
حين كتب جورج حبش كتابه “الثوريون لا يموتون أبداً”، كان يقصد أساساً خلود الفكرة أكثر من الاهتمام بخلود الأفراد. تلك الفكرة التي تتجاوز الجسد، وتتخطى الهزيمة، وتستمر في الوعي الجمعي حتى لو تبدلت الظروف وتغيّرت الخرائط، هي الفكرة التي تصبح معياراً أخلاقياً يُقاس به كل ما يأتي بعدها.
في حاضرنا السوري، تبدو العبارة اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فالثورات لا تختصر في لحظة إسقاط نظام، ولا تُختزل في انتقال سلطة، ولا تُقاس فقط بما تحققه من إنجازات سياسية مباشرة. الثورات في معناها العميق، هي إعادة تعريف للعلاقة بين الفرد والدولة، بين المواطن والسلطة، بين الكرامة والقرار السياسي.
خرج السوريون ذات يوم بشعارات جلية كانت تتمحور حول الحرية، والعدالة، والكرامة، والديمقراطية. كانت تلك المطالب المحقة وغيرها خلاصة عقود من التهميش والقمع والإنكار السياسي، لقد كانت تعبيراً عن رغبة في إعادة تأسيس المجال العام على قاعدة المواطنة وليس الولاء، وعلى قاعدة القانون والتعدد وليس الاحتكار.
أدبيات العدالة الانتقالية، كما تطورت في تجارب متعددة، تؤكد أن الانتقال السياسي يرتبط بمعالجة قانونية وأخلاقية لإرث الانتهاكات.
اليوم، بعد سقوط نظام الأسد، تبدو المرحلة الانتقالية محمّلة بتحديات ثقيلة؛ انطلاقاً من إعادة بناء المؤسسات، إلى ترميم الاقتصاد، وإعادة تعريف موقع سوريا إقليمياً ودولياً؛ غير أن التحدي الأعمق يكمن في الحفاظ على البوصلة القيمية التي انطلقت منها الثورة.
الثوري لا يُعرَّف بموقعه في السلطة أو خارجها، ولا بانتمائه التنظيمي، بل بقدرته على الدفاع المستمر عن المعايير التي خرج لأجلها. فإذا تحولت الحرية إلى مجرد هامش ضيق، أو أصبحت العدالة انتقائية، أو غابت الشفافية عن إدارة الشأن العام، فإن روح الثورة تتعرض للاختبار. فالشرعية الأخلاقية لأي سلطة في مرحلة ما بعد الاستبداد تستمد جذورها من تلك المبادئ الأولى.
أدبيات العدالة الانتقالية، كما تطورت في تجارب متعددة، تؤكد أن الانتقال السياسي يرتبط بمعالجة قانونية وأخلاقية لإرث الانتهاكات. المساءلة، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، وحفظ الذاكرة، تمثل عناصر متكاملة في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وفي الحالة السورية، يعكس إدماج هذه العناصر ضمن الإطار القانوني التزاماً بتحويل المطالب الثورية إلى سياسات عملية، فالعدالة الانتقالية هنا تكون جزءاً من إعادة تأسيس الدولة على قواعد تحمي الحقوق وتؤسس لمواطنة متساوية.
لقد شهد المجال العام السوري خلال العقد الماضي انكماشاً حاداً تحت ضغط الحرب وتفكك البنية المؤسسية، أما المرحلة الحالية تفرض إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المشاركة والشفافية. هذا الملف يتصل بتشريعات العمل الأهلي، وحرية التنظيم، ودور النقابات، ومساحة الإعلام المستقل. لذا فإن أي مسار إصلاحي يحتاج إلى بيئة قانونية واضحة، وإلى إرادة سياسية تسمح بتعدد الأصوات ضمن إطار منضبط بالقانون.
كذلك يرتبط المجال العام أيضاً بملف المصالحة المجتمعية وإدارة آثار النزاع، وعليه فإن معالجة هذا الملف تتطلب آليات قانونية وإدارية
دقيقة، وتصوراً متكاملاً للعدالة الانتقالية، يوازن بين الاستقرار المجتمعي وحق الضحايا في الإنصاف. هذا التوازن يمثل معياراً جوهرياً لقياس التزام السلطة الجديدة بالقيم التي صاغت الوعي الثوري.
الفرق بين الثورة كحدث ومرجعية، هو الفرق بين مرحلة عابرة ومسار تاريخي، فالحدث قد ينتهي، لكن المرجعية تبقى معياراً دائماً للمساءلة. لذلك فإن الحديث عن بقاء الثوريين لا يتعلق بالأشخاص الذين تصدّروا المشهد، إنما بالقيم التي يجب أن تبقى فوق كل اعتبارات براغماتية أو ظرفية.
تُعالج أدبيات علم الاجتماع السياسي؛ الثورة كلحظة تأسيس تعيد تعريف بنية السلطة ومصادر الشرعية في المجتمع. حنّة آرنت ربطت الثورة بفعل إنشاء فضاء سياسي جديد، حيث يتحول المواطن إلى فاعل في الشأن العام، ويصبح الفعل الجماعي مصدر تأسيس للقانون. تشارلز تيلي نظر إلى الثورات باعتبارها تحولات في أنماط التعبئة والصراع حول السلطة.
الثوريون لا يموتون لأن الشعوب لا تنسى لماذا خرجت أول مرة. كما سيبقى السؤال الأول حاضراً: هل أصبح الإنسان أكثر حرية، وهل أصبحت الدولة أكثر عدلاً، وهل باتت الكرامة مصانة بالقانون؟
هذا الإطار يتيح لنا قراءة الحالة السورية ضمن مسار تأسيسي يتجاوز إسقاط نظام إلى إعادة صياغة مفهوم الدولة نفسها، حيث تُنتج اللحظة الثورية هنا تصورات جديدة حول توزيع الصلاحيات، حدود القوة التنفيذية، وآليات المشاركة السياسية، وتتحول إلى نقطة مرجعية تحكم مسار البناء المؤسسي في المرحلة الانتقالية.
في كتاب “الثوريون لا يموتون أبداً” يستقر المعنى لدى جورج حبش في نقطة واضحة مفادها أن الفعل الثوري يتجاوز الزمن السياسي
المباشر، ويتحوّل إلى طاقة أخلاقية كامنة في الوعي العام. مع الإشارة إلى الكتاب كان قد صدر في سياق صراعات إقليمية معقدة، ما يمنح العنوان بعداً يتجاوز الإطار المحلي. تماماً كما في سوريا الجديدة، فالموقع الجغرافي والسياسي يفرض شبكة علاقات إقليمية ودولية كثيفة، كما أن إدارة هذه العلاقات تعكس فهم السلطة لمفهوم السيادة ولموقع المجتمع في المعادلة. وعليه فإن الروح التي يتحدث عنها الكتاب تظهر في قدرة القرار السياسي على حماية المصالح الوطنية، وفي إدارة التوازنات الخارجية من دون تفريط بالمبادئ التي خرجت في ساحات المدن السورية؛ لذا فإن استمرار الفكرة الثورية يتصل هنا بمدى انسجام السياسة الخارجية مع التصورات التي تشكلت خلال سنوات التحول.
الثوريون لا يموتون لأن الشعوب لا تنسى لماذا خرجت أول مرة. كما سيبقى السؤال الأول حاضراً: هل أصبح الإنسان أكثر حرية، وهل أصبحت الدولة أكثر عدلاً، وهل باتت الكرامة مصانة بالقانون؟
ما دام هذا السؤال مفتوحاً، فإن الفكرة لم تمت، وما دامت القيم التي خرج السوريون لأجلها حاضرة في وعيهم الجمعي، فإن الثورة بمعناها العميق، لا تزال حية.
المصدر: تلفزيون سوريا






