” العدو” في “هندسة” المرحلة المقبلة

محمد أبو رمان

يأتي القرار الأميركي، تصنيف جماعات الإخوان المسلمين في كل من الأردن ولبنان ومصر إرهابية، في سياق سياسي وأمني أوسع، يتجاوز الاعتبارات القانونية المباشرة، ويرتبط بوضوح بحرب غزّة وتداعياتها، وبالدور المتصاعد للحركة المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة، التي تنظر إلى إسرائيل حليفاً عقائدياً واستراتيجياً، وترى في حركات الإسلام السياسي السنّي، وفي مقدمها الإخوان المسلمون، تهديداً مركزياً للاستقرار الإقليمي ولمعادلة الأمن الإسرائيلي.
لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تبريراته السابقة أنّ إسرائيل تمثّل الدافع الرئيس لهذا القرار، وهو ما ينسجم مع ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في لقاء له مع ممثلي الحركة المسيحية – الصهيونية، أنّ الإخوان المسلمين العدو الأبرز لإسرائيل في العالم الإسلامي السنّي، مقابل إيران وحلفائها في الفضاء الشيعي. ويعكس هذا التقسيم رؤية أمنية إسرائيلية تسعى لإعادة تعريف الخصوم وفق خطوط أيديولوجية وطائفية، بما يخدم مشروع الهيمنة الإقليمية.
وإذا ما ذهبنا أبعد من هذا، يندرج القرار الأميركي ضمن عملية “هندسة استراتيجية” جديدة للشرق الأوسط، تقوم على إعادة رسم خريطة الحلفاء والأعداء، وتحديد القوى المقبولة وغير المقبولة في المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، يلتقي موقف إدارة ترامب مع حكومة نتنياهو ومع سياسات عدة دول عربية ترى في الإخوان المسلمين خطراً داخلياً وإقليمياً، وقد ساهم بعضها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الدفع نحو القرار، من خلال دعم مراكز تفكير ولوبيات ضغط تعمل منذ سنوات على إدراج الجماعة ضمن قوائم الإرهاب.
على المستوى العملي، لا تترتّب عن القرار تداعيات قانونية جوهرية على فروع “الإخوان” في الأردن ومصر ولبنان. ففي مصر، الجماعة مصنّفة إرهابية منذ 2013، وملاحَقة أمنياً، وممنوعة من أي نشاط سياسي أو تنظيمي. وفي الأردن، أُعلنت الجماعة غير قانونية منذ 2020، وصدرت بحقها عدة أحكام قضائية، فيما بقي حزب جبهة العمل الإسلامي يتمتع بصفة قانونية وتمثيل نيابي، ولم يشمله القرار الأميركي، ما يضعه نظرياً خارج دائرة الاستهداف المباشر. وفي لبنان، يبقى تأثير القرار على الجماعة الإسلامية محدوداً قياساً بحزب الله، الذي يشكّل قوة سياسية وعسكرية كبرى، رغم تصنيفه إرهابياً منذ سنوات، ما يجعل أثر القرار على التوازنات اللبنانية ضعيفاً.
وبالرغم من أنّ القرار يتوافق مع موقف عدة حكومات ترى في “الإخوان” تهديداً لأمنها الوطني، فإنّ الخطورة في ربط المواقف العربية بالأجندة الأميركية – الإسرائيلية، فالقرار لا يأتي دعماً للدول العربية بقدر ما هو جزء من مشروع إسرائيلي أوسع لإعادة تشكيل المنطقة في مرحلة ما بعد غزّة، وهو ما يفرض على صانعي القرار العرب التمييز بين خلافاتهم الداخلية مع الإسلاميين، والانخراط في ترتيبات إقليمية تقودها إسرائيل.
أردنياً، يمثّل القرار الحد الأدنى من التداعيات المتوقعة، لكنه يعيد فتح نقاش داخلي عن مستقبل حزب جبهة العمل الإسلامي، ودوره في الحياة السياسية، ومستقبل مجلس النواب الذي يضم كتلة وازنة من نوابه. وقد أبقى القرار الكرة في الملعب الأردني، ضمن معادلة العلاقة التقليدية بين الدولة والإسلاميين، إذ تتجاذب المشهد مقاربتان: الأولى متشدّدة تدعو إلى حل الحزب، وربما الذهاب إلى انتخابات مبكرة، والثانية أكثر مرونة، ترى ضرورة التريث وإدارة الأزمة بعقلانية، مع ممارسة ضغوط سياسية لإعادة ضبط خطاب الحزب وسلوكه.
لم يُحسم القرار بعد، وسط نقاشات غير معلنة تتعلّق بتعديلات تنظيمية وخيارات سياسية مطروحة. وفي داخل الحزب نفسه، تتصاعد الخلافات بين تيار قيادي محافظ يسعى لاحتواء الأزمة من دون مراجعات جوهرية، وتيار آخر تقوده قيادات شبابية وبرلمانية يدعو إلى مراجعة شاملة للمسار السياسي والتنظيمي. وبين هذا وذاك، تبدو الأزمة أعمق من مجرّد قرار خارجي، وتعكس فراغاً استراتيجياً ناتجاً من غياب قيادات سياسية خبيرة قادرة على قراءة التحولات الكبرى والتعامل معها بواقعية سياسية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى