
أعلن المبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك (في تغريدة على منصّة إكس) أن أمام الأكراد في سورية فرصةً تاريخيةً في ظلِّ الحكومة الجديدة في دمشق، وأن غرض وجود قوات سوريا الديمقراطية (قسد) انتهى، وفقاً لاتفاق وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي في 18 يناير/ كانون الثاني الجاري، وصفه برّاك بـ”نقطة تحوّل محورية”، بعد سلسلة أحداث تلت مؤتمر باريس (6 يناير الحالي)، الذي لا تزال مُخرجاتُه غير مُعلَنة، وتضمّن جولة مفاوضات بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية، بالتزامن مع وجود وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في باريس. انسحبت “قسد” من مناطق تمركزها في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، لتنتقل المعارك إلى دير حافر ومسكنة والطبقة غربي الفرات، وكان هناك انشقاق سلس للعشائر العربية عن تنظيم “قسد” وانضمامها إلى القوات الحكومية، ما أنهى وجود “قسد” في تلك المناطق، وصولاً إلى كامل أرياف الرقّة ودير الزور وحقول النفط والسدود والمعابر الحدودية، وتسليم السجون التي تحتجز مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والمخيّمات التي تضمّ عوائلهم، إلى القوات الحكومية، إضافة إلى المرسوم رقم 13 الذي أصدره الشرع، ويعترف بالحقوق الثقافية للسوريين الأكراد وحقّ التعليم باللغة الكردية والاحتفال بعيد النوروز عيداً وطنياً، ومنح الجنسية لمكتومي القيد منهم الأكراد، الذين استثناهم إحصاء العام 1962.
ما كان لهذا السيناريو الدرامي أن يحصل بهذا اليُسر، لولا التدبير الأميركي المباشر؛ فنصُّ تغريدة برّاك يقول إن الوضع قد تغيّر، وإن سورية تمتلك حكومةً مركزيةً معترفاً بها، انضمّت إلى التحالف الدولي لهزيمة بقايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). لم يُظهر الأميركيون سياسات واضحة تجاه ترتيب الوضع الداخلي السوري، سوى بعض الأهداف مثل هزيمة “داعش” ومنع عودة النفوذ الإيراني، وخطوط حمراء تتعلّق بأمن الكيان الإسرائيلي، لكنّ سياساتها كانت (طوال السنوات السابقة) تركِّز في الإمساك بخيوط التحالفات والتوازنات بين الدول المتدخّلة في الشأن السوري. ومع المتغيّرات الكبيرة التي حصلت (وتحصل) في المنطقة: الحرب الإسرائيلية على غزّة، والصراعات في اليمن والسودان، وانشغال روسيا في حربها في أوكرانيا، وانهيار محور المقاومة الإيراني وسقوط نظام الأسد واهتزاز النظام في طهران… تحاول الولايات المتحدة ترتيب المنطقة من دون خطّة واضحة المعالم، سوى حسابات ترامب الشخصية، التي لا تخلو من نرجسية، إذ يسعى إلى الظهور بمظهر رجل السلام الذي يطفئ الحروب، من دون إيجاد حلول جذرية للصراعات المستمرّة، عبر دعم أطراف، أو سحب الدعم عن أطراف أخرى، تبعاً للصفقات المُبرَمة. وعلى هذا جاء الدعم الأميركي لـ”سورية موحّدة” بقيادة الشرع، ورُفع الغطاء الأميركي والدولي عن “قسد”، ما يتعارض مع الأجندات الإسرائيلية التي عملت منذ لحظة سقوط نظام الأسد (وقبل ذلك) على تفتيت الجغرافية السورية دينيّاً وعرقيّاً، وهذا يطرح تساؤلاً حول كيف أُرضيت تل أبيب، وما شكل الاتفاق في الجنوب السوري الذي وُقّع في باريس قبيل سلسلة عمليات تفكيك “قسد”.
تحاول الولايات المتحدة ترتيب المنطقة من دون خطّة واضحة المعالم، سوى حسابات ترامب الشخصية، التي لا تخلو من نرجسية
يصرّ الاحتلال على أن يكون الجنوب السوري (محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء وريف دمشق الجنوبي) منطقةً خاليةً من السلاح (السنّي)، وعلى الأرجح سيعاد ترتيب الوضع في السويداء بما يخدم توحيد الأراضي السورية، فيما ما يزال مجهولاً إن كانت ستعود قوات الاحتلال إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر/ كانون الأول (2024)، كما يحضر اعتراف ترامب بضمّ مرتفعات الجولان إلى دولة الاحتلال، وهل سيكون هناك اعتراف مقابل من الجانب السوري، وكيف سيُمرّر داخلياً؟
كان لإنشاء “قسد” من التحالف الدولي أهدافٌ أمنية وعسكرية محصورة بمحاربة “داعش”، وعلى ذلك تشكّلت من مقاتلي “بي واي دي” ومجلس العشائر العربية، ولم يتبنَّ الأميركيون أو الفرنسيون يوماً تقديم دعمٍ لطموحات حزب العمال الكردستاني، وجناحه السوري، بالحكم الذاتي (الفيدرالي)، لكنَّ اليد العليا في إدارة منطقة شرق الفرات كانت للجناح الكردي التابع لحزب العمال الكردستاني، بعد إقصاء (وقمع وطرد) أحزاب المجلس الوطني الكردي التي خالفت تلك الطروحات، فيما كان الوجود العربي العشائري متعلّقاً بمصالح تلك العشائر والدعم العسكري والتدريب والتمويل الذي تتلقّاه من التحالف الدولي، الذي سمح لها بالبقاء في مناطقها تحت سقف قوات سوريا الديمقراطية و”الإدراة الذاتية”، وهي من انقلبت على التنظيم بتنسيق مع الأميركيين والسلطة السورية، على أن تبقى في قيادة مناطقها، شأنها شأن باقي الفصائل، العربية السنّية، في مناطق متفرّقة. وهذا أنهى وهم حزب العمال الكردستاني، والوحدات الكردية، في إمكانية إقامة كيانٍ قومي، اعتقاداً منهم باستمرار الدعم الغربي، ومن دون قراءة للمتغيّرات والصفقات، ولا للدعم الذي تتلقاه حكومة الشرع، كما اعتقدوا باستمرار الدعم الإسرائيلي وقدرته على التأثير في القرار الأميركي.
اليد العليا في إدارة منطقة شرق الفرات كانت للجناح الكردي التابع لحزب العمال الكردستاني، بعد إقصاء (وقمع وطرد) أحزاب المجلس الوطني الكردي
حاولت قوات سوريا الديمقراطية ومجلس سوريا الديمقراطية (مسد) الالتفاف على تطبيق اتفاق 10 مارس (2025)، الذي يعطي “قسد” ميّزاتٍ ضمن الحكومة الجديدة، فقدت أغلبها في اتفاق 18 يناير (2026)؛ ومن بين ما عملت عليه بناء تحالف أقليات تدعم الطروحات الفيدرالية، في السويداء وفي الساحل. الانفصال الذي فرض نفسه في السويداء بعد المعالجة الأمنية الخاطئة للسلطة والتدخّل الإسرائيلي، كان عسيراً في الساحل بعد مجازر مارس (2025) بحقّ العلويين، بسبب قدرة السلطة على السيطرة من جهة، وغياب الدعم الخارجي، وعدم قدرة فلول النظام من العلويين ومشايخهم على خلق إجماعٍ علوي له وزن حول مشروعهم، وارتفاع أصواتٍ وازنة بين النُّخب من أصول علوية ترفض تلك الطروحات. في إعلان برّاك انتهاء مهمَّة “قسد”، أيضاً إعلان انتهاء الطروحات الفيدرالية في السويداء والساحل والوسط على أسس طائفية، وتوحيد الجغرافيا السورية تحت سلطة الشرع، وهذا لا يعني قدرة الأخيرة على السيطرة الفعلية في المدى القريب والمنظور. فمن الواضح أن هناك حالة تفكُّك مناطقية في كل الأراضي السورية، مع وضوح قوّة العامل المناطقي والعائلي في تشكيل الفصائل، وعودتها إلى مناطقها، وغياب دور الدولة خصوصاً في تقديم الخدمات ودعم عملية التنمية الاقتصادية، وغياب السياسات حول كيفية الاستفادة من الموارد النفطية والزراعية المتاحة، وهي ليست وفيرة بشكل كافٍ، واستغلالها بما يخدم النهوض بالوضع السوري ويحقّق الاستقرار.
يُعتبر المرسوم 13 بمثابة وعدٍ رمزي من الرئيس الشرع بالإعلاء من شأن الخصوصية الثقافية للقومية الكردية، ومن الأجدى للمقاتلين الأكراد التركيز في مفاوضاتهم في كيفية مأسسته ضمن الدستور، بدلاً من التعنّت في تبنّي أوهام الاستقلال والاحتفاظ بكتلتهم العسكرية. إلا أنَّ السلطة اتَّجهت إلى ترسيخ حكم الفرد في “مؤتمر النصر”، وفي “الحوار الوطني” الهزيل، وفي صيغة الإعلان الدستوري، وفي سيطرة شخصيات هيئة تحرير الشام على وزارات الدولة ومؤسّساتها، وفي تشكيل مجلس شعب مطواعٍ للسلطة، وعليه (حال إتمام تشكيله) أن يصادق قرارات السلطة داخلياً وخارجياً؛ فيما جاء الدعم الأميركي الكبير لتمكين الشرع، بتوصيات خليجية (سعودية خصوصاً)، ليشجِّع هذا الميل إلى حكم مركزي منفرد، يحول دون تعديل الإعلان الدستوري أو تقديم ضمانات دستورية وعبر مؤسّسات مستقلّة، خصوصاً القضاء، لتنفيذ أيّ وعود كُتبت على الورق في المراسيم أو الدساتير حول المواطنة والمساواة بين السوريين.
المصدر: العربي الجديد






