هل الأدب بخير؟

آدم فتحي

يحتفل الغرب كلّ خريف بالعودة الأدبية، في مراسم صاخبة: كتبٌ بالآلاف. جوائز بلا حصر. إعلامٌ يتحدّث عن صوتٍ جديد كُلَّ أسبوع، قبل أن ينتقل إلى صوتٍ أجدّ. والحقّ أنّ هذا النجاح “الظاهر” لا يفلح في إخفاء طغيان البعد التجاري على المشهد، والتباس النقد بالبروباغندا، وغلبة أرقام المبيعات، شيئاً فشيئاً، على المغامرة الأدبيّة في ذاتها، وتحوّل الأدب إلى مهرجانٍ للاستهلاك الرمزيّ، يُوزَّع فيه رأسُ المال الثقافيّ كما توزّع النقاط، في لعبةٍ اجتماعيّة، يدّعي الكلُّ فيها أنّه لا يلعب.
أمّا في البلاد العربيّة فقد تطوّر الإبداع وتحسّنت الطباعة وازداد عدد الجوائز، وظهر ما يشبه “العودة الأدبيّة”. لكن أيّ عودة؟ وعودة إلى ماذا؟ لقد ظلّ المشهد مرتبطًا بالرعاية (أو التوظيف) أكثر من ارتباطه بالسوق. ولم تستطع الموهبة أن تستقلّ عن المؤسّسة النافذة. ولم ينجح الأدب في “صناعة” قرّاء بالعدد الكافي، والتعويل عليهم لتأمين استقلاله المادي. لذلك تراجع “الفيلتر القيميّ”، وتقدّمت الولائيّات والشلليّة، واختلط الحابل بالنابل، وانفلت عيار اللهاث خلف الجوائز والمهرجانات، وكثر التنافس عليها والطعن فيها، وبتنا أمام “ريعٍ اقتصاديّ” من جهة، يقابله “ريع رمزيّ” من الجهة الأخرى، للإيهام بأن الأدب ما زال قادرًا على إنتاج المعنى.
هل الأدب بخيرٍ حقًّا؟ سؤال بسيط يُحرج الجميع، ولن يلبث أن يتمخّض عن سؤال أشدّ مراسًا: هل الإنسان في العالم بخير؟ خصوصاً حين ننظر إلى الأدب بوصفه حقلاً رمزيّاً، لم يعد ممكناً فيه النظرُ إلى الكتاب بوصفه كائناً بريئاً يولد من عبقرية فردية. الأدب اليوم يُدار في أغلبه بمنطق السوق، وهو منطقٌ يمكن أن يدافَع عنه لو كان في خدمة قُوت الكاتب وكرامته. ونادراً ما يحصل ذلك. الكُتّابُ علاماتٌ تجارية. حتى التمرّد صار جزءاً من الخطة التسويقية. وما كان في الماضي “موقفاً” أصبح اليوم مجرّد “سيمولاكر”.
لكن الحقيقة تبدو أكثر قسوة. صار الأدب نفسه سلعةً بعد أن كان يوماً ملاذاً للغة ضدّ الاستهلاك. واحترف معظمُ الناشرين ابتكار “اتجاه” جديدٍ كلّ عام، كما يبتكر مصمّمو الأزياء خطوط الموضة: “شعر اليقظة الذهنيّة”، “أدب التحفيز الإيجابي”، “رواية التنمية الذاتية”، كأننا في متجرٍ رمزيّ للثيمات. صارت اللغة تكرّر نفسها بخضوع جميل بعد أن كانت فضاءً للمغامرة. ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليزيد المشهد تعقيدًا، فهو لا يهدّد الأدب من الخارج فحسب، بل يفضحه من الداخل. إنّه يُظهر لنا أن ما يُنتج باسم الأدب قابل للتوليد آليًّا في أحيانٍ كثيرة. لم يعد ثمّة جنسٌ أدبيّ بمنأى عن التصنيع الخوارزميّ والفبركة بالجملة: لا الرواية ولا الشعر ولا الخطاب الفكريّ. وبات واضحاً أنّ الذكاء الاصطناعي لا يقتل الأدب، بل يضع مرآةً أمامه، ليقول له: “هل بقي فيك شيء لا يمكنني محاكاته؟”.
وإذا كان رولان بارت قد أعلن “موت المؤلف” يوماً ما، فإننا اليوم نشهد ولادة المؤلف الاصطناعي. غير أنّ المفارقة أن هذا الموت لا يحرّر النص كما حلم بارت، بل يحرّر السوق من الكُتّاب. واستمرأَ ناشرون كُثر الاستغناء عن الكاتب أو المترجم “المزاجي” والتعامل مع “آلةٍ” لا تطلب حقوقاً ولا إجازات. لم يمت الأدب، إذن، بل تمّت خصخصته. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك جيوب مقاومة صغيرة، في الشرق كما في الغرب. كتّابٌ يكتبون بعيداً عن الضوء. نصوصٌ تولد بلا وسائط، وتذكّرنا بأنّ الأدب في جوهره ليس نشاطاً اقتصاديّاً ولا خطاباً هويّاتيّاً، بل تجربة في قول ما لا يُقال، وأن الكتابة ليست حرفة رمزية بل مجازفة وجوديّة ضدّ القوالب.
يبقى السؤال معلّقاً: هل أدبنا بخير؟ والجواب واضح: حال الأدب من حال الإنسان عموماً، ومن حال الأديب على وجه الخصوص. هو بخير إذا نظرنا إليه من زاوية “الأفراد” الكتّاب والنقّاد والناشرين “الممسوسين”. أمّا من الزاوية “الجماعيّة” فهو يعاني ما تعانيه المنظومة كلّها. خيره من خيرها وبؤسه من بؤسها. ولعلّ من طبع المبدع الممسوس أن ينتج الأفضل في الأسوأ. إنّه ابن بيئته المتمرّد عليها: واثقٌ بزواله لكنّه مع ذلك يحلم بالبقاء. في هذا الحلم، في تلك الرغبة الغامضة في الكتابة، يكمن جوابه الوحيد: الأدب ليس بذلك السوء كلّه، وليس بخير تماماً، لكنه لا ينفكّ حيّاً بما يكفي ليقول ذلك بنفسه.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى