
في أحد معاهد دلفت للهيدروليك والبيئة وقف أستاذ هولندي ضخم متخصص بالهيدرولوجيا ليلفت انتباهنا إلى أن التنبؤ الجوي يزيد احتمال حدوثه عن 80% عند الحديث عن اليوم التالي ويتناقص إلى 65% في اليوم الذي يعقبه وهكذا حتى يصل الأمر إلى صفر بالمئة بعد حوالي عشرة أيام أو أكثر قليلا.
في منطقتنا وفي سورية خاصة يشبه الأمر ما سبق حين يحاول المرء التنبؤ في حقل السياسة بل لعل التنبؤ بما يحدث في اليوم التالي يكاد يكون صعبا.
وإذا تركنا مسألة التنبؤ نحو مسألة التحليل السياسي فربما نجد أن عناصر متعددة تجتمع لتجعل من المواجهة العسكرية في الحسكة بين قسد وحلفائها وبين الجيش العربي السوري أمرا لابد منه تقريبا مع الأسف مالم تحدث تطورات طارئة على المشهد الحالي.
لماذا؟
ليس الأمر متعلقا هنا بتيار متشدد ضمن قسد يقوده حزب العمال الكردستاني التركي ولكن بأكثر من ذلك، فخلال حوالي عشرة أعوام من سيطرة قسد على الجزيرة السورية تحول الحلم الكردي ببناء دولة للأكراد إلى ما يشبه الواقع، ومن خلال ذلك امتلك الحلم قوة إضافية أوصلته إلى حد التفكير بالسيطرة إضافة للجزيرة على كامل شمال سورية بما في ذلك حلب وصولا غربا للبحر المتوسط.
هذا الحلم الذي كانت تقوده قسد توسع عمليا ليشمل قاعدة اجتماعية في صفوف الشباب الأكراد، ومن خلال الشحن اليومي القومي والأذرع التنظيمية للجاليات الكردية في المهجر تحول إلى عقيدة مكتملة الأركان، وازداد قوة حين سقط النظام البائد وظهر كأن سورية موضوعة على مشرحة التقسيم بنوع من التوافق أو لنقل التواطؤ الدولي.
لم يكن أحد ضمن قسد وحلفائها وقواعدها الاجتماعية يعير أي اهتمام للتاريخ أو للديمغرافيا السورية بعد أن ساد الاعتقاد أن كردستان الغربية ” روج آفا” أصبحت شبه حقيقة في الواقع.
وحين كان الحلم يصطدم بجدال بعض المثقفين السوريين مع قسد كان منطق قسد يقول الآتي:
سواء كانت هذه الأرض ” الجزيرة السورية ” لنا وفق التاريخ والديمغرافيا أم لا فنحن قد أخذناها بالقوة والتحالف الدولي لمحاربة الارهاب والغرب واسرائيل معنا وانتهى الأمر وما بقي هو الامتداد نحو الغرب وانتزاع الاعتراف الدولي باستقلال روج آفا عن سورية ولو عبر مرحلتين كما كان الأمر بالنسبة لكردستان العراق.
خلال عشرة سنوات أصبح للحلم قوة لا يمكن التقليل من سيطرتها على عقول فئة واسعة من الشباب الأكراد وهذا بالضبط ما يفسر عمق الشعور بالصدمة حين أفاق القوم على الجيش العربي السوري وقد أعاد السيطرة على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بسرعة وكفاءة ثم انتقل إلى دير حافر فجميع أرياف حلب الشرقية ثم الرقة ودير الزور.
هنا حاول الحلم ايجاد تفاهم مع واقع جديد هبط فجأة من السماء بصفقة مفادها الآتي: “حسنا سنترك لكم الرقة ودير الزور وشرق حلب، وأنتم عليكم أن تتركوا لنا محافظة الحسكة”
وهي التي تضم أكبر تجمع للأكراد والحصن الحصين لقسد وحلفائها.
تبلغ مساحة الحسكة ضعف مساحة لبنان، وتعتبر من أخصب الأراضي السورية ويتوفر لديها فائض من الموارد المائية وسهول واسعة للزراعة والأهم من ذلك أنها تجاور كردستان العراق بحيث يمكن أن تشكل امتدادا له في المستقبل.
لكن الدولة السورية كانت تفكر بطريقة أخرى، فقد كانت تنظر للحسكة كجزء لا يتجزأ من التراب السوري، وهي ليست مستعدة للتخلي عنها خاصة بعد تراكم انتصاراتها منذ السيطرة على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وحتى إتمام السيطرة على الرقة ودير الزور.
وعندما انتقل الجيش العربي السوري للعمل داخل حدود محافظة الحسكة وبدأت الديمغرافيا الحقيقية تظهر في أن محافظة الحسكة تضم أغلبية عربية كبيرة أقل تقدير لها من قبل الدراسات الغربية المستقلة كان يشير الى 64% من السكان إضافة لأقليات أخرى تصل لحدود 10% من المسيحيين وغيرهم بحيث لاتصل نسبة الأكراد سوى الى 25% وربما أقل.
وترافق ذلك بشبه اجماع لدى مجلس الأمن عندما تطرق للوضع في سورية على تأييد وحدة سورية بحدودها المعروفة وتأييد الخطوات التي تخطوها الدولة السورية فيما يتعلق بحقوق الأكراد القومية ضمن الدولة السورية ، والأهم التأييد القوي للولايات المتحدة لموقف الدولة السورية ورفع الغطاء عن قسد ، أقول هنا ومع تقدم الجيش العربي السوري داخل أرياف الحسكة وبعض بلداتها العربية وعزمه على دخول مدينة الحسكة مما يعني انتهاء أي أمل بفصل الحسكة عن سورية وانهيارا تاما لحلم روج آفا أصبحت المسألة مختلفة كليا بالنسبة لقسد وحلفائها وصارت كما عبرت القيادية في قسد إلهام أحمد مسألة حياة أو موت .
هذا الواقع يفسر لماذا أصبح حل النزاع بين الطرفين صعبا بالوسائل السلمية، وزاد الطين بلة تدخل كردستان العراق بطريقة مكشوفة لدعم قسد بعد أن حاولت الظهور بمظهر الوسيط سابقا وكذلك وجود الآلاف من الفلول وكوادر حزب البي كي كي ممن ليس لديهم ملاذ آمن للانسحاب حال دخول الجيش العربي السوري وسيطرته على محافظة الحسكة.
وللأسف فمن الصعب ضمن المعطيات السابقة التفكير بحل سياسي للمواجهة الحالية في الحسكة.
ولا يبقى سوى أمل محدود بحدوث أمر طارئ يعيد تشكيل المشهد في الحسكة بحيث يبعد شبح الحرب. أمر طارئ يخرجنا من التحليل السياسي نحو مناخ التقلبات المفاجئة غير المتوقعة كما يحدث في هذه المنطقة في كثير من الأحيان.






