تجريم إنكار الهولوكوست في ألمانيا كنموذج لمواجهة إنكار جرائم الأسد في سوريا

د.ناصيف نعيم

تنص المادة 49، الفقرة 3، من الإعلان الدستوري السوري على واجب الدولة السورية تجريم ليس فقط تمجيد النظام الأسدي ورموزه، بل أيضاً إنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها أو التهوين من شأنها. وعليه، فإن جميع الجرائم التي ارتكبتها أجهزة الأمن والشرطة والقوات المسلحة النظامية أو الرديفة، مثل قوات الدفاع الوطني، في عهد الأسد الأب والابن، تُعدّ حقائق تاريخية لا يجوز التشكيك بها. ويُضاف إلى ذلك، بطبيعة الحال، ما ارتكبته القوات التابعة لأمراء الحرب المرتبطين بالنظام من جرائم، والتي يُمنع أيضاً إنكارها أو التشكيك فيها.
يُذكّر هذا المنع، بشكل أو بآخر، بتجريم إنكار الهولوكوست في ألمانيا، وهو تجريم جديد في التاريخ القانوني والسياسي السوري. علاوة على ذلك، فإن التعاطي الاجتماعي مع هذا النوع من التجريم يحتاج إلى كثير من التوضيحات والشروح القائمة على العلاقة التبادلية بين النظرية والتطبيق. ومن هنا، يتمثل هدف هذا المقال القصير في تحليل الأسس القانونية لتجريم إنكار الهولوكوست في ألمانيا، وشرح خلفيته الأخلاقية وتلك المرتبطة بالنظام الديمقراطي الألماني ككل، ومناقشة الجدل المتعلق بحرية التعبير وثقافة الذاكرة من منظور مبدئي نقدي. وهو ما يمكن أن يساعد في البدء بالتفكير في كيفية التأصيل القانوني والاجتماعي لتجريم إنكار جرائم النظام الأسدي في سوريا.
أولاً: ماهية الهولوكوست وتجريمه
يشكّل التعاطي مع الهولوكوست جزءاً من الهوية الأخلاقية والقانونية لجمهورية ألمانيا الاتحادية. فباعتبارها جريمة إبادة جماعية غير مسبوقة استهدفت ستة ملايين يهودي أوروبي، إلى جانب مجموعات عرقية أخرى تعرّضت للاضطهاد (كالسينتي والروما)، تحتل جريمة الهولوكوست مكانةً خاصة في الذاكرة الجمعية الألمانية وفي النظام القانوني للدولة. بل يسود الاعتقاد بأن النظام الدستوري الألماني، القائم أساساً على حماية الكرامة الإنسانية، نشأ على خلفية هذه التجربة المريرة.
وعليه، يُعدّ إنكار هذه الحقيقة التاريخية جريمة في ألمانيا، إذ لا يُنظر إلى هذا الإنكار باعتباره رأياً يندرج ضمن حماية الحق في حرية الرأي. ويستند هذا التجريم إلى اعتبار أن إنكار الوقائع التاريخية لا يمثل مجرد تحريف للتاريخ، بل يُعدّ شكلاً من أشكال الدعاية المعادية للسامية والاستخفاف بالضحايا، وهو ما يهدد القيم الديمقراطية وكرامة الإنسان.
ثانياً: الأسس القانونية لتجريم إنكار الهولوكوست
تشكل المادة 130، الفقرة الثالثة، من القانون الجنائي الألماني الأساس القانوني لمعاقبة إنكار جريمة الهولوكوست، وهي مادة تندرج ضمن الجريمة الأوسع المتمثلة في التحريض على الكراهية. وتنص هذه المادة على معاقبة كل من يقوم علناً بإنكار أو التقليل من شأن أو جسامة جرائم الإبادة الجماعية النازية، أو بتأييد ذلك، إذا كان من شأن هذه الأفعال تهديد السلم العام. ويُلاحظ أن تهديد السلم العام لا يُعد شرطاً قصديّاً خاصاً، بل مسألة مفترضة في فعل الإنكار ذاته، كما استقر عليه اجتهاد المحاكم الألمانية.
ومن هنا، يُقرّ المشرّع من خلال هذه الصياغة بأن إنكار الهولوكوست يحمل أبعاداً سياسية واجتماعية وأمنية خطيرة، وأن أي طرح يشكك في وجود هذه الجريمة أو حقيقتها لا يمثل نقاشاً تاريخياً مشروعاً، بل يشكل أداة أيديولوجية لتعزيز معاداة السامية (باوس، 2021، ص. 211). كما أن المادة 130، الفقرة الثالثة، لم تُعدّد الأفعال التي تشكل جريمة إنكار الهولوكوست، بل أحالت في تعريفها إلى المادة 6، الفقرة 1، من قانون الجرائم الدولية، ما يعزز الطابع الدولي لهذه الجريمة.
1. كرامة الإنسان بوصفها المعيار الدستوري الأهم
يحمي القانون الأساسي الألماني (الدستور) كرامة الإنسان من خلال المادة 1، الفقرة 1، حمايةً مطلقة، فهي، وفقاً لحرفية النص، غير قابلة للمساس. ولا تقتصر هذه الحماية على الأحياء فقط، بل تشمل أيضاً ذكرى ضحايا الجرائم الجسيمة. فالتشكيك في الحقائق التاريخية أو التقليل من معاناة الأفراد والجماعات من خلال إنكار الهولوكوست يؤدي إلى إهانة الضحايا مرة أخرى على نحو رمزي (أليكسي، 1999، ص. 515). وبالتالي، فإن هدف التجريم لا يقتصر على معاقبة الادعاءات الكاذبة، بل يتمثل أيضاً في حماية كرامة الأفراد والجماعات التي وقعت ضحية لجريمة الهولوكوست.
2. حدود حرية التعبير
تكفل المادة 5، الفقرة 1، من القانون الأساسي حرية الرأي والتعبير عنه. إلا أن هذه الحرية ليست بلا حدود، إذ يسمح الدستور، وفقاً للاجتهادات القضائية والآراء الفقهية، بتقييد حرية التعبير من أجل حماية الحقوق الشخصية والسلم العام. ومن هنا، من المهم التأكيد على أن إنكار الهولوكوست لا يُعدّ رأياً، بل ادعاءً كاذباً ذا نوايا سياسية تخريبية (شرويدر، 2012، ص. 341)، وبالتالي لا يمكن أن يحظى بحماية المادة 5 من الدستور. وقد شددت المحكمة الدستورية الاتحادية منذ عام 1994 على أن هذا النوع من الخطاب يمثل اعتداءً مقصوداً على القيم الديمقراطية الأساسية وعلى النظام الدستوري ككل.
3. السياق القانوني الأوروبي
لا يقتصر تجريم إنكار الهولوكوست على ألمانيا فحسب، بل يمتد أيضاً إلى المستوى الأوروبي. فقد قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 2003، في قضية روجيه غارودي ضد فرنسا، بأن إنكار الهولوكوست يمكن اعتباره إساءة لاستخدام حق حرية التعبير، لأنه يقوّض القيم الديمقراطية. كما صنّفت المحكمة إنكار الإبادة الجماعية بوصفه أداة دعائية تُسهم في شرعنة الأيديولوجيات الشمولية ذات الطابع العنصري.
ثالثاً: أهمية النظرية الديمقراطية في تجريم إنكار الهولوكوست
1. حماية السلم العام
يرى المشرّع أن إنكار الهولوكوست قادر على تهديد السلم العام، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التسبب في اضطرابات فورية، بل من خلال إسهامه، على المدى البعيد، في تقويض البنى الديمقراطية (مايبور، 2012، ص. 189). إضافة إلى ذلك، غالباً ما تستقطب الخطابات المنكرة للوقائع التاريخية أصواتاً متطرفة، ولا سيما في العصر الرقمي (لانغباخ ورابه، 2011، ص. 1150). ومن هنا، تسهم العقوبات الجنائية المفروضة على مثل هذه الأفعال في الحد من التطرف الفكري وتحجيم انتشاره.
2. الوظيفة السياسية لثقافة الذاكرة
تعتمد ألمانيا ثقافة ذاكرة نشطة، أي ثقافة لا تتردد في وضع التاريخ في نصابه الصحيح، رغم ما يحمله ذلك من صورة قاتمة عن الماضي الألماني. ولا تؤدي هذه المقاربة وظيفة أخلاقية فحسب، بل تسهم أيضاً في دعم النظام الديمقراطي ككل. كما يوجد توافق واسع بين الفقهاء الألمان على أن ثقافة الذاكرة النقدية تعزز سيادة القانون، لأنها تُظهر المسؤولية التاريخية بصورة علنية (أسمان، 2013، ص. 92). ومن هنا، فإن تجريم إنكار الهولوكوست يدعم القيم المعيارية والرمزية النقدية للتاريخ، ويؤكد أن حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة، وأن أي مساس بها، حتى وإن كان جزءاً من تاريخ الدولة ذاته، لا يجوز تجاهله.
رابعاً: وجهات نظر نقدية
1. المنع والتجريم بوصفهما محفزين لنظريات المؤامرة
يرى بعض المنظّرين الليبراليين أن المنع القانوني قد يسهم، من دون قصد، في تعزيز الخطابات المؤامراتية التي تزعم وجود “حقائق محظورة” يجري إخفاؤها عمداً من قبل النخب السياسية (سارتوري، 1997، ص. 64). ويذهب هذا الرأي إلى أن التجريم قد يمنح المتطرفين ذريعة للادعاء بوجود “ديكتاتورية للرأي” تمنع أي آراء مخالفة. غير أن الدراسات تشير، في مجملها، إلى أن القيود القانونية تحدّ من انتشار الدعاية اليمينية المتطرفة بدلاً من تعزيزها (باكِس، 2007، ص. 22).
2. التوتر بين الحرية والمسؤولية
في حين ترى دول مثل الولايات المتحدة أن إنكار الهولوكوست يندرج ضمن حرية التعبير، يستند النموذج الألماني إلى مفهوم معياري للحرية يرتبط بمسؤولية الفرد تجاه حقائق التاريخ. فالحرية ليست مطلقة، بل مقيدة بالقيم المجتمعية (هابرماس، 1992، ص. 133). ولذلك، لا تتمحور المسألة حول ما إذا كان على الدولة تقييد التعبير، بل حول كيفية تعريف المسؤولية الديمقراطية على نحو عادل ومتوافق مع هذه القيم.
الخاتمة
لا يشكل تجريم إنكار الهولوكوست في ألمانيا مجرد أداة قانونية قمعية، بل يمثل التزاماً قيمياً تجاه الضحايا وتجاه الأسس الجوهرية للمجتمع الديمقراطي. فهو يبيّن أن الحقيقة التاريخية وكرامة الإنسان والأمن العام عناصر مترابطة لا يمكن فصلها. ولا تستهدف العقوبة القانونية مجرد منع الأكاذيب، بل حماية نظام ديمقراطي يعترف صراحة بمسؤوليته التاريخية، ويستند في تأسيسه القائم على الحرية والكرامة الإنسانية إلى التجربة المأساوية التي عاشها الشعب الألماني عبر الهولوكوست. ومن هذا المنظور، يتضح أن تجريم إنكار الهولوكوست لا يقيّد الحرية، بل يحافظ عليها.
وانطلاقاً من ذلك، تفتح التجربة الألمانية في تجريم إنكار الهولوكوست المجال للبحث في كيفية وضع نص المادة 49، الفقرة 3، من الإعلان الدستوري السوري موضع التطبيق القانوني والعملي، من خلال قانون العقوبات والملاحقة القضائية. كما تبرز ضرورة ربط هذا التجريم بالأسس السياسية والاجتماعية التي سيقوم عليها النظام السوري المستقبلي، وبالضمير الجمعي العام القائم على رفض كل ما يمس بكرامة الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل.
المراجع
· أسمان، أ، القلق الجديد تجاه ثقافة الذاكرة، دار سي. هـ. بيك، ميونخ، 2013.
· أليكسي، ر، “كرامة الإنسان ودولة القانون”، في: أرشيف الفلسفة القانونية والاجتماعية، 85/4، 1999، ص. 510-525.
· باكِس، أ، بحث في التطرف، نوموس، بادن-بادن، 2007.
· المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، غارودي ضد فرنسا، القضية رقم 65831/01 لعام 2003.
· هابرماس، ي، الواقع والاعتبار، زوهركامب، فرانكفورت، 1992.
· لانغِباخ، م. وآخر، “إجراءات الدولة ضد التطرف اليمين”، في: السياسة والمجتمع في ألمانيا، 29/4، 2011، ص. 1138-1155.
· مايبور، ي، “الدعاية كمشكلة ديمقراطية”، في: مجلة علم اللغة، 31/2، 2012، ص. 180-199.
· باوس، ك، التحريض على الكراهية وحرية التعبير، دنكر أوند هومبلوت، برلين، 2021.
· سارتوري، ج، نظرية الديمقراطية، مطبعة جامعة أكسفورد، لندن، 1997.
· شرويدر، ك، التطرف والديمقراطية، الوكالة الاتحادية للتثقيف السياسي، بون، 2012.
· Assmann, A., Das neue Unbehagen an der Erinnerungskultur, C.H. Beck, München, 2013.
· Alexy, R., „Menschenwürde und Rechtsstaat“, in: Archiv für Rechts- und Sozialphilosophie, Nr. 85/4, 1999, pp. 510-525.
· Backes, U., Extremismusforschung, Nomos, Baden-Baden, 2007.
· EGMR, Garaudy v. France, Application No. 65831/01, 2003.
· Habermas, J., Faktizität und Geltung, Suhrkamp, Frankfurt am Main, 1992.
· Langebach, M. and other, “State Action Against Right-Wing Extremism”, in: German Politics & Society, No. 29/4, 2011, pp. 1138-1155.
· Meibauer, J., „Propaganda als demokratisches Problem“, in: Zeitschrift für Sprachwissenschaft, Nr. 31/2, 2012, pp. 180-199.
· Paus, K., Volksverhetzung und Meinungsfreiheit, Duncker & Humblot, Berlin, 2021.
· Sartori, G., Democracy Theory, Oxford University Press, London, 1997.
· Schroeder, K., Extremismus und Demokratie, Bundeszentrale für politische Bildung, Bonn, 2012.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى