الشام بين الاستقطاب الرقمي والواقع السياسي  

بشار نرش

لم تعد منصّات التواصل الاجتماعي مجرّد فضاءاتٍ للتعبير الحرّ أو النقاش العمومي أو مساحاتٍ لتبادل الآراء، بل تحوّلت (في السنوات الماضية) ساحاتِ استقطابٍ حادٍّ تعكس انقسامات اجتماعية وسياسية عميقة. وفي ظلّ هذا التحوّل، لم تعد المنصّات تنقل الانقسام القائم فحسب، بل باتت تضطلع بدور نشط في إعادة تشكيله وتوجيهه عبر خوارزميات تكافئ الخطاب الحادّ والمثير، وتدفع بالمحتوى الأكثر استفزازاً إلى واجهة التفاعل، لتكوين فقاعات رقمية مغلقة يتداول فيها المستخدمون الروايات والاتهامات المتبادلة، ما يمنح الانطباع بوجود حقائق مستقرّة لا تقبل النقاش.

ما يدعو إلى هذه المقدّمة الاستقطاب الرقمي المتنامي في الحالة السورية، الذي لم يعد مجرّد ظاهرة عامة عابرة، بل أصبح يترك بصمته الواضحة على طريقة النظر إلى المدن وسكّانها والبيئات الاجتماعية، وفي مقدّمتها الشام وسكّانها “الشوام”، الذين يبرزون اليوم في خطابات عديدين من “الإنفلونسرز” (المؤثّرين) بوصفهم “المتواطئين” و”الصامتين” زمن النظام البائد، مقابل أطراف دفعت أثماناً باهظة. وهو توصيف لا يكتفي بتحميل موقف سياسي مفترض، بل يتجاوز ذلك إلى تعميم أخلاقي واجتماعي يختزل ملايين البشر في صورة واحدة جامدة: استفادت أو صمتت أو تكيّفت.

ولافتٌ أن هذا الاستقطاب الرقمي لا يصدر من أفراد غاضبين أو متضرّرين فقط، بل أيضاً أحياناً من ناشطين ومثقّفين ونُخب فكرية ودينية يُفترض أنها أكثر حساسية تجاه مخاطر التعميم، ولكن يبدو أنها تبحث عن دور سلطوي أكثر من اصطفافها إلى جانب مكوّن ضدّ آخر.

الاستقطاب الرقمي لا يصدر من أفراد غاضبين أو متضرّرين فقط، بل أيضاً أحياناً من ناشطين ومثقّفين ونُخب فكرية ودينية يُفترض أنها أكثر حساسية تجاه مخاطر التعميم

هذا الاستقطاب خطير، وخطورته في أنه يعيد إنتاج منطق التعميم الذي لطالما عانت منه المجتمعات المنقسمة. والأخطر تحوّل هذا الاستقطاب أرضيةً خصبةً لنمو النعرات المناطقية على نحو غير مسبوق، يعيد إنتاج خطوط صدع اجتماعية يمكن أن تبقى فاعلةً لأجيال، حتى بعد تغيّر الأنظمة والسياسات. غير أن المشكلة الكبرى لا تكمن فقط في حدّة الاستقطاب والخطاب، بل في طبيعتهما الاختزالية التي تتجاهل التعقيد الاجتماعي والسياسي الذي عاشته الشام وأهلها خلال سنوات الثورة والصراع، فالمدينة وأهلها لم يكونوا كتلةً صمّاءَ سياسياً ولا فضاءً متجانساً اجتماعياً، بل كانوا ساحةً لضغوط أمنية واقتصادية ومعيشية كثيفة جعلت خيارات الناس محكومة بهوامش ضيّقة من الحركة. كما أن الصمت الذي يقدّم اليوم دليلاً على “التواطؤ” و”الرضا” كان، في أحيانٍ كثيرة، من أشكال المقاومة الفردية والعائلية في سياق دولة بوليسية تجرّم أبسط أشكال التعبير، وتربط الموقف السياسي المباشر بمخاطر الاعتقال أو الفصل أو الملاحقة. لذا من المهم هنا التمييز بين نقد الدور السياسي للشام مركزاً للسلطة عبر عقود، وتحميل مجتمعها وأهلها مسؤولية خيارات لم يملكوا بالضرورة القدرة على تغييرها؛ فالشام (كغيرها من المدن السورية) عاشت خلال سنوات الثورة والحرب تحوّلات اجتماعية واقتصادية وسياسية وحتى دينية، ودفعت أثماناً متفاوتة، وإن اختلفت طبيعتها عن مدن أخرى.

لذلك، اختزال الشام في صورة “المستفيد الصامت” أو “المتواطئ” أو “الراضي” لا يكتفي بتجاهل طبقات واسعة من الفقر والتهميش والنزوح الداخلي داخل الشام نفسها، ويتغافل عن وجود معارضين وناشطين وناقدين عاشوا ظروفاً قمعية لا تقلّ قسوةً عن غيرهم، وإن اختلفت أشكالها، بل يسهم أيضاً في إنتاج أثر عكسي خطير، وينشئ خطاباً دفاعياً مغلقاً يرى في كل نقد استهدافاً وجودياً؛ الأمر الذي يكرّس الفجوات بدل ردمها، ويستبدل بالنقاش السياسي العقلاني سجالاً هُويّاتياً حادّاً، ويعمّق الشعور المتبادل بالغُبن والعداء بين السوريين.

لم يعد الاستقطاب الرقمي المتنامي في الحالة السورية مجرّد ظاهرة عامة عابرة، بل أصبح يترك بصمته الواضحة على طريقة النظر إلى المدن وسكّانها والبيئات الاجتماعية

ومن هنا، وفي بلد كسورية خرج لتوه من حربٍ مدمّرة، لا يمكن النظر إلى هذا الخطاب، وهذا الاستقطاب الرقمي، بوصفهما مجرّد حرية تعبير، أو مجرّد حالة عابرة مرتبطة بمرحلة انتقالية مضطربة إلى حدّ ما، بل يتحوّلان وعياً جمعياً مشحوناً بالأحكام المسبقة، ويقتربان أكثر من حقل الجريمة، خاصّةً عندما يُسمح لأشخاص يمتلكون جمهوراً واسعاً بالعبث بالسلم الأهلي والتحريض على الكراهية والعنف. لذلك، تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى خطاب عام أكثر مسؤولية، يعترف بتفاوت الأدوار والظروف، ويميّز بين السلطة والمجتمع، وبين القهر والاختيار، وبين النجاة والموقف.

ختاماً، يمكن القول إن مجتمعاً جريحاً كالمجتمع السوري، لا يمكن أن يتعامل مع “الإنفلونسر” المحرّض بوصفه فاعلاً محايداً، بل شريكاً في جريمة رمزية تمهّد الطريق لجرائم مادّية لاحقة. وفي هذا السياق، تبدو الشام كغيرها من المدن السورية لا سرديةً واحدةً، ولا تجربةً موحّدةً، بل فسيفساء من الحكايات المتبادلة التي لا تختصرها صورة رقمية عابرة، ولا يختزلها وسم غاضب ولا كلام مؤثّر حاقد. لذا يبقى الرهان اليوم ليس على إعادة بناء المؤسّسات فقط بعد إسقاط النظام البائد، بل أيضاً على إعادة بناء اللغة التي يتحدّث بها السوريون عموماً، والمؤثّرون خصوصاً؛ لأن الكلمات في لحظات التحوّل الكبرى قد ترسم خرائط الوعي بقدر ما ترسم السياسة خرائط النفوذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى