
التصريح الذي أدلى به قائد قوات سوريا الديموقراطية-قسد، قبل يومين، لقناة روداو، يُبدي الاستعداد لتنفيذ اتفاق 18 كانون الأول مع دمشق، خلال فترة الهدنة المعلنة بين الجانبين. مع تنويهنا بأن هناك مؤشرات إلى عمل عسكري قد ينقض الهدنة، وينقض معها الاتفاق الذي يضمر تنازلات من قسد عن اتفاق 10 آذار 2025 الذي أصبح من الماضي. في كل الأحوال، تجربة قسد كما هي معروفة أصبحت من الماضي، وكذلك هو حال الإدارة الذاتية المدنية، بما أن المؤسسات المدنية ستعود لتكون تابعة للمركز، وأيضاً المعابر الحدودية.
الأجواء التي أحاطت بالمعارك بين القوات الحكومية وقسد، توحي بأن الاتفاق لن يأخذ الوجهة الأفضل للأخيرة وما تمثّله، فالعبرة في تطبيق التفاهمات بلا التفاف عليها لجعلها شكلية. على سبيل المثال لا يُعدّ تعيين مساعد لوزير الدفاع من قسد مكسباً، إذ من السهل تفريغ التعيين من مضمونه وجعل المنصب شكلياً، وحتى منصب المحافظ الموعود يمكن تفريغه من صلاحياته بطريقة أو بأخرى.
لكن الإجهاز على تجربة قسد لن يكسر شوكة أكراد سوريا كما يأمل أصحاب الخلطة القومية-الإسلامية، بل على العكس، من المحتمل جداً أن تنمو النزعة القومية الكردية عطفاً على نظيرتها في الجانب المقابل. وبالمقارنة، لا غرابة في أن اللهجة الانتصارية اليوم للأوّلين تشبه اللهجة الانتصارية لأنصار قسد عندما بلغت أوج تمددها، فحينها أيضاً وصل بهم الشطط إلى حدود غير مسبوقة، وغير واقعية إطلاقاً، في التطلعات الكردية.
وكما استقطبت قسد عدداً كبيراً من المؤيّدين، من غير أنصارها الحزبيين والأيديولوجيين، فإن انكسارها سيؤدي إلى انفضاض ذلك الجمهور المؤقت من حولها؛ جمهور الانتصار والسلطة. ومن المحتمل جداً أن ينفض عنها قسم كبير من الأنصار الحزبيين والأيديولوجيين، خصوصاً إذا سار الحزب الأم، العمال الكردستاني، على طريق التسوية التي يقترحها زعيمه التاريخي عبدالله أوجلان.
مع انكسار قسد، برزت أصوات كردية تنتقد تجربتها بهدوء نسبي، وبرزت أصوات غاضبة صبّت نقمتها على العرب، ومن ضمنها أصوات انتقدت قسد فقط لأن لم تعتمد بالمطلق على العنصر الكردي. ومن المأمول أن يتم بسرعة تجاوز الصدمة الحالية، من أجل التفكير فيما بعد قسد. ولعل التفكير في فتح آفاق جديدة يكون على النقيض من اليأس، ومن الانكفاء الذي لن يفيد الأكراد، بل هو ما يتمناه لهم خصومهم. مع التنويه بأن إعادة ما حدث لن يأتي بنتائج أفضل، وهو ما يصحّ على مجمل التجارب السياسية السورية.
لقد بُني جزء كبير من خطاب الحركة السياسية الكردية على أولوية الحقوق القومية للشعب الكردي في مختلف مناطق وجوده، وهذا ما كان يعني تلقائياً انفصال النضالات الكردية عن محيطها، وما كان يؤدي تلقائياً إلى تغليب الرغبة في الانفصال، حتى إذا لم يكن مطروحاً صراحةً على أجندة الحزب. المطالبة بالفيدرالية مثلاً كانت بمعظمها، إن لم نقل كلها، قائمة ضمناً على فكرة الانفصال عن المحيط العربي ضمن كانتون كردي، من دون اكتراث بما يحدث في المحيط والمركز العربيين.
هذه الوضعية جعلت الأبصار شاخصة طوال عقود إلى السلطة، لأنها نظرياً هي القادرة على منح الأكراد ما يناضلون من أجله. ومن المؤكد أن السلطة كانت ولا تزال هي الطرف الأقوى، ما يجعلها تبدو واقعياً الطرف الجدير بالمخاطبة. لكن الوقائع أيضاً تشير إلى أن السلطة (من قبل ومن بعد) لم تدخل في مشروع ديموقراطي لعموم سوريا، ومن الصعب (بل من المستحيل) تخيُّل وجود نظام فيدرالي بلا مشروع مماثل. والحديث هنا ليس عن لامركزية موروثة من ماضٍ إمبراطوري كما نرى في النموذج الروسي مثلاً، الحديث هو عن بلد صغير قليل الموارد مع شهيّة للهيمنة عليها.
خلال عقود حجبت الأولوية السابقة ما هو مشترك بين الأكراد وسواهم من السوريين، أي النضال من أجل بلد تتحقق فيه الحريات والديموقراطية، علماً أن العديد من الحقوق التي تنادي بها الأحزاب الكردية يندرج ضمن هذا المشروع. قضايا مثل الحقوق الثقافية، وحق التعلم باللغة الأم (لا تعلّمها فقط)، والحصول على الجنسية… هذه كلها ينبغي ألا ترتبط بطبيعة النظام السياسي، مركزياً كان أو لا مركزياً، ولا يفترض تالياً أن تكون خاضعة للمساومة السياسية مع أي تنظيم كردي أو ضده.
أن تسعى الحركة الكردية إلى بناء تحالفات مع سوريين آخرين يطالبون بالحريات والديموقراطية؛ هذا لا ينتقص من سعيها للحصول على حقوق قومية بمعزل عن تلك التحالفات. المنطق يفيد بأن تخفُّفَ الأحزاب الكردية من المطالب الأساسية يجعلها أكثر تركيزاً فيما تطالب به من حقوق جمعية للأكراد، ويفيد أيضاً بأن بلداً تتحقق فيه الديموقراطية يكون أكثر تقبّلاً لحقوق الجماعات وللنضال السلمي من أجلها. ومن البديهي أن الحصول على حقوق ضمن بيئة ديموقراطية يمنحها مشروعية واستدامة لا تتوفر لدى سلطة غير منتخبة في مناخ ديموقراطي حقيقي، لأن هذه السلطة المانحة للحق قد تسحبه في أية لحظة، أو قد تفعل ذلك سلطة بديلة مشابهة لها.
ليس الأكراد وحدهم الذين يفكّرون حالياً على هذا النحو: لندع العرب السنة للنظام الذي يقبلون به، والذي تقترحه لهم سلطة هيئة تحرير الشام، ولنبحث عن الخلاص بعيداً عنهم، تحت يافطة الفيدرالية بما أن التقسيم غير وارد دولياً. ومن نافل القول إن هذه النظرة تأتي من ضمن التنميط المتبادل بين الجماعات والمجتمعات السورية عموماً، ولا تأخذ بالحسبان الاختلافات العديدة والعميقة ضمن المجموعة الواحدة المتخيَّلة، ولا تأخذ بالحسبان التغيرات الظرفية لكل مجموعة متخيّلة، حيث قد ينقلب المزاج السياسي بين ليلة وأخرى، والمقارنة بين شعبية هيئة تحرير الشام في إدلب وشعبيتها وهي في السلطة تغني عن الكثير من الشروحات.
لقد جرّبت الحركة الكردية منذ الخمسينات حتى الآن الانفصال عن الحراك السياسي السوري، على علاته، وهذا بالتأكيد ليس ذنب الأكراد. لكن الذهاب في اتجاه مخالف لما سبق يستحق التفكير، وكانت بوادر الانفتاح قد ظهرت مع ربيع دمشق، حيث عُقد العديد من لقاءات التعارف، والقليل من لقاءات التنسيق بين معارضين عرب وآخرين أكراد. ونشير إلى الجهود التي بذلها أشخاص مثل مشعل التمو وإسماعيل عمر وعبدالحميد درويش وغيرهم من كوادر الأحزاب الكردية بمن فيهم أحياناً كوادر من حزب الاتحاد الديموقراطي، وكان يمكن لها أن تثمر عن قواسم مشتركة لا تلغي خصوصية بعض المطالب الكردية.
ليس سهلاً، ولا مستحيلاً، أن تكون الحركة السياسية الكردية جزءاً من تحالف سوري ديموقراطي أوسع، قد لا يكون بالضرورة تحالفاً سياسياً بالمعنى المباشر. نزعم أن الانفتاح هو الحل بعد تجربة الانغلاق، ومن المؤسف أن الانكفاء والانغلاق شرّين لا بد منهما في المدى المنظور، ولا بد لاحقاً من البحث عن حل خارجهما.
المصدر: المدن






