
كلما عاد النقاش حول مستقبل سوريا، أجدني أعود إلى السؤال ذاته: لماذا استطاعت دول مثل تركيا وماليزيا أن تفرض نمطًا من الحكم العلماني، أو شبه العلماني، من دون أن ينهار المجتمع، بينما يبدو هذا الخيار في سوريا محفوفًا بالخوف والرفض وسوء الفهم؟ هل المشكلة في الفكرة نفسها، أم في الطريق التي نحاول أن نسلكها للوصول إليها؟
أبدأ بتركيا. حين ننظر إلى تجربتها، نرى أن العلمانية هناك لم تكن نتيجة تفاهم مجتمعي طويل، بل قرار حاسم فرضته الدولة في لحظة تاريخية مفصلية. فالدولة العثمانية انهارت، وكان لا بد من هوية جديدة. فاختارت النخبة الحاكمة القطيعة مع الماضي، وأعادت تعريف الدين بوصفه شأنًا تُديره الدولة، لا فضاءً ينافسها. قد يبدو هذا قاسيًا، لكنه نجح نسبيًا لأنه استند إلى دولة قوية، ومؤسسات مركزية، وهوية قومية صاعدة لم تكن منقسمة طائفيًا على نحو حاد.
ليس شكل العلمانية، بل وجود دولة تعرف ماذا تريد، وتملك الحد الأدنى من الشرعية والقدرة على فرض القواعد. في الحالتين، كانت هناك فكرة واضحة عن الدولة قبل النقاش في الدين.
في التجربة الماليزية، نسأل: هل سارت ماليزيا في الطريق ذاته؟ الجواب لا. ماليزيا لم تفصل الدين عن الدولة فصلًا صارمًا، ولم تدخل في صدام معه. على العكس، اعترفت بالإسلام دينًا رسميًا، لكنها في الوقت نفسه اعترفت بالتعددية بوصفها واقعًا لا يمكن كسره. هنا لم تكن العلمانية عقيدة، بل إدارة ذكية للتنوع. الدولة لم تحاول صهر الجميع في قالب واحد، بل رسمت حدودًا تمنع تحوّل الدين إلى أداة صراع سياسي شامل.
ما الذي جمع التجربتين إذًا؟ ليس شكل العلمانية، بل وجود دولة تعرف ماذا تريد، وتملك الحد الأدنى من الشرعية والقدرة على فرض القواعد. في الحالتين، كانت هناك فكرة واضحة عن الدولة قبل النقاش في الدين.
العلمانية، في النهاية، ليست غاية أخلاقية ولا شعارًا أيديولوجيًا، بل نتيجة ثقة طويلة بين الدولة ومجتمعها. وحين تغيب هذه الثقة، لا تنجح أي وصفة، مهما بدت ناجحة في مكان آخر.
وهنا أصل إلى سوريا، والسؤال الأصعب: لماذا لم ننجح، ولماذا يبدو استنساخ هذه النماذج شبه مستحيل؟
الجواب المؤلم أن ما سُمّي علمانية في سوريا لم يكن يومًا مشروعًا لبناء دولة محايدة، بل أداة للسيطرة. لم تُستخدم لفصل السلطات أو حماية التنوع، بل لإفراغ السياسة من معناها، وتحويل الدولة إلى جهاز أمني. الدين لم يُحيَّد، بل جرى توظيفه أو قمعه بحسب الحاجة.
ثم جاءت الحرب، وكسرت ما تبقّى من الثقة. صار الدين والطائفة ملجأً وخط دفاع، لا مجرد هوية ثقافية. في هذا السياق، تصبح العلمانية كلمة باردة، بل مخيفة، لأنها تُستحضر في ذاكرة الناس بوصفها قمعًا لا عدالة.
فهل هذا يعني أن سوريا محكومة بالفشل؟ لا أظن. لكن الطريق مختلف. لا يمكن البدء بنسخة جاهزة من العلمانية، تركية كانت أم ماليزية. العمل الحقيقي يبدأ قبل ذلك: بإعادة بناء فكرة الدولة نفسها، كضامن لا كخصم، وكحَكَم لا كطرف. يبدأ بالاعتراف بالتعدد بدل إنكاره، وبخلق مساحة سياسية يشعر فيها الناس أن حقوقهم لا تعتمد على هويتهم الدينية أو الطائفية.
ربما السؤال الأصح ليس: كيف نطبّق العلمانية؟ بل: كيف نصل إلى لحظة يصبح فيها هذا النقاش ممكنًا بلا خوف؟ عندها فقط، قد تولد صيغة سورية خاصة، لا تشبه تركيا تمامًا، ولا ماليزيا، لكنها تشبه واقعنا، وتاريخنا، وآلامنا.
فالعلمانية، في النهاية، ليست غاية أخلاقية ولا شعارًا أيديولوجيًا، بل نتيجة ثقة طويلة بين الدولة ومجتمعها. وحين تغيب هذه الثقة، لا تنجح أي وصفة، مهما بدت ناجحة في مكان آخر.
المصدر: تلفزيون سوريا






