
قالت صحيفة معاريف أول أمس الأربعاء إن إسرائيل رفضت انتشار قوات روسية جنوب سوريا في إطار الفصل بين القوات والعودة المحدثة لاتفاق فك الاشتباك الأمني “1974”. يتطابق هذا مع ما كانت قد قالته صحيفة يديعوت أحرنوت في تقرير لافت ومطوّل لها الأسبوع الماضي، وأفاد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتن ياهو غير جاد في التوصل إلى صيغة محدثة مع سوريا الجديدة تستند إلى اتفاق 1974 الأمني.
وعرضت الصحيفة العبرية في تقريرها المطوّل الأسباب والحيثيات للخلاصات التي وصلت إليها وتتضمن تخفيض مستوى الوفد الإسرائيلي قياساً للوفدين السوري والأمريكي في جولة المحادثات الأخيرة بباريس، ورفض نتن ياهو الانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط نظام بشار الأسد للمساومة والابتزاز والضغط على سوريا الجديدة وقيادتها، وتشجيع الميليشيات والمشاريع الانفصالية ولو بشكل غير مباشر على المضي قدماً في أحلامها بل أوهامها المستحيلة، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الذى لا يريد الظهور بالمتراجع في عام الانتخابات يتحاشى حسب الصحيفة العبرية الصدام مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعني بالتوصل إلى اتفاق أمني وخفض التصعيد لأهمية أمن واستقرار سوريا للمنطقة وحتى العالم ولضغوط عربية وإسلامية عليه تدفع بهذا الاتجاه، مع الإشارة كذلك إلى سعي نتن ياهو المنهجي للتقليل من أهمية جولة المفاوضات الأخيرة بباريس، وأنها لم تؤدي إلى اختراق جدي، واقتصرت على عرض للمواقف فيما تشبه البداية الجديدة لها بعد تغيير الطاقم الإسرائيلي، بينما اعتبرها السفير الأمريكي في تركيا المبعوث إلى سوريا والمنطقة عكس ذلك وواعدة وشكلت أرضية يمكن البناء عليها للمضي قدماً نحو خفض التصعيد والأمن والهدوء على الحدود بين سوريا وفلسطين.
إذن أكدت معاريف هذا الأسبوع ما كانت قد قالته يديعوت أحرونوت الأسبوع الماضي لجهة أن نتن ياهو غير جادّ في التوصل إلى صيغة أمنية محدثة مع سوريا الجديدة وفق اتفاق فك الاشتباك بالعام 1974 بما في ذلك رفض الانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد وتحديداً قمة جبل الشيخ الاستراتيجية وذلك بحجة عدم الثقة بالقيادة الجديدة والتشكيك بقدرتها على فرض سيطرتها وسلطتها على كامل أراضي البلاد. في تناقض وانفصام غير غريب على الدولة العبرية بل يكمن في جيناتها كونها سعت منذ اليوم التالي لسقوط النظام إلى وضع العصي في دواليب القيادة ومنع نجاحها كما سيرورة نهوض واستقرار سوريا الجديدة بشكل عام.
بالسياق الإسرائيلي نلحظ أساساً في قاعدة موقف نتن ياهو نزوعاً واضحاً نحو العسكرة والحروب الأبدية وإبقاء السيف مشرعاً وعدم إعطاء الفرصة لدول الجوار لترتيب شؤونها الداخلية -ينطبق ذلك على فلسطين بالضفة الغربية وغزة- بما ينعكس إيجاباً على الأمن الإقليمي وهو ما يتعارض مع مقاربة إسرائيلية تريد بقاء التوتر مستمراً للحفاظ على هيمنتها كما لمنع استقرار الدول العربية ونهوضها.
إلى ذلك ثمة استلاب من الدولة العبرية لسياسة تقليدية تشمل الحفاظ على الواقع الراهن بالجبهات كافة لأطول فترة ممكنة وربما للأبد طالما أنه يعمل لمصلحتها.
بالسياق السوري لا بد من التذكير بأسباب وخلفيات عديدة لموقف نتن ياهو تبدأ أولاً بابتزاز قيادة الرئيس أحمد الشرع، ومراكمة الصعوبات والعراقيل ولأطول فترة ممكنة لعرقلة سيرورة ونهوض سوريا الجديدة.
سورياً أيضاً، ثمة هدف آخر لا يقل أهمية يتمثل بتشجيع الحركات والميليشيات الانفصالية على المضي قدماً في تحدي القيادة السورية حتى لو توقفت إسرائيل عن دعمهم مباشرة وبشكل فظّ سياسياً وعسكرياً وإعلامياً، بمعنى أن عدم التوصل لاتفاق أمني وبقاء إسرائيل بالأراضي المحتلة يدفع طردياً الهواء في أشرعة المشاريع الانفصالية ومواصلة المراهنة اليائسة على تل أبيب للعب دور مركزي ومؤثر في سيرورة تشكيل سوريا الجديدة.
دلّلت يديعوت على استنتاجاتها السابقة لجهة عدم جدية نتن ياهو في التوصل الى اتفاق أمني محدث إلى طبيعة الوفد الإسرائيلي المفاوض الذي ضمّ السفير بواشنطن يحيئيل ليتر وسكرتير نتن ياهو العسكري رومان غوفمان ونائب رئيس المجلس الأمن القومي جيل رايش والمنخفض نسبياً قياساً للوفدين السوري – ضمّ وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات حسين السلامة – والأمريكي ضمّ إضافة إلى باراك المبعوثين الرفيعين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير الوثيقي الصلة بترامب وملفات المنطقة وتعقيداتها.
يديعوت أشارت كذلك إلى محاولة نتن ياهو التقليل من المباحثات والادعاء أنها لا تزال في بدايتها الجديدة، ومرحلة عرض المواقف رغم انعقاد عدة جولات سابقة في باريس وغيرها، واتضاح وشق المسار والأفق العام لها المستند إلى قاعدة تحديث ما لاتفاق 1974 الأمني.
بالمقابل جاء البيان الثلاثي الصادر عن جولة المحادثات الباريسية كما توضيح السفير والمبعوث الأمريكي باراك متفائلاً لجهة تشكيل لجنة وآلية مشتركة “ميكانيزم” بمشاركة دبلوماسية وعسكرية كما يجري في لبنان وغزة بحضور ومشاركة الأردن يفترض أن تجتمع بشكل منتظم للعمل على البعد الأمني بينما يبدو الاقتصادي “كما في لبنان” مؤجلاً مع الإشارة الى ضغوط أمريكية أثمرت عن وقف الهجمات والغارات الإسرائيلية بالعمق السوري كما الدعم اللوجستي خاصة العسكرية للمشاريع والخطط الانفصالية.
في سياق إقليمي ودولي أبعد ترفض تل أبيب الحضور الروسي جنوب سوريا لتشكيل أرضية مناسبة للعودة الاتفاق الأمني رغم الاطمئنان لموقف موسكو والعلاقة الوثيقة التي تجمع نتن ياهو والرئيس فلاديمير بوتين والعلاقة الجيدة بين هذا الأخير وإدارة ترامب ومبعوثيه إلى المنطقة.
بالمقابل ثمة توجس إسرائيلي أقرب إلى الهوس تجاه الموقف التركي الداعم لسوريا الجديدة وقيادتها ووحدة وسلامة أراضيها وهو وموقف متناغم مع المواقف العربية والأمريكية والدولية ولكن ثمة شيطنة عبرية متعمدة لأنقرة ومواقفها رغم أنها ليست بصدد الانتشار بالجنوب وتعرف أن ثمة قوى أخرى فاعلة هناك مثل الأردن وروسيا وبالطبع أمريكا راعية المفاوضات التي تدعمها تركيا بما في ذلك تحديث الاتفاق الأمني وخفض التصعيد بالجنوب الذي سيرتد إيجاباً على كامل البلاد وعلى كل المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
في الأخير باختصار وتركيز ورغم عدم جدية نتن ياهو إلا أن العودة لاتفاق فك الاشتباك محدثاً والانسحاب من الأراضي السورية المحتلة بعد 8 كانون الأول ديسمبر مسألة وقت بظل سيرورة النهوض والوحدة بسوريا الجديدة والإصرار الأمريكي والعربي والدولي واستعداد رئيس الوزراء الإسرائيلي للتنازل -المصطلح مجازي كونه لا يملك أصلاً- بسوريا وغزة للحصول على مكاسب ثنائية مع أمريكا كما بالتعاطي مع الملف الإيراني باعتباره أولوية لتحقيق مكاسب داخلية ولفت الانتباه عن الممارسات الإسرائيلية الحربجية بالمنطقة.
المصدر: تلفزيون سوريا






