المسافة بين الفكرة والكتابة

حسن مدن

“الأفكار مطروحةٌ على قوارع الطريق” يقول الجاحظ. … غالبيَّة الجدَّات في العالم يروين حكاياتٍ ممتعة وباعثة على الفضول لأحفادِّهن، ولكنَّ هذه الحكايات لا تصير أدباً إلا إذا تناولها كاتب موهوب، وتظلّ المسافة بين الفكرة المطروحة على الطريق والكتابة شاسعة، وليست قصيرة كما نتخيّل.
كتب جورج أورويل مقالة “لماذا أكتب”، بعد سبع سنوات على صدور روايته الشَّهيرة “مزرعة الحيوان”. خلال هذه السنوات لم يكتب رواية أخرى، لكنَّه أفصح في المقال عن رغبته في إصدار رواية تالية، قال جازماً إنَّها ستكون فاشلة.
لماذا هذا الجزم بالفشل؟ … يجيب أورويل نفسه: “كلُّ كتاب هو فشل”. لكنَّه كتب، في المقال نفسه، مستدركاً: “ولكنَّني أعلم بشيءٍ من الوضوح أيَّ نوعٍ من الكتبِ أريد كتابته”. جاءت الرِّواية التَّالية بعد عامين، وهي “1984”، التي حين أعاد قراءتها بعد صدورها، شعر بالحزن والإحباط، لا بل واليأس، وقال فيها قولته الشهيرة: “فكرة جيّدة، لكنَّني أفسدتها”. كأنَّ ما هجس به قبل كتابتها ظلّ مهيمناً عليه.
لم تكن تلك الرِّواية فاشلة. لقد دخلت التَّاريخ الروائي، لا في وطنه بريطانيا وحدها، بل في أوروبا والعالم بكونها واحدةً من الروايات المهمَّة، شأن “مزرعة الحيوان”، ففيها نبوءة عبقريَّة عن مآل الدولة الاستبداديَّة التي بلغناها اليوم، التي تنتهك حريَّات الأفراد وخصوصيَّاتهم، فيما تحيط هي أسرارها بحيطان يصعب اختراقها رغم التَّكرار المملِّ لمفردة الشَفافيَّة.
ليس أورويل الكاتب الوحيد الذي تؤرِّقه فكرة كتاب، وتظل ملازمة له سنوات، وحين ينتهي من كتابته يكتشف أنَّ الفكرة التي كانت في ذهنه أعمق وأجمل من التي نفذها على الورق. أما ميلان كونديرا، فيرى أنّ لدى الكاتب فكرة واحدة، يكرّس لها كل كتاباته، كأنّه يرى أنّ تلك الفكرة تتجلى بعمق أكبر في واحدٍ من كتبه، فيما بقيّة الكتب تنويعات على الفكرة نفسها.
في الفترة التي عكف فيها غابرييل ماركيز على كتابة روايته “خريف البطريرك” كان يدوّن، في الآن نفسه، على كرّاسٍ حبكات قصص أو حتى قصصاً كاملة، وبعد حين بحث عن هذا الكرّاس فلم يجده، وهذا شائع لدى الكتّاب الذين يتنقلون في العيش من بلدٍ إلى آخر.
بعد سنوات، وكان ماركيز يُرتب أوراقه لينقلها معه من المكسيك إلى كولومبيا وجد، على ما قال، “شذرات فالتة على قصاصات تحمل بعض حبكات تلك القصص أو أفكارها”، ليجد نفسه منهمكاً في إعادة كتابتها، وعندها لاحظ أنّها بكتابتها، بعد مرور الزمن، حملت أكثر مما كانت ستحمله لو أنّه أنجزها ونشرها يومذاك، بل يسرّ ذلك له أن يضع تلك القصص “في أجواءٍ هي مزيج من الماضي والحاضر”.
لا يدهشنا هذا القول لماركيز، فكتّاب آخرون ليسوا بموهبته يفعلون الشيء نفسه، حين يعودون إلى مسودات كتب وضعوها سابقاً، ويعيدون الشغل عليها، فتظهر أنضج وأكثر تماسكاً مما كانت ستكون عليه لو أنجزوها وقت أن خطرت في أذهانهم أول مرة. أيكون هذا ناجماً عمّا بلغوه من نضج ومراس في تجربتهم الكتابية والإبداعية، أم أنّه يعبّر عن إحساس بأنّ تلك الكتب كان يمكن أن تكتب، حتى في حينه، بصورة أفضل من قبلهم؟
الأرجح أنّ أحد الأسباب أنّ الكتابةَ ليست سوى ممكن واحد بين عدَّة ممكنات. الحكاية ذاتها يمكن أنْ تقالَ على أكثر من وجه، وينتاب الكاتبَ الشُّعور بالإحباط حين يدرك أنَّه كان بإمكانه أنْ يحكيها بأفضلَ ممَّا فعل. الكاتب يشعر بذلك أكثر من القرَّاء، لا بل وحتى من النُّقاد أحياناً.
“تأليف كتاب صراع رهيب ومرهق، كما لو كان نوبة طويلة من مرضٍ مؤلم، والكاتب لنْ يحاول القيام بفعل كتابة الكتاب إلا إذا كان مدفوعاً بشيطان ما لا يمكن للكاتب مقاومته ولا فهمه”. … هذه –تقريباً– كلمات أورويل في شرح ذلك، ولأنَّه كان في صدد الاجابة عن السُّؤال الذي يواجه أيَّ كاتب: لماذا أكتب؟ فإنَّه يُصرِّح بأنَّه كلَّما افتقر للقصد السياسي كتب كتباً بلا روح.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى