العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية شرطاً للاستقرار في سورية

محمد حسام حافظ

أضحى مفهوم العدالة الانتقالية من الركائز الأساسية في النقاشات الأكاديمية والعملية، سياسياً ومجتمعياً، بشأن كيفية تعامل الدول والمجتمعات مع تاريخها المفعم بالعنف والحروب والاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان، وبخاصّة في فترات ما بعد الثورات والحروب الأهلية، وبعد فترات حكم الأنظمة الشمولية والقمعية لدول ومجتمعات كثيرة. وبشكل عام، يجرى التعامل مع العدالة الانتقالية باعتبارها إطاراً قانونياً وأخلاقياً ومجتمعياً بهدف معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أداةً رئيسةً تعتمدها الدول والمنظمات الدولية وغير الحكومية للمساعدة في التغلّب على التحدّيات التي تترتب على العواقب الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، وإعادة بناء الدولة بعد تلك الفترات العصيبة.
ومن نافلة القول إن سورية تحتاج بصورة إسعافية إلى وضع أسس العدالة الانتقالية في هذه المرحلة التأسيسية لسورية الجديدة، فسورية كانت عرضةً للأسوأ في الأمرين معاً: حكمٌ استبداديٌ قمعيٌ مكث زمناً طويلاً، ومارس أبشع أنواع الانتهاكات بحقّ السوريين، وغيرهم من الشعوب، وثورةٌ عارمةٌ قمعها النظام بصورة إجرامية، ما أدّى إلى مزيد من الانتهاكات، وإلى ظهور جماعات إرهابية (تنظيم داعش) ارتكبت انتهاكات واسعة.
ويتضمن مفهوم العدالة الانتقالية مجموعةً من الآليات والإجراءات التي تهدف إلى تحقيق العدالة والمصالحة في آن معاً. ومن أبرز الآليات المحاكمات القضائية للمسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ولجان الحقيقة التي تهدف إلى كشف الحقائق وتوثيق الجرائم. كما يعتبر منح التعويضات للضحايا من الإجراءات المهمّة، إضافةً إلى إصلاح المؤسّسات الحكومية واجراء تعديلات في المناصب القيادية لتحقيق تغيير مؤسّساتي يدعم الحكم الرشيد، ويدمج جميع أطياف المجتمع في عملية إعادة البناء الوطني. ويعكس هذا التوسّع في مفهوم العدالة الانتقالية إقراراً عالمياً بأن معالجة الماضي وحلّ قضايا انتهاكات حقوق الإنسان المتراكمة لا يُعدّان واجباً أخلاقياً فحسب، بل أضحيا من أكثر الخطوات الأساسية أهميةً، الهادفة إلى بناء السلام الدائم والاستقرار السياسي. وفي الحالة السورية، تكتسب معالجة قضايا الانتهاكات الواسعة التي قام بها النظام (وغيره من القوى) أهميةً استثنائيةً، فبعد أن كانت المعالجة مستحيلةً بسبب سيطرة النظام على مقاليد الحكم واستمراره في سياساته القمعية، أفضى سقوطه، ليس إلى فتح المجال واسعاً لتطبيق إجراءات العدالة الانتقالية فحسب، بل إلى إمكانية ربط التوثيقات السابقة لانتهاكات النظام بالأدلة الواقعية الملموسة.

لا تقتصر المصالحة على حلّ القضايا القانونية فحسب، بل تشمل بناء عقد اجتماعي جديد بين المؤسّسات الحاكمة وبين المحكومين

وفي السياق نفسه، ثمّة مفهوم آخر يحمل في السياق السوري أهميةً متزايدةً هو مفهوم المصالحة الوطنية، إذ تُعدّ المصالحة شرطاً أساسياً لتحقيق السلام المستدام، ويُعتبر التصالح مع الماضي وتصحيحه، من خلال تقديم الاعتراف بالجرائم والانتهاكات التي ارتكبت، جزءاً لا يتجزأ من عملية بناء السلام الحقيقي، الذي يحمل أسباب استمراره. وعادة ما يجرى التوصّل إلى تسوية سياسية من خلال تفاوض بين الأطراف المتنازعة من أعلى إلى أسفل، ثمّ يأتي دور المصالحة الوطنية لتبدأ بإجراءات متنوعةٍ من أسفل إلى أعلى في سعيٍ إلى معالجة القضايا العالقة التي قد تؤدّي إلى عودة العنف إذا ما جرى تجاهلها. ولا تقتصر المصالحة على حلّ القضايا القانونية فحسب، بل تشمل بناء عقد اجتماعي جديد بين المؤسّسات الحاكمة وبين المحكومين، وكذلك بين أفراد المجتمع أنفسهم، وصياغة علاقات اجتماعية جديدة تقوم على الثقة والقبول المتبادل بين المجموعات التي كانت في حالة صراع. ويمكن القول (في الحالة السورية) إن المصالحة تعتبر شرطاً أوّلياً مسبقاً لإنشاء بيئة سليمة تمكن السوريين (على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم) من بناء العلاقات الجديدة، ليس بينهم أفراداً فحسب، بل بين مختلف المكوّنات السياسية والاجتماعية في المجتمع السوري. وصحيحٌ أن طريقة سقوط النظام لم تفسح المجال للتوصّل إلى تسويات سياسة حقيقية، بعد أن هرب رأس النظام وحلّت محلّه قوات عملية ردع العدوان، إلا أن التوصّل إلى شكل من أشكال التسوية السياسية مع خطوات دستورية متينة يعتبر شرطاً لازماً لا حياد عنه لاستقرار البلاد، والمضي قدماً بإجراءات المصالحة الوطنية، التي ستعزّز ذلك الاستقرار وتنقل سورية إلى مرحلة التعافي وبدء التنمية.
ورغم أن ثمّة تداخلاً مفاهيمياً بين مصطلحَي العدالة الانتقالية والمصالحة، إلا أن ثمّة فروقاً جوهريةً بينهما؛ فبينما تركّز العدالة الانتقالية في معالجة الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت، من خلال محاكمات قضائية عادلة وكشف الحقائق وإجراءات أخرى متنوّعة، فإن المصالحة تتعلّق ببناء علاقات جديدة بين الأطراف المتنازعة، وتهتم بتغيير النظرة الجمعية نحو الماضي المرير. ومع أن العدالة الانتقالية تسعى ضمن أهدافها إلى تحديد المسؤوليات من خلال محاكمات عادلة وتوفير تعويضات للضحايا، فإنها لا تتناول بالضرورة الجوانبَ الإنسانية والألم الجماعي الناتج عن النزاعات أو سنوات القمع. لذلك تتّجه التيّارات الحديثة وأفضل الممارسات إلى ضرورة تبنّي نهج شامل يدمج العدالة الجزائية والعدالة التصالحية، بحيث لا تقتصر العدالة الانتقالية على المسار القانوني، بل يجب أن تشمل أيضاً إجراءاتٍ تهدف إلى معالجة الألم الجماعي، واستعادة كرامة الضحايا، ودعم التئام الجروح الاجتماعية والنفسية التي خلّفتها الحرب أو سبّبها القمع طويل المدى الذي تعرّضت له تلك المجتمعات.
وربّما يعتبر السؤال الجوهري في هذا المضمار هو كيف يمكن أن تتكامل العدالة الانتقالية مع المصالحة بشكل فعّال وخاصّة في سورية؟… للإجابة، علينا أن نفهم العدالة الانتقالية عمليةً متعدّدةَ الأبعاد تشمل مستوياتٍ متنوعةً من العدالة والإجراءات المؤدّية إليها. وهذا يشمل الوصول إلى الحقيقة القانونية، وهي التحقيقات التي تهدف إلى تقديم دليل على الانتهاكات وتوثيق الجرائم التي ارتُكبت، والحقيقة السردية التي تقدّم القصصَ الشخصية للضحايا والجناة، والحقيقة الاجتماعية التي تنبثق من التفاعل بين الأفراد والجماعات في المجتمع. وعلى الرغم من إجراء العديد من الدراسات في هذا المجال، إلا أن هناك العديد من الفجوات البحثية والأسئلة المفتوحة التي لا تزال بحاجة إلى دراسة مستفيضة، وبخاصّة في الحالات المعقّدة والمتداخلة كالحالة السورية. فعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسات المقارنة أن تأثيرات آليات العدالة الانتقالية على المجتمعات ما زالت متفاوتة جدّاً، فبينما هناك من يدّعي أن قلّةً من الدراسات قدّمت دليلاً قاطعاً يثبت أن العدالة الانتقالية قد أسهمت فعلاً في بناء السلام، أو تعزيز احترام حقوق الإنسان، في المجتمعات التي عانت من النزاعات، تقترح دراسات أخرى العكس تماماً؛ فتبيّن أن إجراءات العدالة الانتقالية وبناء المصالحة الوطنية قد سارت جنباً إلى جنب، وأسهمت معاً وبشكل حثيث في تخطّي المحنة الوطنية، والوصول بالبلد المعني إلى برّ الأمان.
وفي معرض ذكر قصص النجاح، تبرز تجربة رواندا مثالاً مهمّاً في معالجة العدالة الانتقالية والمصالحة بعد الحرب. فقد تعرّضت رواندا في عام 1994 إلى واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث، فقُتل أكثر من 800 ألف شخص في مجزرة جماعية، استُهدِفت من خلالها طائفة التوتسي من أفراد من طائفة الهوتو. وعلى الرغم من الفظائع التي ارتكبت، تمكّنت رواندا من تجاوز هذه المأساة وإعادة بناء نفسها. ولم تنتظر الحكومة الرواندية تدخّل المجتمع الدولي، بل اتخذت خطوات جادّة لحلّ الآثار السلبية للنزاع من خلال المحاكم المحلّية التي كانت جزءاً من نظام العدالة المجتمعية، فكانت المحاكمات علنيةً وتهدف إلى معالجة الجرائم بطريقة تضمن محاسبة الجناة، وفي الوقت نفسه ترميم العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع. وتبرز تجربة رواندا أهمّيةَ أن تعتمد المجتمعات المتأثّرة بالحروب حلولاً محلّيةً مناسبةً لسياقاتها الثقافية والاجتماعية، وهو ما يفتح المجال أمام التفكير في تطبيق هذه التجربة في سورية، وعلى الرغم من السياق المعقّد الذي مرّت به البلاد، فبعد أكثر من 13 عاماً من الصراع، وبعد الانتقال من حكم استبدادي مطلق إلى مرحلة جديدة، يواجه السوريون تحدّيات مماثلة في تجاوز مآسيهم وبناء دولة مستقرّة تحترم حقوقهم الفردية والجماعية.

ينبغي التوافق سريعاً على الخطوات الدستورية لسورية المستقبل بما يضمن بناء الدولة والمجتمع على أسس العدالة والمصالحة

يكمن الردّ على هذا التحدّي بالنسبة لسورية في سرعة التوافق على الخطوات الدستورية لسورية المستقبل، بما يضمن بناء الدولة والمجتمع على أسس العدالة والمصالحة، مع التنبّه إلى أن تأخير إنجاز هذه التوافقات قد ينتج حالات من الفوضى والانقسام، وربّما الصراعات الداخلية، ما قد يؤدّي إلى إعادة إنتاج حالة مشابهة لتلك التي شهدتها ليبيا في مرحلة ما بعد معمّر القذّافي، أو حتى الصراعات التي شهدتها أفغانستان. ويتعيّن على السوريين أن يكونوا صادقين مع أنفسهم، فالتحدّيات الماثلة أمام سورية ليست في معالجة الماضي فقط، بل في بناء المستقبل على أسس مقبولة من المجتمع، من دون أن يُفرض عليه نموذج مُحدّد بفعل العوامل التي سبّبها شكل سقوط نظام الأسد الإجرامي، أو نتيجةً ضغوط خارجية. وستكون المشاركة في صنع القرار الدستوري والسياسي السوري الذي تنتجه إرادة جماعية قوية، مع وجود رؤية واضحة، والتزام حقيقي بالعدالة والمصالحة والشراكة، عناصر أساسية يمكن أن تقوم عليها استراتيجية السلام والتنمية في سورية. ومن الجانب الحكومي والعملي، لا بدّ من إنشاء وزارة خاصّة بالعدالة والمصالحة، ورفدها بالكوادر وتخصيص الأموال اللازمة لجهودها من الموازنة العامّة للدولة، ومن دعم الدول الصديقة، ومنحها تشريعياً الأدوات اللازمة لتنفيذ تلك المهمّة المُقدَّسة، ونجاحُها قد يعني نجاحَ العبور إلى سورية الحديثة التي نتمنّاها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. العدالة الانتقالية في سورية بعد هروب وسقوط طاغية الشام، موضوع مهم لكيفية تحقيق العدالة ما بعد الحروب الأهلية والثورات الشعبية كالحالة السورية، كيف عالجت المجتمعات الأخرى للإستفادة من تجاربهم، بإعتبار العدالة الانتقالية إطار قانوني وأخلاقي ومجتمعي بهدف لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المجتمع.

زر الذهاب إلى الأعلى