أفول الإدارة الذاتية كنقطة تحول استراتيجية في سوريا

فاضل خانجي

أعادت سرعة الانهيار في صفوف “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) إلى الأذهان سرعة انهيار جيش نظام الأسد في أثناء معركة ردع العدوان، إذ اشترك كلا الطرفين بعامل مشترك: عدم القدرة على الصمود على الجبهات في ظل غياب الدعم الخارجي، لا سيَّما الجوي من نوعه. لم تصمد قوات قسد في مناطق سيطرتها في غرب الفرات سوى أيام، في حين أنها انهارت في ظروف ساعات معدودة في دير الزور والرقة غرب الفرات. أفضى هذا الانهيار المتتالي والمتسارع إلى الإعلان عن توقيع اتفاقية تقضي في جوهرها ببسط دمشق لسيادتها على جميع مناطق شمال شرقي سوريا، أي الإعلان الرسمي لأفول مشروع “الإدارة الذاتية”، سردية قسد السياسية على مدار السنوات الماضية. وبغض النظر عن قبول قسد بتطبيق الاتفاق أم لا، فإنَّ أفول هذا المشروع لم يعد محل النقاش، بل أصبحت كيفية تطبيق الشكل النهائي للحل، وانعكاساته الأمنية والسياسية الأسئلة المحورية الراهنة.
لا شكَّ بأنَّ الأسبوع الفائت بما حمله من تطورات ميدانية وسياسية يقدِّم دلالات ذات أهمية بالغة على مستويات عديدة: بدءاً من الهشاشة التنظيمية وثبات الأكواد الأيديولوجية والحسابات الاستراتيجية لقسد، مروراً بطبيعة السياسية الأميركية تجاه التنظيم كوكيل محلِّي، وانتهاءً بأفول الإدارة الذاتية كنقطة تحول على مستوى المرحلة الانتقالية في سوريا.
قسد لم تمر بمسار تحوُّل حقيقي
من المعروف الارتباط البنيوي والأيديولوجي لقوات قسد بـ”حزب العمال الكردستاني” (ب ك ك)، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الطبيعة الأيديولوجية والبنية التنظيمية لمشروع “الإدارة الذاتية”، بدءاً من ارتكازها على فلسفة مؤسس المنظمة الأم حزب (ب ك ك) أوجلان على المستوى التنظيري وانتهاءً باعتمادها على كوادر الحزب للسيطرة على وإدارة جميع البنى العسكرية والإدارية. كما لم يكن سرَّاً الاحتقان الشعبي-المحلي من النموذج الذي سعت قسد لفرضه، رغم انفصاله الكامل عن السياق الثقافي-الاجتماعي السوري عموماً والعربي-العشائري خصوصاً. الأمر الذي سرَّع من انهيار هذا النموذج في أوَّل امتحان حقيقي له.
لم يكن من الممكن ألَّا ينعكس الارتباط التنظيمي والأكواد الأيديولوجية لقسد على الحسابات الاستراتيجية خاصتها، لا سيَّما فيما يتعلق بالهدف النهائي للتنظيم في الساحة السورية ونظرته لـ8 كانون الاول/ديسمبر وسقوط نظام الأسد.  فعلى عكس فصائل المعارضة (السابقة) التي بدأت بالاندماج في مسار بناء الدولة الجديدة – الأمر الذي يرتبط بتحقيق هذه الفصائل لهدفها النهائي المتمثِّل بإسقاط النظام – لم يكن إسقاط نظام الأسد هدفاً نهائيَّاً لقسد، التي تبنَّت خطّاً ثالثاً على مدار سنوات الصراع بهدف تأسيس ما تسميه “الإدارة الذاتية” بشكل منسجم مع الأكواد الأيديولوجية الخاصة بحزب الـ (ب ك ك). في هذا السياق، دخلت قسد مفاوضات مع نظام الأسد لتحقيق هذا الهدف قبل 8 كانون الأول/ديسمبر، ولم تنظر بشكل مختلف لمحادثاتها مع دمشق بعد سقوط النظام.
باختصار، لم تشهد قسد تحوُّلا حقيقيا على مستوى الأكواد الأيديولوجية أو الارتباط التنظيمي أو الحسابات الاستراتيجية، وهو ما أدخل اتفاق آذار في حالة استعصاء نتيجة رهانات التنظيم على استمرار ديناميات ما قبل 8 ديسمبر، الأمر الذي جعل الصدام العسكري حتميَّاً.
قسد كوكيل محلِّي (بروكسي) في الحسابات الأميركية
من المعروف في دراسات العلاقة بين الدولة الراعية والوكيل المحلي في الأدبيات الأكاديمية بأنَّ شكل هذه العلاقة تتحدد بعوامل رئيسية أهمها مرتبط بالهدف النهائي لهذا الدعم، أي هدف طموح (كالإطاحة بنظام حكم مثلاً) أو محدود؛ وهو ما ينعكس على طبيعة الدعم ومدى استمرارية العلاقة. تاريخيَّاً تلقَّى حزب العمال الكردستاني (ب ك ك) دعماً من فواعل مختلفة: الاتحاد السوفييتي – إذ لا يمكن فصل نشأة الحزب عن سياق الحرب الباردة –  وإيران ونظام الأسد. في حين كانت واشنطن الراعي الرئيسي لقسد، إلَّا أنَّ الأخيرة لم تدرك بأنَّ طبيعة هذه العلاقة كانت مرتبطة بهدف محدود – وهو ما صرَّح به المسؤولون الأميركيون مراراً – وهو مكافحة تنظيم داعش.
بهذا المعنى، كان السياق الجيوسياسي على مر عقود العامل الأبرز الذي مكَّن حزب (ب ك ك) وفرعه المحلي من البقاء ونسج علاقات مع فواعل دولية وإقليمية مختلفة، إلَّا أنَّ سقوط نظام الأسد وانحسار النفوذ الإيراني وبروز سوريا الجديدة كشريك للتحالف الدولي غيَّر من هذه المعادلة بشكل جذري. بالنسبة لقسد، قرأ التنظيم هذه التحولات في سياق العلاقات التاريخية لـ(ب ك ك) مع فواعل مخلتفة عن بعضها البعض، وهو ما تجلَّى بمساعي قسد لنسج علاقات مع إسرائيل، لا سيَّما مع وضوح نوايا الأخيرة وسياساتها المزعزعة للاستقرار في سوريا والمنطقة.
باختصار، كانت العلاقة بين واشنطن وقسد بجوهرها علاقة مؤقتة، إلَّا أنَّ السياق التاريخي لارتباطات حزب (ب ك ك) الخارجية جعله يرفض قبول واقع جيوسياسي جديد يضيِّق الخناق عليه، وهو ما اتَّضح باستجداء قادة قسد لدعم إسرائيلي.
أفول الإدارة الذاتية  كنقطة تحول استراتيجية
بالنسبة لدمشق، يشكِّل أفول “الإدارة الذاتية” نقطة تحوُّل محورية على مستوى المرحلة الانتقالية السورية ككل، إذ تقطع الطريق أمام تحويل سوريا إلى عراق ثانٍ. فهي خطوة جديدة ومفصلية في تعزيز استقرار مركزي لم تكن إسرائيل ترغب بنشأته، وتغلق الباب أمام أحلام فلول النظام الذين انضموا لصفوف قسد، وتزيد من عزلة المجموعات الانفصالية في السويداء السورية، وتشكِّل فرصة لاستثمار الموارد الطبيعية السورية في مسار إعادة الإعمار. كما أنَّها تحمل دلالات استراتيجية بما يتعلق بالسياسة الخارجية السورية على مستوى عمق التنسيق السوري-التركي – لا سيما فيما يخص أحد أهم وأعقد الملفات السياسية الأمنية – وكذلك من ناحية تشكيلها لنقطة انعطاف إيجابية في مسار العلاقات السورية-الأميركية.
بالنسبة لقسد، فقد ضاقت مساحات المناورة خاصتها إلى حد كبير جداً. فالخيارات أمام التنظيم أصبحت واحد من اثنين: إمَّا قبول الواقع الجديد والاندماج وفق شروط الاتفاقية الأخيرة أو التحوُّل لتنظيم “تحت الأرض”. في الوقت الذي يقدِّم فيه الخيار الأوَّل فرصة استثنائية لانخراط قسد في العملية السياسية مع ضمان بسط سيادة الدولة بكلفة أمنية أقل، سيحمل الخيار الثاني كلفة أمنية أكبر على دمشق، لكنه سيكون بمنزلة الضغط على كل الأزرار بالنسبة لقسد، أي خطوة انتحارية بامتياز.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى