
يتردّد في الآونة الأخيرة تعبير أن «قسد لا تُمثّل الأكراد»، في مسعى لإنصاف الأكراد، والتفريق بين أهداف التنظيم اليساري المتطرّف والمجتمع الكردي في سوريا، وخياراته التي قد تتقاطع مع «قسد» أو تكون مفارِقة لها. غير أنّ فكرة «فصل قسد عن الأكراد» باتت تُطرح كحلٍّ ناجز، وكأن المشكلة لغوية أو شكلية، في حين يتم تجاهل حقيقة أن «قسد» ليست مجرّد ذراع عسكرية يمكن نزعها عن محيطها الاجتماعي، ولا هي في الوقت نفسه تعبير صادق عن ذلك المحيط.
فهي كيان فُرض بالقوة والسلاح، نشأ وتجذّر نتيجة للفراغ وانعدام المشاريع البديلة، ويرى فيها كثير من الأكراد الجهة الوحيدة، حاليًا، القادرة على حماية حقوقهم ومكتسباتهم في مواجهة الظلم التاريخي الذي لحق بهم خلال المئة عام الماضية.
تاريخيًا، عرّف الأكراد أنفسهم بوصفهم جزءًا من المجتمع الإسلامي الكبير، وكان انتماؤهم الكردي جزءًا من الهوية الإسلامية الأوسع أولًا، وتابعًا لانتمائهم المجتمعي المحلي ثانيًا. فالكردي الإيراني هو إيراني أولًا ذو خصوصية كردية، والكردي التركي جزء من النسيج الأناضولي. غير أنّ صعود الخطاب القومي التركي، وتهميش الأكراد، أسهما في بروز الهوية الكردية بوصفها إطارًا جامعًا لأولئك الذين جرى «إقصاؤهم من مجتمعاتهم».
مع الاتفاقات التي أبرمها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، ثم «قسد»، مع نظام الأسد أولًا، ومن بعده واشنطن، توفّر فائض قوة سمح بإشعال المخيّلة الكردية بفكرة تأسيس دولة قومية كردية مستقلة في شرقي الجزيرة، متجاهلين الواقع الجغرافي القائم على التنوّع الإثني والديني بوجود العرب والآشوريين والسريان وغيرهم.
وإذا كان العرب قد طوّروا شكلًا مشوّهًا أو غير مكتمل من الهوية القومية والسياسية، ثم أنشؤوا دولهم القومية، فإن الأكراد تشتّتوا بين المراكز الإقليمية الكبرى: التركية والعربية والإيرانية. وقد دُفعوا إلى الهامش، قوميًا على مستوى الخطاب، وسياسيًا على مستوى الدولة.
في سوريا، بدأ إقصاء الأكراد وتهميشهم منذ عام 1962، ومع تولّي حزب البعث السلطة تطوّر الأمر إلى اضطهاد ممنهج، واعتبارهم خطرًا على المشروع القومي العربي. والأخطر أن نظام الأسد حوّلهم لاحقًا إلى إحدى القنابل الموقوتة في المجتمع السوري؛ إذ لم يكتفِ بحرمانهم من الجنسية، بل لجأ إلى التلاعب الديمغرافي ومصادرة الأملاك. وترك عرب الجزيرة في حالة تصادم دائم مع الأكراد، من خلال قوانين الاستملاك وإجراءات دوائر النفوس، ما أوجد حالة من الحشر والطرد أدّت إلى تهجير كثير من الأكراد من بيوتهم وأراضيهم.
إن غياب القانون العادل، وسنّ تشريعات تهدف إلى زعزعة الاستقرار وضياع الحقوق، أسهما في خلق توتّر دائم بين العرب والأكراد في الجزيرة السورية، وغضب مكتوم لدى الأكراد، كان قابلًا للانفجار في أي لحظة.
وقد حانت لحظة الانفجار مع ثورة الكرامة عام 2011، حين خرج الجميع مطالبين بحقوقهم، ومنهم الأكراد. غير أنّ نظام الأسد، بما يمتلكه من خبرة وموارد، وبحكم تحالفه التاريخي مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، لم يجد صعوبة في تحويل غضب الأكراد نحو جيرانهم الأقربين، حيث الخلافات اليومية والقانونية المتراكمة. فالغضب والثأر المكبوتان يمكن تفريغهما بسرعة وبكلفة أقل تجاه المحيط الاجتماعي، بدل توجيههما إلى النظام ذاته، بوصفه أصل الأزمة ومنبعها.
وفجأة، وجد الأكراد أنفسهم يمتلكون السلاح والموارد، وفصيلًا مسلّحًا قادرًا على إنتاج خطاب شعبوي تعبوي، ومستعدًا للنضال والتضحيات تحت شعار رفع الظلم واستعادة الحق التاريخي المسلوب. ومع انتشار السلاح وانسحاب قوات النظام من الواجهة، تحوّلت الخلافات البينية على الأراضي والعقارات ومنظومة الاستملاك — وهي خلافات زرعها النظام ورعاها — إلى صراعات دموية بين فصائل ثورية محلية محسوبة على التيار الإسلامي والعربي، والفصائل الكردية، منذ عام 2012. ومع ظهور تنظيم «داعش»، تلاشت الحدود بين الصراعات ذات الطابع الثأري والخلافات العائلية القديمة، وجرى حشرها جميعًا في خانة «التحرير» و«استعادة الأرض والكرامة».
ومع الاتفاقات التي أبرمها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، ثم «قسد»، مع نظام الأسد أولًا، ومن بعده واشنطن، توفّر فائض قوة سمح بإشعال المخيّلة الكردية بفكرة تأسيس دولة قومية كردية مستقلة في شرقي الجزيرة، متجاهلين الواقع الجغرافي القائم على التنوّع الإثني والديني بوجود العرب والآشوريين والسريان وغيرهم، وكذلك الواقع السياسي والقانوني المتعلق بطبيعة الدولة الوطنية الحديثة، ودولة المواطنة التي لا تحتمل منطق «نقاء العِرق» في تأسيس الدولة.
وقد فاقم هذه الإشكالية غياب حوار كردي–عربي فاعل، نتيجة للمجازر، والفوضى، وانشغال القوى الثورية بنكباتها الوجودية.
تدرك دمشق جيدًا أن فكّ الارتباط بين المجتمع الكردي و«قسد» لا يتم عبر العمليات العسكرية، بل من خلال طرح مشروع قانوني ودستوري واضح، يضمن الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد بوصفهم جزءًا أصيلًا من النسيج السوري.
خطاب قسد المتطرّف يطغى على حقائق الأرض
استحلّت «قسد» الفضاء الكردي بكل أبعاده: خطاب يساري متشدّد، مناهج دراسية أيديولوجية تمجّد الزعيم، وبنية أمنية صلبة تُحاكي نموذج نظام الأسد، واعتقالات تطول كل من يعترض أو يخرج عن الخط المرسوم.
ورغم ذلك كلّه، أضحت «قسد» تمثّل الأكراد سياسيًا، لا لأنها تعبّر عنهم، بل لأن الفراغ فرضها ممثّلًا قسريًا. فلا توجد اليوم جهة كردية أخرى مسموح لها بالعمل، أو قادرة على البقاء، أو تملك الحد الأدنى من القوة العسكرية والتنظيمية. فجميع البدائل إما أُقصيت، أو أُضعفت، أو سُحقت، أو لم يُسمح لها أصلًا أن تتشكّل. ويُعدّ تيار مشعل تمّو شاهدًا حيًا على طبيعة الصراع على «الشرعية الكردية».
هكذا وجد الأكراد أنفسهم أمام معادلة قاسية: لا يؤمنون بمشروع «قسد» ولا بأيديولوجيتها، لكنهم لا يجدون غيرها. إنه خيار الضرورة الناتج عن انسداد كامل لكل البدائل القادرة على حمايتهم. ومن هنا نشأ الارتباك الكردي: كيف يمكن الدفاع عن كيان لا يشبهك، لكنه الوحيد القادر على حمايتك، من دون أن يعني ذلك تبنّيه؟ وكيف يمكن الاعتراض عليه، من دون أن يُفسَّر ذلك تخليًا عن «القضية» أو خدمة لخصومها؟
تدرك دمشق جيدًا أن فكّ الارتباط بين المجتمع الكردي و«قسد» لا يتم عبر العمليات العسكرية، بل من خلال طرح مشروع قانوني ودستوري واضح، يضمن الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد بوصفهم جزءًا أصيلًا من النسيج السوري. ومن هنا جاء إصدار المرسوم الرئاسي الذي يكفل هذه الحقوق قانونيًا، إدراكًا بأن «قسد» تستمد جزءًا كبيرًا من شرعيتها وقوتها من فراغ القانون، ومن الخوف من العودة إلى ما قبل عام 2011.
واليوم، وقد قدّمت الحكومة السورية لأخوتنا الأكراد وطنًا قانونيًا يغنيهم عن المظلّة الأمنية، وحقوقًا متساوية مع سائر السوريين، والأهم أنّ العرب والعشائر — رغم الجراح المتبادلة — استقبلوا مبادرة رئاسة الجمهورية بالقبول، ومدّوا يد الأخوّة، وأبدوا استعدادًا صادقًا لطيّ صفحة الماضي؛ فإننا، وباستثناء أتباع حزب العمال الكردستاني (PKK)، قد نشهد انفصالًا شبه كامل بين الأكراد والتنظيم في المستقبل القريب.
ومع الاتفاق الأخير، سيكون التنظيم أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الانخراط في المشروع الوطني السوري الوليد، أو العودة مجددًا إلى جبال قنديل.
المصدر: تلفزيون سوريا






