
بينما يركز الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في إدارته المواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية على اتفاق يمنحه صورة نصر تحفظ ماء وجهه بعد إعلاناته المتكررة عن تحقيق أهداف الحرب/ العدوان، تحاول القيادة الإيرانية الجديدة الحفاظ على الوضع الراهن بإطالة أمد المفاوضات لتعميق مأزق ترامب الشخصي ودفعه إلى قبول المطالب والشروط الإيرانية، ما سيعني انتصار الجمهورية بصمودها وفشل العدوان في تحقيق أهدافه بالقضاء على النظام الإسلامي.
قاد فشل التصور الذي قدمه رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، ورئيس جهاز الموساد، دافيد برنياع، للرئيس الأميركي في الاجتماع الخاص في غرفة العمليات في البيت الأبيض يوم 11 فبراير/ شباط الماضي، وانطوى على تقدير متفائل قائم على انهيار النظام الإيراني واستسلامه بعد قطع رأسه بقتل قيادته بدءاً بالمرشد، علي خامنئي، وقيادات الصف الأول في الحرس الثوري والحكومة، بعد صمود إيران ونجاحها في إلحاق أضرار جسيمة بمعظم القواعد الأميركية في الخليج، وكشفها حدود القوة الأميركية، قاد إلى وضع ترامب في موقف دقيق وحرج أمام الرأي العام الأميركي عامة وأنصاره في حركة ماغا (لنجعل أميركا عظيمة مجدّداً)، وأمام حلفاء الولايات المتحدة في الإقليم، التي فشلت في حمايتهم ووضعتهم وجها لوجه في مواجهة قيادة إيرانية جديدة أكثر تشدّدا وعدوانية، ما دفعه إلى العمل على أكثر من محور، لبنان والعراق، لسحب أوراق القوة الإيرانية، بالتركيز على فصل ملف لبنان عن ملف إيران برعاية مفاوضات مباشرة بين لبنان والكيان الصهيوني؛ وجعل نزع سلاح حزب الله ثمناً لوقف العدوان الصهيوني على لبنان، والعراق عن طريق الضغط على الحكومة عبر تجميد أموال النفط العراقي لدفعها إلى العمل على نزع شرعية أذرع إيران من الفصائل الولائية ودمج فصائل الحشد الشعبي في الجيش العراقي، لإقناع إيران بأنها بقيت وحيدة وأن ليس أمامها إلا القبول بشروطه السياسية والعسكرية.
انخرط ترامب في مناورات عسكرية بدءا بتشديد الحصار على الموانئ الإيرانية وملاحقة ناقلات النفط والتهديد بموجة قصف شديدة ضد البنى التحتية: الطرق والجسور ومحطات الكهرباء والمياه، وإرسال قطع بحرية إلى مضيق هرمز تحت شعار مساعدة ناقلات النفط على عبور آمن وقصف زوارق للحرس الثوري في المضيق ومواقع رادار ومنصات إطلاق صواريخ في جزر إيرانية، سيريك وقشم، ومناورات سياسية بالإعلانات المتواترة عن قرب الوصول إلى اتفاق وبتمديد وقف إطلاق النار 60 يوما والدخول في مفاوضات حول اتفاق من أربع مراحل، مع تأجيل بحث ملف البرنامج النووي والإعلان عن توجه إلى إنشاء صندوق استثماري برأس مال قدره 300 مليار دولار لإعادة إعمار ما دمّرته الحرب بما في ذلك في الجمهورية الإسلامية، وإشادته بالقيادة الإيرانية الجديدة وحديثه عن احتمال الاجتماع بالمرشد مجتبى خامنئي. ولهذه المناورات السياسية علاقة مباشرة بتهدئة أسواق الطاقة والغذاء، بعدما بدأت علامات التوتر والقلق في الولايات المتحدة إن بين السياسيين، وفي أوساط الحزب الجمهوري، حزب ترامب، أو بين المواطنين، الذين بدأت موجة الغلاء، خصوصاً البنزين مع اقتراب موسم العطل الصيفية، تؤثر سلبا على قدرتهم الشرائية، ما قاد إلى هبوط شعبيته إلى مستويات غير مسبوقة، 35%، وفق استطلاع أجرته شبكة سي أن أن يوم 22 الشهر الماضي (مايو/ أيار)، ووضعه أمام تحديات سياسية كبرى، أبرزها تعريض حزبه الجمهوري لخطر فقدان الدعم في انتخابات الكونغرس النصفية، التي ستجري يوم 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، بالإضافة إلى ظهور بوادر معارضة لسياساته وانشقاقات داخل الحزب الجمهوري.
للتنازل عن المطالب والشروط انعكاسات استراتيجية على موقع واشنطن وطهران ومصالحهما الجيوسياسية والجيواستراتيجية، لا يمكن القبول بها
لم تنجح مناورات ترامب في دفع القيادة الإيرانية إلى القبول بمطالبه وشروطه وبالتنازل عن مطالبها لإنهاء الحرب/ العدوان. ركّز على وقف تخصيب اليورانيوم بالكامل وتدمير اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% أو نقله إلى الولايات المتحدة لتدميره، وفتح مضيق هرمز أمام النقل البحري من دون فرض رسوم مرور مقابل رفع الحصار البحري والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمّدة في بنوك دول كانت استوردت نفطاً إيرانياً، بينما ركزت القيادة الإيرانية على حق إيران في تخصيب اليورانيوم ورفع العقوبات بالكامل ورفع التجميد عن الأموال الإيرانية في الخارج وحق الإشراف على حركة المرور في مضيق هرمز، مع التشديد على حصول إيران على ضمانة ألا تتراجع الولايات المتحدة عن الاتفاق الذي سينجم عن المفاوضات بشأن برنامجها النووي.
استمرّ تبادل الرسائل والمقترحات عبر وسطاء إقليميين، باكستان وقطر بشكل رئيس، بعد تمديد وقف إطلاق النار 60 يوماً. لكن من دون تحقيق اختراق حقيقي، فقد علقت المفاوضات عند تبادل الرسائل والاقتراحات بسبب تمسّك كل طرف بمطالبه وشروطه، علق وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، على المفاوضات بين الطرفين بقوله إنهما “قريبان جدا وبعيدان جدا” من اتفاق نهائي.
ركزت الإدارة الأميركية على إنهاء النفوذ الإيراني في لبنان من خلال رعاية مفاوضات لبنانية صهيونية
يحتاج ترامب صورة نصر تمنحه فرصة لاحتواء ليس تبعات الحرب/ العدوان على إيران فقط، بل وتبعات المواقف والمآزق التي وقع فيها خلال 15 شهراً، حيث دفعه ورود اسمه في ملفات إبستين إلى إطلاق مواقف والانخراط في سجالات سياسية عاصفة، بدءا من فرض رسوم جمركية على معظم الدول التي تتاجر مع الولايات المتحدة، بما فيها الدول الحليفة، ودعوة كندا إلى أن تكون الولاية الـ51 في الولايات المتحدة، والمطالبة بجزيرة غرينلاند الدنماركية، إلى مهاجمة فنزويلا وخطف رئيسها وزوجته مرورا بمحاصرة كوبا. في حين تحتاج القيادة الإيرانية أكثر من مجرد بقاء الجمهورية الإسلامية، تحتاج إلى اتفاق يوفر لها الأمن والاستقرار وإلى رفع العقوبات والوصول إلى أموال إيران المجمّدة في الخارج، كي تستطيع التعامل مع الملفات الداخلية، تحسين ظروف المعيشة والخدمات والتضخم والبطالة وانهيار العملة الوطنية، والخارجية، حماية أذرعها والضغط على دول الخليج العربي للقبول برؤيتها للأمن الإقليمي القائم على إخراج القواعد الأجنبية من أراضيها، خصوصاً بعدما تيقنت من أن هذه الدول لم تعد ترى في هذه القواعد ضمانة حقيقية لأمنها واستقرارها وميلها إلى إعادة نظر في البنية الأمنية في المنطقة.
واضحٌ من سلوك الطرفين أن أيّاً منهما لا يريد العودة إلى الحرب، بينما يستدعي استمرار الاستعصاء العودة إليها، فللتنازل عن المطالب والشروط انعكاسات استراتيجية على موقع الطرفين ومصالحهما الجيوسياسية والجيواستراتيجية، لا يمكن القبول بها، فتنازل الإدارة الأميركية سيحوّل رئيس الولايات المتحدة، القوة الأولى في العالم إلى مادة للتندّر والسخرية، ويجرّئ خصومها عليها وعلى مصالحها في كل الأقاليم، وتنازل القيادة الإيرانية الجديدة عن مطالبها وشروطها لا يعني انتهاء النظام الإسلامي فقط بل وانتهاء إيران قوة إقليمية وازنة وتحوّلها إلى تابع للكيان الصهيوني الذي يسعى ترامب إلى تنصيبه سيداً على دول الإقليم، من بين مطالب ترامب وشروطه دخول دول عربية وإسلامية، بما في ذلك إيران، في الاتفاقات الإبراهيمية. والعودة إلى الحرب لن تكون عودة إلى ذات النسق الذي تمت به خلال العدوان الأميركي الصهيوني وردّ الجمهورية الإسلامية واعتدائها على دول الخليج العربية، بل ستكون حربا إقليمية أكثر ضراوة ووحشية. وقد دفع هذا كلاً من الطرفين إلى تركيز الجهود نحو تحقيق تقدم بالنقاط لدفع الطرف الثاني إلى تغيير مطالبه وشروطه أو تعديلهما.
لن يتورّع نتنياهو عن تخريب المفاوضات عبر إيجاد تبريرات لمعاودة الحرب ضد حزب الله أو ضد إيران
ركزت الإدارة الأميركية على إنهاء النفوذ الإيراني في لبنان من خلال رعاية مفاوضات لبنانية صهيونية، هدفها المعلن وقف العدوان الصهيوني على لبنان من خلال إجراء مفاوضات سياسية مباشرة تقود إلى عزْل حزب الله ومحاصرته داخليا وإنهاء قدرة إيران على التأثير في السياسات الداخلية اللبنانية. ردّت إيران بزيادة الدعم المقدّم لحزب الله والتهديد بقصف مستوطنات الكيان في الشمال، فيما لو عاد إلى قصف الضاحية الجنوبية في بيروت، ما دفع ترامب إلى الضغط على نتنياهو لوقف خططه لقصف الضاحية وبيروت؛ ما عنى ربط الجبهة اللبنانية بالمفاوضات الأميركية الإيرانية أكثر من ربطها بالمفاوضات اللبنانية الصهيونية. رأت قراءاتٌ في استجابة ترامب للضغط الإيراني ودفعه نتنياهو لوقف هجومه المقرّر على الضاحية الجنوبية وبيروت نصراً إيرانياً كبيراً، صحيحٌ أنه كذلك، مع الإقرار بمحدودية دور هذا النصر في التأثير على مسار الصراع ومستقبله، يمكن اعتباره نصراً تكتيكياً وليس أكثر، لأن ترامب ليس مع ربط جبهتي الحرب، وتركيزه حاليّاً على الحؤول دون انفجار الوضع، مع تأجيل أي نتائج نهائية بانتظار اتضاح صورة الإقليم.
أشارت تقديرات سياسية وعسكرية إلى استحالة حصول أي من الطرفين على كل مطالبه وشروطه، ودعت إلى البحث عن حل وسط يلبي بعض المطالب والشروط، ويحوّل الهدنة الحالية إلى وقف دائم لإطلاق النار والدخول في مفاوضات سياسية وعسكرية لإيجاد حل دائم للخلافات العالقة بينهما. وهو عرض معقول، لكنه يواجه معيقات وعقبات كثيرة، أولها رفض الكيان الصهيوني أي اتفاق يترك لإيران وحزب الله فرص التعافي وإعادة ترميم القوة، خصوصاً في المجال النووي، حيث ينظر الكيان إلى البرنامج النووي الإيراني خطراً وجودياً، وهو موقف تلتزمه إدارة ترامب. لذا يسعى إلى عرقلة المفاوضات وتعقيدها. نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين أميركيين قولهم “إن إسرائيل تتجسّس على المفاوضين الأميركيين للحصول على معلومات بشأن استراتيجية الرئيس ترامب ومواقفه المتغيرة بشأن المفاوضات مع إيران”. ولن يتورّع نتنياهو عن تخريب المفاوضات عبر إيجاد تبريرات لمعاودة الحرب ضد حزب الله أو ضد إيران، قصف الضاحية الجنوبية لبيروت بتجاهل تام لتهديد الحرس الثوري كي يستفزّه ويدفعه إلى الرد، فتردم فرص المفاوضات مع الدمار الذي ستُحدثه القنابل والصواريخ. كما يقف تيار في القيادة الإيرانية الجديدة ضد حل وسط، لأنه يراهن على أن الرئيس الأميركي يستجيب لمنطق القوة أكثر من الدبلوماسية التقليدية. بالتالي، رفع سقف التهديد ولو نظرياً من المحتمل أن يدفعه إلى التراجع أو إعادة الحسابات، وهناك فرصة لاستثمار الارتباك الأميركي وإجبار الإدارة الأميركية على القبول بمطالب إيران وشروطها، ويجب عدم تفويت الفرصة.
المصدر: العربي الجديد






