ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي في سوريا.. مدلوله الديني والسياسي والاجتماعي

عبد المجيد عرفة

سيكون يوم الإثنين الواقع في 16 شباط 2026 من الأيام المهمة التي مرت على سوريا في العهد الجديد، بعد مضي أكثر من عام على انتصار ثورتها.
إنه اليوم الذي تم فيه إعلان ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي في سوريا، والمقصود بالتحديد خطاب أهل السنة بمذاهبهم الأربعة: الشافعية والحنابلة والمالكية والحنفية. وهذا سيكون تقنينًا وضبطًا لهذا الخطاب والسلوك وفق مرجعية هذا التوافق والاتفاق الذي يجمع معظم العلماء والدعاة السنة في سوريا.
الخطاب الإسلامي لأهل السنة والجماعة قبل الميثاق
لقد كان باب الاجتهاد في مواجهة متغيرات الحياة السياسية والدينية والاجتماعية لدى أهل السنة في سوريا وحتى في العالم الإسلامي مفتوحًا على الاختلاف والتنوع، والتناقض أحيانًا إلى درجة كبيرة.
لقد ظهر هذا الخطاب في المواقف السياسية من نظام الحكم البائد في سوريا بتنوع يصل إلى درجة التناقض، حيث وُجد من قال بتكفير نظام الحكم السوري منذ استلام البعث حتى سقوط النظام واعتباره حكمًا غير إسلامي ومعاديًا للإسلام أيضًا.
لقد قال بذلك حزب الإخوان المسلمين – الطليعة المقاتلة، التي أعلنت الحرب على النظام من منظور ديني منذ سبعينيات القرن الماضي، وحصل صراع بين الطليعة الإسلامية والنظام البعثي، وأسفر عن مجازر ارتكبها النظام البعثي في عموم سوريا، أهمها مجزرة حماة التي سقط فيها الآلاف من الضحايا.
وكذلك حزب التحرير الإسلامي الذي يعتبر كل من لا يأخذ برؤيته بالحكم بأنه غير مسلم ويكفّره، ويعمل لإسقاطه وإقامة الخلافة الإسلامية كما يراها.
وإذا أردنا التوسع في التاريخ القريب، سنرى أن الدعوة للإسلام وإعادة الحكم به، وحتى أن يكون المنطلق لمحاربة المستعمر وقتاله، كان أمرًا واقعًا دائمًا:
في أفغانستان قاتل المسلمون من كل العالم النظام الشيوعي هناك. وبعد ذلك ولدت منظمة قاعدة الجهاد الإسلامي – القاعدة، وحاربت أميركا مطلع الألفية الثانية. ثم انتقلت لتحارب الأميركيين في العراق إبان احتلالها بدءًا من عام 2003م. وكيف توالد تنظيم الدولة الإسلامية داعش في العراق، الذي حاول التمدد في سوريا إبّان الثورة السورية، وكان الأكثر تطرفًا وعنفًا وإرهابًا.
لن ننسى أن كثيراً من فصائل الثورة السورية رفعت شعار “الإسلام هوية سياسية ودينية” في مواجهة النظام البعثي البائد. ومنهم جبهة النصرة التي أصبحت هيئة تحرير الشام، وحركة أحرار الشام، الذين كانوا مع بعضهم العمود الفقري للثوار المقاتلين الذين أسهموا بتحرير سوريا وإسقاط نظام الأسد الابن في سوريا قبل عام. وانتصرت الثورة السورية، وأصبح قائد التحرير السيد أحمد الشرع رئيسًا للدولة السورية الحالية التي رعت ولادة هذا الميثاق.
وكان هناك الخطاب الإسلامي الموالي للنظام البعثي البائد، الذي يمثل كل ما يريد النظام في جميع القضايا، وأهمها السياسي. ولقبهم فقهاء السلطان، ونموذجهم في سوريا الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، الذي كان مواليًا للنظام البائد بحيث كانت له فتواه بتكفير الإخوان المسلمين في أحداث الثمانينيات، وإعطاء المبرر الشرعي للنظام البائد – كما يراه – لأجل اعتقالهم وقتلهم. وكان له ذات الموقف ضد ثورة الشعب السوري التي قامت في ربيع 2011م، واستمر على موقفه حتى قتله النظام البائد مستفيدًا من مقتله، كما استفاد من فتاويه.
بين الحدين بأقصاها – المنخرط بالسياسة ضد الأنظمة أو التابع لها – تواجد الكثير من رجال الدين السنة يقفون على الحياد سياسيًا تحت دعوى مهادنة الحاكم – أيا يكن – للحفاظ على الدين، وذلك من خلال استمرار دروسهم الدينية في المعاهد والجوامع التي تُركت إدارتها لهم. حصل توافق بينهم وبين السلطة على معرفة حدود كل طرف ومصالحه، بحيث تحفظ مصالح الطرفين.
لقد استطاع النظام البعثي البائد أن يضبط معظم الدعاة والمشايخ السنة لعقود، بالترغيب والترهيب. حتى جاءت ثورة السوريين ربيع عام 2011م، ودفعت كثيراً من رجال الدين إلى إعلان دفاعهم عن الدم السوري المستباح والشعب السوري المظلوم، وواجهوا السلطة السورية بكلمة حق، كان ثمنها أحيانًا الاعتقال والقتل.
الشيخ المرحوم سارية الرفاعي، الذي توفي في ديار اللجوء في إسطنبول 2025م، وأخوه مفتي الجمهورية العربية السورية الآن الشيخ أسامة الرفاعي، نموذجان عن أولئك المشايخ الذين انتموا للشعب السوري وحقوقه، ودفعوا الثمن الغالي لأجل ذلك.
إن أهم النتائج الدينية المنعكسة على خطاب أهل السنة والجماعة، هو ضبط هذا الخطاب وفق هذا الميثاق، وتحول الدعاة والمشايخ إلى هيئة مسؤولة تنتج المواقف الاجتهادية الدينية المستجدة..
النتائج العملية الدينية والاجتماعية والسياسية لميثاق وحدة الخطاب الإسلامي
النتائج الدينية:
إن أهم النتائج الدينية المنعكسة على خطاب أهل السنة والجماعة، هو ضبط هذا الخطاب وفق هذا الميثاق، وتحول الدعاة والمشايخ إلى هيئة مسؤولة تنتج المواقف الاجتهادية الدينية المستجدة في أي مسألة دينية تحتاج إلى رأي أو حكم. وكذلك تقنين الفتوى عبر رجالاتها فقط، ومن دون أي تطرف أو تهاون، وأن يكون الموقف الديني والفقهي في كل المستجدات مضبوطًا أصولًا في الهيئة المنوط بها ذلك، بحيث تنتهي حالة التناقض والاختلاف الصراعي أحيانًا بين الفتاوى والمفتين أيضًا.
والأهم كذلك هو ربط هذه الفتاوى والاجتهادات بكونها ملتزمة أمام الشعب السوري والدولة، وأن تضمن الحفاظ على الوحدة الوطنية والمجتمعية، والحفاظ على السلام الاجتماعي، والحث على الوحدة المجتمعية لبناء الحياة الأفضل لكل الشعب السوري بتنوعه.
النتائج الاجتماعية:
إن أهمية ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي تأتي من كونه جاء ليضبط الموقف الديني والفقهي لأهل السنة والجماعة، الذين يمثلون الأغلبية العددية في سوريا المتعددة والمتنوعة، فيها المسلمون بتنوعهم والمسيحيون بتنوعهم أيضًا.
المسلمون من أهل السنة والشيعة الإثني عشرية، والإسماعيلية، والدروز، والعلويين، وغير الدينيين والعلمانيين، وكذلك العرب والتركمان والكرد والأرمن والسريان بتنوعهم العرقي والعقدي والديني، كل هؤلاء مضبوطون وفق قاعدة المواطنة المتساوية في سوريا الواحدة الموحدة.
لم يعد هناك أي مجال لحصول أي موقف من أي هيئة دينية أو اجتماعية أو سياسية خارج وحدة الدولة والمجتمع والحفاظ عليهم.
النتائج السياسية:
لعل النتائج السياسية لميثاق وحدة الخطاب الإسلامي هي رفع الغطاء عن أي حزب يطرح بناء دولة الإسلام (“خلافة أو حكم أو سلطة الشرع”) كما تطرح كثير من التحزبات والتنظيمات الإسلامية. ولعل هذا الطرح عنى القطيعة المرسخة بالسلوك بين السلطة السياسية الجديدة في سوريا وبين ماضيها الإسلامي الجهادي وطروحاته الفكرية الأصولية على نهج السلفية الجهادية والقاعدة، وتجاوز ذلك الطرح بشكل شبه مطلق.
كما أعاد الميثاق الإسلام ليكون الهوية الجماعية للمسلمين ومرجعيته الثقافية والحضارية والإنسانية، وأن يكون بذلك الحاضن الحامي للبنية المجتمعية عمومًا من الغلو أو التسيب.
سيكون لميثاق وحدة الخطاب الإسلامي دور بارز في الدفع بالانتقال بسوريا المتعددة والمتنوعة دينيا ومذهبيا وعرقيا ومن كل الاتجاهات العقائدية، إلى الدولة الديمقراطية المحكومة بالدستور.
الخاتمة
في الختام، سيكون لميثاق وحدة الخطاب الإسلامي دور بارز في الدفع بالانتقال بسوريا المتعددة والمتنوعة دينيا ومذهبيا وعرقيا ومن كل الاتجاهات العقائدية، إلى الدولة الديمقراطية المحكومة بالدستور المتوافق عليه والقانون الناظم لحياة جمع الشعب السوري، والإسراع في الإعلان عن المجلس التشريعي الذي تأخر حتى يكتمل بأعضائه بعد استعادة الشمال الشرقي السوري من سيطرة قسد إلى بنية الدولة السورية الواحدة، وكذلك استقلالية القضاء العادل.
وربما سنكون على موعد قريب بالسماح بإعلان إنشاء التنظيمات السياسية التي تنطلق من المواطنة والمصلحة الاجتماعية، وتعمل لبناء المستقبل الأفضل لكل السوريين.
عندها سنكون كسوريين في مأمن، بأننا ننتقل إلى دولة المواطنة والحرية والعدالة والديمقراطية.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى