الذي حمل اسم جده الشهيد .

تستمر معاناة محمد ووالده وأخويه مؤمن ومجد داخل المعتقل ٢١٥ السيئ. وتمر الايام وتزداد الخوف من ان ينساهم النظام رغم وعدهم بأنه سيطلق سراحهم. يتعايشون مع المرض والتعذيب والموت المتناثر حولهم واستباحتهم وكأنهم  ليسوا بشرا. عايشوا ذلك الى درجة اليأس من خروجهم والخوف من مرضهم وموتهم اسوة بالاخرين. حيث مرض الأب جسديا وبعده محمد مرض نفسيا، خافوا أن يؤدي بهم الى الموت او الجنون.

حصل تطور نوعي بعد ذلك ، فقد طلبوا الأب وأخرجوه ولم يعرفوا مصيره. احد الشاويشية المتنفذ التابع لادارة المعتقل قال قد يكون قتل بابرة الهواء التي تميت فورا او ان يكون أفرج عنه. وتبين أنهم قتلوه بعد ذلك. وبعد ذلك تم إخراج محمد ومؤمن ومجد الى محكمة صورية حكمت عليهم بالبراءة وخرجوا من السجن بعد مضي حوالي السنة على اعتقالهم. لكنهم خرجوا دون والدهم الذي اخبروهم ان مات بالجلطة واعطوهم أوراقه الثبوتية.

عندما خرجوا من المعتقل وقد تأكدوا من موت الاب والابن حسن. قرروا ان يتركوا سوريا و غادروا الى تركيا .

عاشوا بالغربة أحد عشر عاما. وعندما انتصرت الثورة وسقط النظام المستبد المجرم. قرر محمد أن يكتب ما عاشه وفعله هو وعائلته ومن كان معه في الثورة السورية. فكان هذا الكتاب : ليسوا ارقاما.

في التعقيب على الرواية -السيرة اقول :

 رحم الله شهداء الثورة السورية الذين يزيدون عن المليون والمغيبين والمفقودين بمئات الآلاف الذين لم يكونوا مجرد أرقام كما قال محمد بلال بحق . لقد عرفنا حياة حسن ووالده فهد الشهيدين من ابناء الثورة السورية وغيرهم ذكروا بالرواية بأعداد لا تزيد عن العشرات. ان كل فرد منهم كونا كاملا. انه ذات خلقها الله لها حق العيش والعمل والتعلم والكرامة والزواج والإنجاب والعيش الكريم، لها حق أن تأخذ فرصتها بالوجود وتصنع مستقبلها ومجدها. وليس أن تكون ضحية رصاصة قاتل من كلاب النظام. أو الموت  تحت التعذيب في معتقلاته. أو تحت الردم ميتا جراء القصف، او ميتا غرقا في البحار هربا من موت محقق عند النظام إلى موت محتمل في البحر…

نعم ليسوا ارقاما كل منهم كون خلقه الله ولا حق لأي كائن أن يسلبهم ارواحهم الا من خلقهم وهو الله عز وجل.

كذلك للرواية – السيرة قيمة تاريخية توثيقية فهي توثق دور الدمشقيين في سنوات الثورة الاولى تجار وطلاب وشباب وثائرين بكل المعايير. فقد قرأت شهادات عن جوبر وداريا وحمص وحلب .. الخ. وهاهي رواية محمد بلال توثق لدور الدمشقيين في ثورتنا السورية الرائعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى