
الجدل السوداني المثار في شأن كُلف ترميم جسر الحلفاية واستئجار مقارّ وزارية، يعكس زوايا من قضية حضرية تتجاوز ترييف المدينة إلى ترييف الدولة. يزيدها نتانةً الاتجار بوقف. هذا سلوك جارح ضدّ العرف والقانون ورمز سيادة الدولة. هذه مراكمة تتجاوز الفهم المتداول لترييف المجتمع بكلّ حمولاته الاجتماعية المعقّدة. هي مقاربة تتخطّى فروقات التمدين بين البداوة والحضر، بتحاملها الطبقي المديني كلّه تجاه الريفيين، إلى بنية الدولة المتخلّفة. فترييف العاصمة ينتجه عقلُ الدولة صاحب سياسات الخراب. فإنْ صحّت المقولة “للحرب فوائد”، فلتكن إحداها تمدين الدولة وصولاً إلى حضرنة العاصمة. لا بدّ من عقلية متحرّرة من سلوكيات رجال الدولة السابقة الراسفة في التخلّف بغية بلوغ عاصمة حداثية. فلا ينبغي حصر الجدل في شأنهم داخل ثقافة الفساد فقط. يقيس الكاتب السوري الراحل محمّد شحرور الفارق بين القرية والمدينة بالبون بين القرار الأحادي والتفكير الجماعي، أي بين الاستبداد والديمقراطية. فالقمع يفرز ممارسات شوهاء، بينما تنتج الحرية سياسات معافاة. الهجرة من القرى إلى المدينة لم تكن خياراً ريفياً بقدر ما هي رحلة قسرية أملتها ضرورات حياتية بفعل سياسات الدولة الساذجة خارج إيقاع العصر.
***
يعزو علماء الاجتماع الحضري طوفان النزوح من القرى إلى المدن الكبرى إلى هزال عقل الدولة وإنتاجها. كما في حال السودان، يولّد هذا الداء المشحون بالارتجال والفساد والعنف تتابع موجات الطرد القسري من الريف المُفقَر إلى العاصمة والمدن الكبيرة. تلك ظاهرة عربية إذ تتحكّم الأنظمة الاستبدادية كما في القاهرة ودمشق. جميع النازحين يبحثون عن المتاح من خدمات التطبيب والتعليم وفرص العمل. ذلك الطوفان غير المنظّم أدّى إلى ترهّل العواصم اكتظاظاً بالسكّان. شبكات الخدمات الصدئة عجزت عن استيعاب الأمواج المتلاحقة من كل صوب. الخرطوم، مثل تلك العواصم، تسوّرتها أحزمة البؤس متعدّدة الأسماء كالعشش، ومدن الصفيح، والعشوائيات وبؤر الفقر. الدولة الهزيلة المنهكة المفتَرَسة من الباحثين عن الامتيازات والثراء تركت لهذا الطوفان البشري تدبير حياته. هكذا نهضت حواجز عازلة للاندماج بين القدامى والجُدد. هناك نبتت أسواق الظلّ ذات نشاطات تجارية خاصّة وأوكار للجريمة وأكداس للبطالة وبؤر للسخط الشعبي.
***
الخرطوم لم تفقد، مثل مثيلاتها إيقاعها الرشيق فقط، بل تسلّلت إليها سلوكيات البداوة ومظاهرها. أكثر ما يتبدّى ذلك في المظهر الخارجي منعكساً في الأزياء، ومحالّ الوجبات، وكيفية تقديمها وتناولها، وحلقات المشروبات الساخنة. الدولة لم تكن عاجزةً فقط عن احتواء ذلك التسلّل تحت هزالها حتى طغى على المظهر العام، فأزمة الدولة في رأسها نفسها إذ هي موبوءة بالتريف من الداخل. ربّما عبّر عن ذلك أحد رجال المراسم في القصر معروف بطُرَفه عند عتبة عهد الإنقاذ. هي طرفة تكتنز بشحم طبقي، لكنّها تفصح عن رؤية اجتماعية نافذة. فبعد تمكّن ضبّاط انقلاب الإنقاذ داخل القصر، قال الرجل الظريف: زمن نميري كنّا نعرف إلى من نشكو حينما نتظلّم من أحد أعضاء مجلس الثورة، لكن مع البشير لا ندري إلى أين نذهب. بالفعل ليس تحاملاً، فقد صعد هرم السلطة نفرٌ ليسوا على دراية بقدرات مقام رجل الدولة أو عليهم سمت من الوهج الاجتماعي المعاصر. لذلك جاء ما أسموه بـ”المشروع الحضاري” معاكساً تماماً لقبس الحضارة ومتخلّفاً عن إيقاع العصر. بثور التخلّف الاجتماعي على الطرقات وداخل المؤسّسات انتشرت في أمكنة منصّات الترويح والثقافة والتنوير، وما زاد الأزمة استفحالاً تفشّي ثقافة الفساد تحت قمع لا سقف له وبلا قاع.
يفرز القمع ممارسات شوهاء، بينما تنتج الحرية سياسات معافاة
***
تحت هذه الأحمال كلّها من التخلّف ومطرقات الأزمات اهترأ معدن الطبقة الوسطى داخل العاصمة ومظهرها؛ هي القوى الفاعلة في المدائن وقاطرة الحياة الاجتماعية. لذلك تضافر البؤس مع سلوكيات الريف لتغلب الرثاثة على العاصمة. كذلك تعدّدت بؤر السخط من عمق المدينة وأحزمتها، ما أدّى إلى الانفجار المباغت على نحو استعصى على ماكينة القمع احتواؤه. تلك التعقيدات المركّبة كلّها أسهمت في اشتعال الحرب الكارثية. هي نتيجة تلقائية لترييف عقلية الدولة البائسة الفاسدة واستشراء سلوكيات الريف. كلاهما (ترييف الدولة وسلوكيات الريف الغالبة) تحالفا لتضييق مساحات التسامح على صعيد العمل العام بالتزامن مع تكثيف آليات العنف. ذلك ما حذّر منه مبكّراً المفكّر الراحل عبد الخالق محجوب وسمّاه “عنف البادية”؛ المدينة فضاء مفتوح يستقبل القادمين بلا تمييز. غالبية مدننا لم تهضم موجات النازحين إليها، إذ احتفظت كلّ مجموعة بشرية بعصبيتها الريفية. الأحياء السكنية اتخذت أسماءً قبليةً مثل “فريق الجعليين”، و”فريق الشايقية”، و”فريق الجلابة” في كثير من المدن السودانية. هذه النمطية العصبية الريفية طاولت مغتربين في بعض المنافي.
***
ثمة فوارق بين سلوكيات الريف وأخلاقيات القرية. الثانية تفصح مديحاً عن إرث نسجه مجتمع الرعي والزراعة. هو إرث أقرب إلى الفطرة، قوامه المروءة، والشهامة، والصدق والتكافل. أمّا سلوكيات الريف، فهي العجز عن الاندماج داخل أطر مجتمع المدينة المنضبط. هو مجتمع يشكّل أطرَه بالوعي المكتسَب والرغبة في ملاحقة العصر. ربّما كان الرئيس المصري الراحل أنور السادات أشهر القادة العرب المنادين بالعودة إلى أخلاقيات القرية، لكنّه في الواقع ركن إلى ذلك هرباً من مواجهة حقيقتَين: الأولى تمسّك أهل الريف بالصدق مغالبة لواقع خارجي يفتقد مقوّمات العصر نتيجة عجز الدولة. الثانية رحيل ريفيين للعيش في واقع أحطّ من قراهم على هامش القاهرة. هو حال السودانيين كذلك؛ دمّرت الحرب الخرطوم حتى عادت قريةً مشوّهةً خاليةً من مظاهر العاصمة ومن أخلاقيات القرية. لكن الرجال القابضين على السلطة لا يزالون يتوغّلون في ترييف الدولة لأنّهم أسرى عقلية ريفية موبوءة بالتخلّف والفساد. فالجدل حول الجسر والمقارّ الوزارية والتعدّي على المقنّن والمألوف يعرّيان ملمحاً من بؤس عقلية قيادة الدولة وتمكّن الترييف منها.
المصدر: العربي الجديد






