
يروى عن الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر أنه عندما علم أن أحد رجاله دخل متنكّراً الى حفلة خاصة بنساء القصر قصْد التحرّش بهن، أجرى تحقيقا في الأمر، واتضح له أن ليست ثمة شبهة خيانة من زوجته، وأنها بريئة تمام البراءة، لكنه مع ذلك قرّر تطليقها، وعندها أطلق مقولته المعروفة “ينبغي أن لا تكون زوجة القيصر حتى موضع شك أو شبهة على الإطلاق”.
… في جزيرة ليتل سانت جيمس في البحر الكاريبي، حيث أنشأ الملياردير وتاجر الجنس الأميركي، جيفري إبستين، قلعته الحصينة، لم يعد الأمر كما كان في عهد القيصر، إذ لم تعد زوجات القياصرة وحدهن موضع شك، إنما القياصرة والرؤساء ورجال الأعمال الكبار وشخصيات المجتمع ذوات الوزن الثقيل الذين امتلأت ملفات إبستين بصورهم ومكالماتهم، وحتى وقْع خطواتهم لم يعودوا هم أيضا في منأى عن الشبهات. هكذا يبلغنا ركام أزيد من ثلاثة ملايين صفحة، وأكثر من 150 ألف صورة من الملفات أماطت اللثام عنها وزارة العدل الأميركية، وشكلت زلزالاًعاصفاً قد لا ينجو من تبعته إلا القلة الذين وردت أسماؤهم مصادفة، ولم يكونوا من بين الحضور، أو ربما تورّطوا في زيارة الجزيرة، وعندما اكتشفوا ما يدور فيها اقتنعوا من الغنيمة بالإياب.
ما كان صادماً في تلك السردية أكثر ظهور أسماء وصور لمن كنّا نقرأ لهم، ونعنى بما يقولونه، ونتوسم فيهم قامات ثقافية عالية ننظر إليها بشغف، ونكن لها تقديراً وإعجابا، وبينهم وزير الثقافة الفرنسي الأسبق وعميد معهد العالم العربي، جاك لانغ، الذي وصفناه مرّة بأنه “من أعاد للمعهد بريقه وإشعاعه على مستوى العالم”، وبالطبع العالم اللغوي، والمنظر المناصر لقضايا التحرر، والذي يعرفه القراء العرب جيدا، نعوم تشومسكي.
هكذا اهتزت أمامنا صور هؤلاء، وولدت لدينا خيبة الأمل منهم، وجعلتنا نفكر أنه حتى القامات الفكرية العالية ليست في منأى من الشبهات، وعجبنا كيف أنتجت “الديمقراطيات” جزيرة عهر وفساد وإفساد، كما هي جزيرة إبستين، التي امتدت عالميا لتطاول نماذج سياسة وعلم وفكر توهمنا زمنا أنها شخصيات نقية لا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها، لكننا نوشك اليوم أن نصمها بأنها شخصيات فاسدة ومنحرفة، لولا أننا نطمع إلى أن نجد في ما يعرض علينا لاحقا من الملفات ما يظهر براءتها، ربما، من يدري؟
توافقات وتقاطعات في شؤون المال والسياسة والفن إلى درجة أنها اخترقت مناطق حذرة اهتزّت فيها مفاهيم السياسة والحكم وإدارة الشؤون العامة واختلت
ما لا يقل أهمية عما سبق أن تلك الملفات لم تنقل لنا كيف كانت تجري حفلات المجون والدعارة بحضور (ومشاركة) تلك الشخصيات النافذة في مجتمعاتها فحسب، إنما عرفنا أيضا من الرسائل والاتصالات التي تبودلت بين إبستين ورجاله كيف استبطنت تلك الفعاليات توافقات وتقاطعات في شؤون المال والسياسة والفن إلى درجة أنها اخترقت مناطق حذرة اهتزّت فيها مفاهيم السياسة والحكم وإدارة الشؤون العامة واختلت، بحيث اقتربت عند هذا النمط من “النخب” من أن تكون أكثر شعبوية وهشاشة إلى الحد الذي لا يمكن بعده إعادتها إلى سويّتها من دون إخضاعها للترميم والإصلاح، وقد يدفع ذلك كله إلى اللجوء إلى سياسة البتر في المؤسّسات التي تعرّضت للعطب جرّاء فعل بعض المهيمنين عليها ممن ظهروا في الملفات السوداء، وهذا ما فعلته دولة خليجية عندما تخلت عن شخصية اقتصادية مرموقة ظهر اسمُها في الملفات الشريرة.
وما رأيناه في موضوعة اهتزاز السياسة وإدارة الشؤون العامة رآه قبلنا غوردون براون رئيس وزراء بريطانيا الأسبق في مقالته اللافتة في “الغارديان” أخيراً، تعقيبا على الفضيحة إذ كتب إنه “متى اهتزت السياسة فسوف يكون ترميمها صعبا”.
وإذ أصبحت تلك الملفات حديث الساعة فقد أشعل السلوك غير الأخلاقي لشخصيات عديدة بارزة في السياسة والشؤون العامة النقاش في الولايات المتحدة، وفي أكثر من بلد، حول المدى الذي يمكن التحفّظ فيه على ملفّات كهذه، وعدم تعريضها للكشف حرصاً على سمعة من ظهروا فيها، ولضمان سلامة المؤسّسات التي تسنموا مواقع فيها، وعدم تعريضها لخسارة مادية أو معنوية، لكن النقاش لم يصل إلى نهاية.
وإلى أن تظهر كامل ملفات إبستين، بما فيها حقيقة واقعة نحره أو انتحاره، فان أصداء تلك الملفات وردات الفعل عليها لن تكتمل من دون وضعها في سياق التداعيات التي بدأت تنجُم عنها، والتي سوف تغيّر أحوالاً ومقامات.
المصدر: العربي الجديد






