
أعلن البيت الأبيض أنه بموجب الخطة لإنهاء الحرب في غزّة، المدعومة من واشنطن، سيشكّل “مجلس للسلام” برئاسة دونالد ترامب. وفي اجتماع مجلس الأمن منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي (2025)، أشادت الأمم المتحدة بالمبادرة، لكنّها حدّدت نطاق عملها في حلّ الحرب في غزّة. لكنّ مشروع “الميثاق” الذي نشرته بعض المواقع يكشف، في النهاية، مبادرةً، وتفويضاً أوسع بكثير من مجرّد قضية غزّة (لم يُذكر أمرها مطلقاً في ثماني صفحات من النصّ)، ويبدو أنه يجعل من المجلس بديلاً حقيقياً من الأمم المتحدة. “مجلس السلام منظّمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الموثوق والمشروع، وضمان السلام الدائم في المناطق المتأثّرة أو المهدّدة بالنزاعات”، كما ورد في ديباجة النصّ المرسل إلى الدول “المدعوة” للمشاركة فيه.
يرى ترامب أن “الأمم المتحدة مجرّد كلمات فارغة، والكلمات الفارغة لا تحلّ الحروب”، كما صرّح في وقت سابق، وكما اعتاد العالم لغته المُستخِفّة بكل أمر، مهما كانت أهميته أو حساسيته في ما يخص العالم. وبحسب الميثاق، سيكون دونالد ترامب “أول رئيس لمجلس السلام”، الذي تمتدّ صلاحياته بشكل واسع: فهو الوحيد المخوّل بـ”دعوة” رؤساء الدول والحكومات الآخرين للانضمام إليه، ويمكنه إلغاء مشاركتهم إلا في حالة “فيتو من أغلبية ثلثَي الدول الأعضاء”. ويمكنه “تعيين خليفة” له في “أيّ وقت”، ولا يمكن استبداله إلا في حالة “استقالة طوعية” أو “عجز” يُقرَّر بالإجماع من “المجلس التنفيذي” للمجلس، والذي يشكّله بحسب تقديره الخاص. وهذا يزكّيه ليكون رئيساً مدى الحياة؛ فالأبدية، على ما يبدو، ليست طموح طغاة عالمنا، الذي لم يعُد له تصنيفٌ بحسب التراتبية التي درجت على تصنيف الدول والشعوب إلى عالم أوّلَ وثانٍ وثالثٍ وغير ذلك، بل إن الأبدية طموح الرئيس الأميركي، صاحب الشخصية النرجسية والمُعجَب بحنكته وقدراته الفريدة في قيادة العالم.
في الواقع، ومنذ ولايته الأولى، أظهر ترامب نيّاته الواعدة في “تغيير النظام العالمي” وإعادة صياغته وفق أسس وقواعد يراها الأكثر ملاءمة وصحّة ممّا كان عليه العالم منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، بل حتى منذ انتهاء الحرب الباردة. وهو ما فتئ يطرح رؤاه ويفاجئ العالم بمواقفه وتقويماته؛ سواءٌ كان موقفه من أوروبا، أم من الصين، أم من روسيا وفلاديمير بوتين. ولم يكتفِ بمواقفه وفرض واقع في المناطق الجغرافية التي يرى فيها حليفاً قوياً أو خصماً يجب إعادة إدارة الخصومة معه. ومن هذه المناطق أو الملفّات منطقة الشرق الأوسط.
في الحرب الروسية الأوكرانية قلب ترامب الطاولة، ودفع بأوروبا إلى عنق زجاجة تكاد تختنق فيها
في الحرب الروسية الأوكرانية قلب الطاولة، ودفع بأوروبا إلى عنق زجاجة تكاد تختنق فيها. فقد صرّحت إدارة البيت الأبيض في عهد ترامب بأنها لن تكون الضامن الرئيس للأمن الأوروبي بعد الآن، وأن على الدول الأوروبية أن تكون مسؤولة عن دفاعها الخاص، وأن تتحمّل تكاليفه. كما كرّر دونالد ترامب عدّة مرّات: “إذا لم تدفع دول ناتو، فلن أحميها. لا، لن أحميها”، علماً بأنه، وعلى مدى نحو 80 عاماً، كانت الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي موثّقة في المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي، التي تنصّ على أن أيّ هجوم على دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. وفي الواقع، لم يكن دونالد ترامب الأول الذي طرح هذا الأمر، فقد حثّ باراك أوباما في العام 2016 حلفاء “ناتو” على زيادة إنفاقهم قائلاً: “لقد أظهرت أوروبا أحياناً التهاون في ما يتعلّق بالدفاع عن نفسها”. هذه السياسة الأميركية التي صارت أكثر صرامةً في عهد ترامب، دفعت الدول الأوروبية إلى زيادة ميزانياتها الدفاعية، وأعادت إلى الطاولة مشكلات التجنيد وتأهيل جيوشها وزيادة تعدادها من جديد. وصار أحد التحدّيات الكُبرى التي تواجه أوروبا، على وجه الخصوص، من الآن فصاعداً، هو مسألة كيفية التسليح بشكل ملائم، بعدما عاشت برفاهية السلام عقوداً خلت.
ترامب وجمهوره يرون في بوتين زعيماً قوياً يجسّد العديد من القيم المحافظة التي يشاركونه إياها
أما ما يبدو أنه يشاركه مع فلاديمير بوتين فهو الرغبة في عالم تكون فيه القوى الكُبرى، غير المقيّدة بالقوانين المعترف بها دولياً، حرة في فرض إرادتها على الدول الأصغر والأضعف، كما فعلت روسيا تقليدياً في إمبراطورياتها القيصرية والسوفييتية. وهذا يعني العودة إلى نظام “مناطق النفوذ” الذي ساد 40 عاماً بعد الحرب العالمية الثانية. إن مواقفه وتصريحاته في ما يخصّ أوكرانيا والرئيس الروسي، حتى لو كانت متذبذبة أحياناً، تبدو مسارَ إعادةِ تموضعٍ دبلوماسي أميركي يضعف كييف ويزعزع النظام الدولي. ترامب وجمهوره يرون في بوتين زعيماً قوياً يجسّد العديد من القيم المحافظة التي يشاركونه إياها، وهو لا يُخفي إعجابه بالرجال “الأقوياء” بحسب مقياسه للقوة، الذي لا يعير القيم والقوانين الدولية أيّ قيمة.
القانون الدولي مرّة أخرى تحت الاختبار مع جموح الرئيس ترامب، الذي ينظر إلى نفسه (بل يمارس سلوكاً) مالكاً القوة في أعلى مستوياتها، فهو يستطيع “سحب أيّ رئيس دولة ذات سيادة” من سرير نومه ومحاكمته وفق قوانين الولايات المتحدة، ويبيع ويشتري أراضيَ وشعوباً كما يطمح ويطمع؛ من غزّة إلى الجولان التي أهداها إلى إسرائيل، إلى غرينلاند أخيراً.
دونالد ترامب ماضٍ في حلمه الذي لم يدغدغه منذ توليه الرئاسة في ولايته الأولى، بل إنه حلمٌ متجذّرٌ في خَلده. كما جاء في مقالة منشورة في “بي بي سي” في 29 مارس/ آذار 2025 بقلم ألان ليتل، فإن نقد الرئيس ترامب للنظام الدولي بعد عام 1945 يعود إلى عقود، فقبل ما يقرب من 40 عاماً، نشر صفحات كاملة من الإعلانات في ثلاث صحف أميركية لانتقاد التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن ديمقراطيات العالم: “لعقود، استفادت اليابان ودول أخرى من الولايات المتحدة”، وكتب في 1987: “لماذا لا تدفع هذه الدول للولايات المتحدة مقابل الأرواح البشرية والمليارات من الدولارات التي تخسرها لحماية مصالحها؟”.
القانون الدولي تحت الاختبار مع جموح الرئيس ترامب، الذي ينظر إلى نفسه مالكاً القوة في أعلى مستوياتها
“العالم يضحك على السياسيين الأميركيين، بينما نحمي سفناً لا تخصّنا، تحمل نفطاً لا نحتاج إليه، متجهة إلى حلفاء لا يريدون مساعدتنا”. وهذه التصريحات ما برح يكرّرها منذ تولّيه السلطة في الولاية الحالية. لقد خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية قائدةً للعالم الحرّ. وبينما كانت تبسط قوتها في جميع أنحاء العالم، أمضت عقوداً ما بعد الحرب في إعادة تشكيل جزء كبير من العالم على صورتها. ونشأ جيل الطفرة السكّانية في عالم أصبح يشبه الولايات المتحدة أكثر من أيّ وقت مضى في شكل حياته وصوته وتصرّفاته. أصبحت الولايات المتحدة القوة المهيمنة ثقافياً واقتصادياً وعسكرياً في العالم الغربي. فهل ستبقى بهذه القوة، وتبقى “الترامبية” نموذجاً قيادياً للعالم وعنوان النظام العالمي الجديد؟
هل عنوان الحقبة المقبلة للعالم هو “عقيدة ترامب”، بعد أن أدّت دورها في العقود الماضية “عقيدة ترومان”، التي قامت فكرتها على أن “المساعدة في الدفاع عن الديمقراطية في الخارج أمر حيوي لمصالح الولايات المتحدة الوطنية”، والتي نجم عنها مبادرتان أميركيتان كبيرتان: خطّة مارشال، وهو برنامج مساعدات واسع يهدف إلى إعادة بناء الاقتصادات الأوروبية المدمّرة، وإنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) في عام 1949، الذي كان مخصّصاً للدفاع عن الديمقراطيات ضد الاتحاد السوفييتي الذي كان قد وسّع سيطرته في الجزء الشرقي من أوروبا.
هذا كلّه صار (على ما يبدو) من الماضي، وعلى أنقاضه يشيّد دونالد ترامب أسس نظام عالمي جديد، وفق “مجلس سلام” يدفع بالأمم المتحدة ومنظماتها، خاصّة مجلس الأمن، إلى الظلّ، وينصّب نفسه رئيساً إلى الأبد، وإلا: “يحرق العالم”.
المصدر: العربي الجديد






