
قررنا أنا وزوجتي أن نعمل فحصًا للدم، فقد اعتدنا على هذا الفعل منذ وصولنا إلى ألمانيا. ذهبنا إلى المركز الصحّيّ القريب، أُخذت عينات الدم وأُعطينا موعدًا يوم الجمعة تظهر نتيجة التحليل.
صباح يوم الجمعة رغم البرد الشديد والجليد الأسود الذي يغطّي شوارع المدينة منذ عدّة أيّام، استفلينا سيارتنا إلى المركز، وأنا أجاكر زوجتي: سترين نتيجتي مثل كلّ مرّة، أنا صحّتي حديد وأصلح للالتحاق بالجيش كما قال لي طبيبنا السابق عندما رأى نتيجتي، بينما أنتِ؛ سكّر دم مرتفع، ضغط دم عالٍ، كوليسترول ينافس صاحبيه الضغط والسكّر على التربّع على عرش أمراضك. جلسنا عند طبيبتنا التي تشاهد التحاليل بوجه بارد لا يبشّر بخير، ثم طلبت منّي أن تقيس ضغط دمي. النتيجة صادمة، ضغطك مرتفع جدّا، وسكّر دمك أيضا فوق النسبة المسموحة ، هات يدك الأخرى، استرخِ، بدأت ضغط مضخّة مقياس الضغط بف بف بف ، ثم ففففففف وأيضا النتيجة نفسها.
أراقب زوجتي من بعيد، وأنا أقول في سرّي ليتني لم أسمح لها بالدخول معي.
توجّهت إليّ الطبيبة بتعليمات ومعلومات عن خطورة ضغط الدم وآثاره، ثم تناولت وصفة وكتبت دواء للضغط وتعليمات استعماله ونصائح عن الأطعمة المسموحة والممنوعة، وأنا غير مصدّق.
أخذنا الدواء وعدنا إلى البيت، بدأت زوجتي تنتقم منّي بتعليمات صارمة عن الطعام وما عليّ أن أتناوله ونسب الكيربوهيدرات، والسكّر، والملح في كل نوع طعام، وذلك نتيجة خبرتها بعد إصابتها بمرض السكّري قبل عدّة سنوات
وأنا أهزّ برأسي، أمرك، حاضر، تمام.
الأيّام تتوالى، وطعامي باهت، وشرابي مرّ كأيّام القهر، لا دسم، لا سكّريّات،
والأدهى والأصعب الذي لا أستطيع تحمّله، القهوة، حيث لا قهوة بعد اليوم، وأنا الذي اعتدت صباح كلّ يوم على غلي ركوة قهوة خليجية بلون ذهبي يشعشع مع كلّ فنجان تصاحبه عدّة تمرات تعدّل المزاج، وترفع هرمون السعادة عندي، ترافقني طوال اليوم، كلّما بردت أعدت تسخينها، والتلذذ بفنجان منها.
أحسست أنّي بدونها كمن فقد صديق عزيز، وخلّ وفي.
جلسنا هذا الصباح على المائدة نتناول طعام الإفطار، لزوجتي ولي طعام الحمية المعتاد، ولابنتي طعام مختلف
حيث تضع زبدة على قطعة محمّصة من خبز التوست الشهي ثم تدهنها بمربّى المشمش، وتتناولها على مهل، وأنا أتابع، ولعابي يسيل على قضمه من هذا النوع.
استغليت غياب زوجتي في المطبخ ، طلبت من ابنتي أن تحضر لي ماء،
وسنحت لي الفرصة الذهبية وأنا أنظر إلى ذلك القطرميز الذي يحوي سائلا كثيفا لزجا لونه الذهبي يشعّ كمصباح، وقطع المشمش داخله كخد فتاة باريسية مدلّلة، أسرعت إليه وفتحت غطاءه على عجل، وجمعت ثلاثة من أصابعي، وغرفت بهما كميّة من ذلك السائل اللزج، وبسرعة أدخلتهم بفمي، وحققت حلمي، وأعدت الغطاء، وكأنّ شيئا لم يحدث، وبدأت بلحس أصابعي والتلذذ بحلاوة ما لصق بهم.
عادت زوجتي وابنتي من المطبخ، نظرت زوجتي إليّ باستغراب، وتخوصرت أمامي وهي تقول: شنهو هذا؟ قلت: لا شيء ، قالت؛ انظر إلى قميصك
نظرت وإذا مجموعة نقاط من المربّى استقرت على القميص متربّعة تزحف نحو الأسفل، ترسم خطوطا وخرائط ودلائل عليه، وأخريات استقرت على لحيتي تحت فمي، من سرعتي ولهفتي لم أشعر بها أنها ستفضحني.
وبدأت زوجتي باللوم، والتقريع، ثم تناولت القطرميز وخبطته، فسال المربّى يشكّل مستنقعا ذهبيا على الأرض.
ضحكت وقلت، الحمدالله!
قالت ابنتي باستغراب: وتقول الحمدالله!
قلت: الحمدالله أنّ رأسي لم يكن الهدف، وإلّا اختلط الدّم بالمشمش، وأصبحت شهيد المربّى






