
اعتاد الرئيس السابق والشخصية العربية البارزة منصف المرزوقي أن يكرر في كل مناسبة أن أسباب انتكاسة الثورة التونسية تكمن في عدم تطهيرها لأعدائها بعد انتصارها، هؤلاء الأعداء الذين استطاعوا الافلات من المحاسبة ضمن تطبيق رخو لفكرة العدالة الانتقالية ثم انقضوا على الثورة بدعم خارجي.
هذه السردية تفتقر للاعتراف بأهم سبب لانتكاسة الثورة التونسية وفق رأيي الشخصي وهو الفشل الاقتصادي.
فالثورة التونسية انتكست ليس عبر انقلاب عسكري ولكن بعد أن أسقطها صندوق الاقتراع في انتخابات لا يمكن القول إنها لم تعكس تحولا حاسما في الرأي العام التونسي تجاه العهد الجديد .
هذا التحول رغم تعدد مصادره لكن مصدرا رئيسيا في صنعه يعود للفشل الاقتصادي , حين لمس الشعب التونسي أن وضعه البائس الذي دفعه للثورة لم يتحسن بل ازداد سوءا وصار الناس يترحمون على أيام زين العابدين .
بعد أن يتحرر الناس من ظلم الديكتاتورية والطغيان يصبح همهم هو تحسين وضعهم المعيشي ويصبح نجاح الحكم أو فشله مرتبط بالوضع المعيشي والاقتصادي بصفته العامل الذي يحدد بوصلة الرأي العام .
انطبق ذلك على تونس وهو ينطبق على سورية بدرجة أكبر، فالوضع المعيشي للشعب السوري صعب للغاية , والناس في غالبيتها العظمى تعيش على حد السيف ولولا ما يرسله السوريون العاملون في الخليج والدول الأخرى لعوائلهم لما استطاعت نسبة كبيرة من السوريين تدبير مايسد رمقهم .
ثمة أخطاء كثيرة وقع فيها العهد الجديد مقابل إنجازات كبيرة لايمكن نكرانها أهمها رفع العقوبات عن الدولة السورية وإعادة تموضع سورية ضمن بيئتها العربية والاقليمية والدولية بصورة ممتازة تفتح أمامها آفاق النهوض .
وأخيرا تحرير الجزيرة السورية وبسط سلطة الدولة عليها وبطريقة تداخل فيها الحل السياسي مع الحل العسكري بأقل كلفة من المواجهات والخسائر .
مع ذلك فما نشهده هو تصاعد التذمر من الطريقة التي يدار بها ملف الأوضاع الداخلية .
كان يمكن للشعب السوري تحمل كل الأخطاء كما فعل وكما مايزال يفعل حتى الآن , لكن ماجرى خلال الأشهر الأخيرة في الوضع المعيشي والاقتصادي كان كارثيا .
رفع أسعار الكهرباء بطريقة مرعبة بالنسبة لدخل المواطن كان صدمة كبيرة , والأكبر منها شعور الناس أن حكومتهم منفصلة تماما عن واقعهم المعيشي , ومنفصلة أيضا عن أصواتهم التي شقت عنان السماء بالشكوى والصراخ دون أن تصل لسمع الحكومة أو تحدث أي أثر .
كان حال الشعب السوري كحال من يعيش على حافة هاوية الجوع فجاءت فاتورة الكهرباء لتدفعه للأسفل دون رحمة .
ومن كرة الثلج هذه بدأت تتجمع حولها كل الأخطاء التي كان الناس يرونها ويغضون النظر عنها عندما يتذكرون العهد البغيض السابق وإجرامه . فالخلاص منه كان دائما يبعث فيهم الأمل ويمنحهم الصبر والثقة بدولتهم .
هل ستستيقظ الحكومة على أصوات الأجراس التي تقرع لها من قبل حاضنتها الشعبية أم ماذا تنتظر ؟






