
من المفارقات اللافتة في المشهد السوري اليوم، أن أكثر القطاعات التصاقاً بحياة الناس اليومية، الزراعة والغذاء، تُناقش أحياناً بلغة أقرب إلى الخطابة منها إلى السياسة العامة. هذا ما يخرج به المتابع لحلقة برنامج “وسط البلد” التي استضافت وزير الزراعة السوري أمجد بدر، وقدمها الدكتور زيدون الزعبي، بمشاركة ضيوف مختصين، بينهم الصحفي الاقتصادي جهاد يازجي.
اللافت أن بداية الحلقة انتهت عند نهايتها: أرقام قاسية، وبيانات قاتمة، ومشهد زراعي مأزوم رسمه مقدم البرنامج في الخاتمة، يقابله وزير يؤكد أن “الأمور بخير”، وأن الحكومة الحالية “تحصد ما زرعه النظام المخلوع”، في محاولة واضحة لإبعاد المسؤولية، لا عن الماضي فقط، بل عن الحاضر أيضاً.
خلال المقابلة، أطلق الوزير وعوداً واسعة وأحلاماً وردية عن مستقبل الزراعة في سوريا، دون أن يرافق هذه الوعود أي رقم واضح، أو جدول زمني، أو مؤشرات قياس.
قال إن في سوريا ستة ملايين هكتار من الأراضي الزراعية، خمسة ونصف منها “قابلة وجاهزة ومستثمرة زراعياً”. رقم كبير، لكنه يبقى معلقاً في الهواء: كيف؟ أين؟ بمياه أي أحواض؟ وبأي كلفة؟ لا إجابة.
وعندما انتقل الحديث إلى الاستراتيجية الزراعية، لم تقدم هذه الاستراتيجية بوصفها سياسة عامة قابلة للنقاش، بل جرى ربطها بوزارات أخرى، مثل وزارة الطوارئ والكوارث، في إحالة دائمة إلى “التنسيق”. تنسيق قيل عنه كثيراً، ولم يُشرح عنه شيء، لا آلياته، ولا مستوياته، ولا إن كان قائماً على بيانات مشتركة أم على اجتماعات دورية، أم مجرد توصيف لغوي مريح.
أحد أكثر المشاهد دلالة، عندما أشار جهاد يازجي إلى أن وزارة الزراعة، في بلد يعاني من الجوع، يجب أن تحظى بدعم مناسب في الموازنة، كما هو الحال في معظم دول العالم. لكن الرد لم يكن دفاعاً عن أولوية القطاع، بل توصيفاً شخصياً للمسألة: إذ قال الوزير إنه “قدّم وجهة نظره” فقط، وهنا، يبدو وزير الزراعة وكأنه خبير مدعو إلى ندوة، لا صاحب حقيبة سيادية يُفترض أن يقاتل داخل الحكومة من أجل فلاحين بلا مياه وبلا دعم.
الأخطر من ذلك، كان استنكاره لفكرة أن تكون الزراعة أولوية في الموازنة، مقابل تأكيده أن الدفاع والداخلية يجب أن يتقدما. هذا الطرح، إن كان يعكس تفكيراً حكومياً، فهو إشارة مقلقة: كأن مكافحة الجوع مسألة مؤجلة، أو ثانوية، أو قابلة للانتظار. وكأن الأمن والاستقرار لا يشمل رغيف الخبز، ولا استقرار الريف، ولا بقاء الناس في أراضيهم.
في كل مرة تطرح فيها أسئلة ملحة عن استعجال الشعب السوري للنتائج، كان جواب معالي الوزير جاهزاً: “الاستقرار أولاً”، و”الجميع مستعجل”. نعم، السوريون مستعجلون، مستعجلون لا لأنهم لا يفهمون تعقيدات الدولة، بل لأن سنوات الحرب والقمع لم تترك لهم ترف الانتظار..
في كل مرة تطرح فيها أسئلة ملحة عن استعجال الشعب السوري للنتائج، كان جواب معالي الوزير جاهزاً: “الاستقرار أولاً”، و”الجميع مستعجل”. نعم، السوريون مستعجلون، مستعجلون لا لأنهم لا يفهمون تعقيدات الدولة، بل لأن سنوات الحرب والقمع لم تترك لهم ترف الانتظار، ولا رفاهية الخطط طويلة الأمد غير الممولة، ولا لغة “الطمأنة” من دون أدوات.
وحين طُرحت أسئلة أكثر بساطة، وأكثر إزعاجاً في آن: هل لدى الحكومة بيانات معلنة؟ هل تجتمع؟ هل لديها موازنة واضحة؟ كيف تنسق؟ جاء الرد عاماً: “هناك تنسيق”. عبارة تصلح لكل شيء، ولا تشرح شيئاً في نفس الوقت.
حتى عندما قدم ضيفا الحلقة ست أولويات واضحة للنهوض بالقطاع الزراعي، وسُئل الوزير كم واحدة منها موجودة في استراتيجية الوزارة المنتظرة، جاء الجواب سريعاً: “كلهم موجودون”، وأن “لا مشكلة بلا حل”.
لكن السؤال الحقيقي لم يكن عن وجود الحلول على الورق، بل عن امتلاك أدوات تنفيذها، فعندما سُئل صراحة عن أدوات النجاح، اختصرها بكلمة واحدة: “إرادتي”.
هنا تتكثف المفارقة، إرادة الوزير، مهما كانت حسنة، لا تروي أرضاً عطشى، ولا تعوض فلاحاً خسر موسمه، ولا تبني سياسة مائية، ولا تنتج بيانات، فالزراعة ليست خطاب نوايا، بل منظومة واضحة: مياه، تمويل، دعم، أسعار، محروقات، نقل، تخزين، وأسواق.
بدورها، نتائج تصويت حلقة “وسط البلد” كانت كاشفة: 26 % يرون أن سبب تراجع قطاع الزراعة هو سياسات حكومية خاطئة، و24 % يعتبرون أن الزراعة ليست ضمن أولويات الحكومة، و17 % يشيرون إلى سوء إدارة الموارد المائية، مقابل 33 % للظروف المناخية.
باستثناء المناخ، كل هذه أسباب تتحملها الدولة، لكن مع ذلك، جاء رد الوزير بالتشكيك في النتائج، لا في السياسات.
ربما في مكان آخر، لكن في سوريا اليوم الزراعة ليست بخير. الأرقام المناخية، وشح المياه، وتراجع الإنتاج، وكون 80 % من السكان بحاجة لمساعدات غذائية، كلها مؤشرات على مشهد قاتم، والاعتراف بهذا الواقع ليس ترفاً، بل شرطاً لأي نهوض حقيقي.
المشكلة يا معالي الوزير ليست في حكومة ورثت قطاعاً مدمراً، بل في خطاب رسمي ما زال عاجزاً عن معرفة الأزمة وتسميتها كما هي.
المصدر: تلفزيون سوريا






