” الخطة الجهنمية “

مهند أبو فلاح


‏في صبيحة الثالث والعشرين من شباط فبراير من العام 1966 اي قبل ستين عاما بالتمام والكمال استيقظت سورية العروبة على الانقلاب العسكري الدموي الوحيد في تاريخها المعاصر، حيث اقدمت زمرة مجرمة يقودها حافظ اسد على شن عدوان غاشم ضد القيادة الشرعية للقطر العربي السوري على إثر صراع مرير جرى داخل صفوف حزب البعث وامتد لفترة من الزمن بين قيادته القومية التاريخية وما سميت باللجنة العسكرية.
‏الصراع بين القيادة القومية واللجنة العسكرية برز للعيان بشكل واضح جلي في ١٩ كانون اول ديسمبر من العام ١٩٦٥ حينما وجه مؤسس حزب البعث الاستاذ أحمد ميشيل عفلق اصابع الاتهام ضمنيا الى حافظ اسد بالخيانة متحدثا عن تسرب ايادي اجنبية الى داخل الحزب خلال اجتماع عاصف شهده مقر القيادة القومية في دمشق على خلفية زيارة قام بها حافظ قائد سلاح الطيران الى بريطانيا ودامت ٣ أشهر في صيف ذلك العام بعيد انتخابه عضوا في القيادة القومية في المؤتمر القومي الذي عقد في قطنا .
‏اتهامات الاستاذ عفلق الموجهة بالمقام الاول الى حافظ اسد تكررت في ١٨ كانون الثاني يناير من العام ١٩٦٦ اثناء اجتماع لفرع الاطراف عقد في دمشق الفيحاء وتحدث خلاله أشهر منظري الحركة القومية العربية عن خطة جهنمية لتشويه البعث وضرب كفاح الشعب العربي في مقتل عبر خلق سلطة حاكمة في سورية تنتحل هوية البعث زورا و بهتانا و تسيء الى هذا الحزب العريق الذي تأسس قبل ذلك التاريخ بربع قرن.
‏الخطة الجهنمية التي اعدتها الدوائر الاستعمارية المتصهينة المعادية للبعث يرجع تاريخها الى اربعينيات القرن الماضي و تحديدا الى شهر نيسان ابريل من ذلك العام الذي شهد جلاء القوات الفرنسية عن سورية ، و قد بوشر بها على اثر مذكرة شديدة اللهجة رفعها الاستاذ عفلق الى امين عام جامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام باشا يحتج فيها حزب البعث على المعاهدة الأردنية البريطانية ، معتبرا اياها عائقا امام تحرير فلسطين و منكرا لشرعية السلطات الأردنية  التي أبرمتها و داعيا الى مواصلة النضال ضد الاستعمار و عملائه مهيجا للراي العام العربي ضدها  .

‏الدوائر الاستعمارية الحاكمة في لندن لم تمر على ذلك مرور الكرام ورأت في البعث حجر عثرة في طريقها فسارعت الى تطوير خطة هجومية مضادة لتشويه هذا الحزب و تدميره عكف عليها عدد من كبار الخبراء المختصين في وزارة الخارجية البريطانية تقوم على اساس خلق جمهورية وراثية ديكتاتورية في سورية على غرار اول جمهورية وراثية في تاريخ العالم و التي انشأها اوليفر كرومويل في بريطانيا نفسها خلال النصف الثاني من القرن السابع العشر الميلادي .
‏‏الخبراء الانجليز استعانوا ايضا في هذا المجال بخبرات كبير الباحثين الصهاينة المختصين في شؤون الحركة القومية العربية الياهو بن ساسون رئيس القسم العربي في الوكالة اليهودية و الساعد الايمن لدايفيد بن جوريون رئيس الوكالة ذاتها و الذي سيصبح لاحقا اول رئيس وزراء للدويلة العبرية المسخ و تولى بن ساسون الاشراف على عملية التنسيق و الارتباط مع اجهزة الاستخبارات الخارجية البريطانية من موقعه كسفير للكيان الصهيوني في تركيا التي اتفق الطرفان ان تكون مركزا لذلك لقربها الجغرافي من سورية .
‏قام بن ساسون بإشراك السلطات الفرنسية في تلك العملية القذرة باعتبارها الجهة الاستعمارية التي كانت تحكم سورية على مدار عقود من الزمن و من اجل ذلك الغرض قام بزيارة سرية الى العاصمة الفرنسية باريس في حزيران يونيو من العام ١٩٤٨ على اثر الهدنة الاولى في حرب فلسطين ، و حصل هذا الصهيوني على اضبارات كاملة عن كبار الضباط السوريين المشاركين في حرب فلسطين و الذين خدموا من قبل في اجهزة السلطة الاستعمارية الفرنسية كحسني الزعيم و سامي الحناوي و اديب الشيشكلي و باشر الاعداد لاغراق سورية في حالة من عدم الاستقرار السياسي عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية الممولة من شركة نفط العراق البريطانية و شركة ارامكو الامريكية بعد تلطيخ سمعة نظام الكتلة الوطنية بزعامة شكري بيك القوتلي في الوحل عبر فضحية ارسال باخرة محملة بالسلاح الى ميناء حيفا الخاضع لسيطرة الصهاينة خلال حرب فلسطين و التي تورط فيها ابن شقيق فؤاد مردم بيك رئيس وزراء سورية آنذاك .
‏المؤامرة الصهيونية الامبريالية تضمنت العديد من المحاور كان من ابرزها ان يكون النظام الحاكم في دمشق باسم البعث محاكيا و مقلدا للنظام الحاكم في عمان من عدة جوانب فعلى سبيل الذكر لا الحصر تم اختيار حافظ اسد ليكون ورقة الجوكر نظرا لكونه طيارا عسكريا اسوة بالعاهل الاردني الراحل الملك حسين ناهيك عن الملابسات التي احاطت بسقوط الجولان بيد الصهاينة في العام ١٩٦٧ بعد الاحتلال الصهيوني الغاشم للضفة الغربية كذلك استعان حافظ اسد بشقيقه رفعت ليكون ساعدا ايمن و نائبا له لفترة زمنية طويلة قبل اقصائه عن الحكم و توريث نجل حافظ بشار الذي درس طب العيون في بريطانيا كما حدث سابقا في الاردن مع الامير حسن الذي نحي عن منصب ولي العهد قبل ان يعتلي الملك عبد الله الثاني الذي درس في ساند هيرست الحكم ، مع ملاحظة ان بشار الاسد تزوج من فتاة من الاغلبية السنية اسماء الاخرس ، فيما تزوج العاهل الاردني فتاة من اصول فلسطينية ( الملكة رانيا ) .
‏على اية حال فإن المؤامرة الصهيونية لتشويه البعث لم تقتصر على القطر السوري بل تعدتها الى القطر العراقي حيث عولت الدوائر الصهيونية و الامبريالية كثيرا على حردان التكريتي النسخة العراقية من حافظ اسد و الذي شغل ذات المناصب التي شغلها حافظ اسد في مسيرته المهنية كقائد لسلاح الجو ثم وزيرا للدفاع قبل ان يصبح نائبا لرئيس الجمهورية ثم يتم اغتياله في الكويت في شهر اذار مارس من العام ١٩٧١ و اخيرا و ليس اخرا يجب ان نذكر في هذا المقام ما حل بإلياهو بن ساسون ابرز العقول المدبرة لخطة تشويه البعث الجهنمية ، فقد اصيب الرجل بالشلل النصفي على اثر مكالمة هاتفية تلقاها من رئيس وزراء العدو دايفيد بن جوريون اخبره من خلالها ان مجلس الوزراء في الدويلة العبرية المسخ قد رشحه لمنصب رئيس الكيان نظراً لخدماته الجلية العظيمة التي قدمها لما تدعى بدولة إسرائيل ، و ذلك جزاء الظالمين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى