برلين- دمشق.. عبور مالي نحو خارطة جيوسياسية جديدة

  فادية سمير

لم يكن إعلان حاكم مصرف سوريا المركزي عن تطبيع العلاقات مع البنك المركزي الألماني مجرد إجراء بروتوكولي أو اتفاق فني بين مؤسستين نقديتين، بل هو في جوهره إعلان رسمي عن طي صفحة العزلة المالية الدولية وبداية عهد جديد من التوازنات الاستراتيجية في منطقة شرق المتوسط.

فهذه الخطوة، التي تأتي في توقيت دقيق من مسار التحول السياسي السوري لعام 2026، تمثل “الاختراق الأكبر” للجمود الاقتصادي، حيث وضعت سوريا قدمها الأولى على السكة الرسمية للنظام المصرفي العالمي عبر البوابة الأكثر موثوقية في أوروبا.

اتفاقية التطبيع المصرفي

فقد أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، يوم الثلاثاء 28 أبريل/نيسان 2026، عن خطوة استراتيجية في مسار الانفتاح الاقتصادي السوري، تمثلت في التوصل إلى اتفاق رسمي مع البنك المركزي الألماني لبدء تطبيع العلاقات المصرفية بين الجانبين. ويتضمن هذا الاتفاق الشروع الفوري في الإجراءات الفنية والنموذجية لفتح حساب للمصرف المركزي السوري لدى البنك المركزي الألماني، مما يمهد الطريق لاستعادة قنوات التواصل المالي المباشر مع واحدة من أهم المنظومات المصرفية في أوروبا والعالم. تكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية كونها تمثل اختراقاً دبلوماسياً واقتصادياً كبيراً في إطار التحولات السياسية التي تشهدها سوريا منذ عام 2025، حيث سيسهم فتح الحساب في تسهيل التحويلات المالية الدولية وتنشيط حركة التجارة الخارجية. ومن المتوقع أن تنعكس آثار هذا التطبيع المصرفي بشكل مباشر على استقرار الليرة السورية وخفض تكاليف الاستيراد، فضلاً عن توفير بيئة أكثر أماناً وشفافية لتدفق استثمارات السوريين المغتربين والشركات الدولية الراغبة في المشاركة بمشاريع إعادة الإعمار. وعلى هذا فقد أكد الحصرية أن هذا التطور جاء نتيجة لسلسلة من المباحثات الفنية التي ركزت على استيفاء المعايير الدولية للامتثال والشفافية المالية، مشيراً إلى أن المصرف المركزي السوري يعمل حالياً على ترتيبات مماثلة مع بنوك مركزية أخرى في دول الاتحاد الأوروبي. ويُعد هذا الاتفاق مع البنك المركزي الألماني بمنزلة “شهادة ثقة” دولية في النظام المصرفي السوري الجديد، وركيزة أساسية لدعم “صندوق التنمية السوري” في إدارة الموارد والتمويلات الخارجية اللازمة لتنفيذ المشاريع الخدمية والتنموية الكبرى في البلاد.

إن وجود علاقة مصرفية مع البنك الألماني يسهل على التجار والمستوردين السوريين فتح الاعتمادات المستندية وضمان وصول المدفوعات للموردين الدوليين بسلاسة.

أهمية التحول المصرفي الاستراتيجي

ومن الناحية الاقتصادية تمثل هذه الخطورة – الاتفاق السوري مع البنك المركزي الألماني – أهمية كبيرة لسوريا لأنها ستساعد على كسر العزلة المالية التي عانت منها سوريا لسنوات طويلة، إذ تفتقر الدولة في مرحلة ما بعد التحول السياسي إلى قنوات اتصال مباشرة ومعترف بها مع النظام المصرفي العالمي. إن فتح حساب للمركزي السوري في ألمانيا، التي تعد المحرك الاقتصادي لأوروبا، يمنح الشرعية الدولية للتعاملات المالية السورية، ويسمح للمصرف المركزي بإدارة احتياطياته من العملات الأجنبية وتنفيذ عمليات المقاصة الدولية بعيداً عن الطرق الالتفافية المعقدة والمرتفعة التكاليف التي كانت تُستخدم سابقاً.هذا بالإضافة إلي أن هذا الاتفاق ركيزة أساسية لتسهيل عمليات التجارة الخارجية وتأمين السلع الاستراتيجية، إذ إن وجود علاقة مصرفية مع البنك الألماني يسهل على التجار والمستوردين السوريين فتح الاعتمادات المستندية وضمان وصول المدفوعات للموردين الدوليين بسلاسة. هذا الأمر لا يسهم فقط في خفض أسعار السلع الأساسية داخل السوق المحلية نتيجة لتقليل تكاليف الشحن والتأمين والوساطة المالية، بل يساعد أيضاً في استقرار سعر صرف الليرة السورية من خلال ربطها بقنوات نقدية رسمية ومنظمة تخضع للمعايير الدولية للإفصاح والشفافية. كما أن هناك نقطة شديدة الأهمية هي يرتبط هذا التحرك المصرفي بشكل وثيق بملف إعادة الإعمار وتدفق الاستثمارات، حيث يحتاج “صندوق التنمية السوري” والمشاريع التنموية الكبرى إلى آلية آمنة لاستقبال التحويلات المالية الضخمة من المغتربين والمنظمات الدولية والدول المانحة. فمن دون وجود حسابات في بنوك مركزية عريقة مثل البنك الألماني، تظل الأموال العابرة للحدود عرضة للتأخير أو الحظر، ولذلك فإن هذا الاتفاق يفتح “بوابة مالية” آمنة تضمن تدفق رؤوس الأموال اللازمة لترميم البنية التحتية وتحفيز النمو الاقتصادي في البلاد وفقاً للمعايير العالمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

إذا كانت برلين ترى في هذا التقارب المصرفي بوابتها الاستراتيجية نحو السوق السورية، فإن المسؤولية تقع على عاتق الجانب السوري لاستثمار هذا الانفتاح بأقصى طاقة ممكنة.

ألمانيا وشراكة المصالح الكبرى

خلف الستار المصرفي لاتفاق دمشق وبرلين، تبرز قراءتان متباينتان؛ ففي حين تضعه سوريا في إطار الانفتاح الدبلوماسي الشامل، تقرأه ألمانيا كفرصة تاريخية لتثبيت نفوذ شركاتها الكبرى في واحدة من أكثر الأسواق نمواً في الشرق الأوسط. إن هذا التوجه الألماني يهدف بالدرجة الأولى إلى حجز مقعد ريادي في مشاريع إعادة الإعمار، مما يجعل من تطبيع العلاقات المالية مقدمةً لتدفق رؤوس الأموال والخبرات الألمانية

إلى الداخل السوري. إن تطبيع العلاقات المصرفية يمنح الشركات الألمانية الرائدة في مجالات الطاقة، والإنشاءات، والتقنيات البيئية ميزة تنافسية كبرى، حيث يوفر لها ضمانات مالية وقنوات دفع رسمية وآمنة، مما يحولها من مجرد مراقب للتحولات في الشرق الأوسط إلى شريك أساسي في بناء البنية التحتية السورية، وهو ما ينعكس بالإيجاب على نمو الصادرات الألمانية وخلق فرص عمل جديدة داخل ألمانيا. ومن ناحية أخري تنظر ألمانيا إلى هذا الاستقرار المالي في سوريا كأداة فعالة لتحقيق أهدافها السياسية والاجتماعية المتعلقة بملف الهجرة واللجوء. فمن خلال دعم الاقتصاد السوري عبر القنوات الرسمية وتسهيل تدفق الاستثمارات، تسهم ألمانيا في خلق بيئة معيشية مستقرة داخل سوريا تشجع على العودة الطوعية للاجئين السوريين المقيمين على أراضيها، والذين يمتلك كثير منهم خبرات ومهارات اكتسبوها في ألمانيا. هذا المسار يقلل من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة باللجوء في الداخل الألماني، ويحول الجالية السورية في أوروبا إلى جسر اقتصادي وثقافي يخدم مصالح البلدين. كما أن هذا الاتفاق ربما يعزز من دور ألمانيا كلاعب سياسي ومصرفي محوري في صياغة مستقبل منطقة شرق المتوسط، بعيداً عن الهيمنة التقليدية لبعض القوى الأخرى. فمن خلال كون البنك المركزي الألماني هو “البوابة الأوروبية” الأولى للمركزي السوري، تضمن برلين الإشراف المباشر على معايير الشفافية ومكافحة غسل الأموال في التدفقات المالية الضخمة المتوقعة. هذا الدور الرقابي والريادي يمنح برلين قدرة أكبر على توجيه السياسات الاقتصادية الإقليمية بما يتوافق مع المعايير الأوروبية، ويضمن أن تكون شريكاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات سياسية أو اقتصادية مستقبلية في المنطقة.

فإذا كانت برلين ترى في هذا التقارب المصرفي بوابتها الاستراتيجية نحو السوق السورية، فإن المسؤولية تقع على عاتق الجانب السوري لاستثمار هذا الانفتاح بأقصى طاقة ممكنة، عبر توسيع آفاق التعاون لتتجاوز الأرقام والحسابات البنكية وصولاً إلى القطاعات العلمية والثقافية والمهنية. إن الروابط التاريخية العميقة التي تجمع البلدين، وبالتحديد في مجالات البحث الأثري العريق والتبادل الأكاديمي، توفر أرضية صلبة للبناء عليها في المرحلة المقبلة، بما يضمن تحويل الاستقرار المالي والسياسي الراهن إلى برامج تنموية ملموسة تعيد إحياء البعثات العلمية وتنشط حركة البحث المشترك.

وأخيراً، يثبت هذا الاتفاق مع ألمانيا أن تحسين الوضع المعيشي والاقتصادي هو المفتاح الحقيقي لعودة سوريا إلى مكانتها الطبيعية بين دول العالم. ما بدأ كإجراء بنكي بسيط لفتح حسابات ومبادلات مالية، أصبح اليوم بمنزلة “شهادة ثقة” دولية في قدرة سوريا على إدارة أموالها ومشاريعها بكل شفافية واحترافية. لكن المقياس الحقيقي لنجاح هذا الاتفاق لن يكون فقط في الأوراق والبيانات، بل في رؤية نتائج ملموسة على أرض الواقع؛ مثل استقرار الأسعار وتوفر السلع، ونجاح “صندوق التنمية السوري” في تنفيذ مشاريع خدمية تخدم الناس بشكل مباشر وتعيد الحياة للمدن السورية.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى