
شكل انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وما حولها في القسم الشمالي الغربي من مدينة حلب نقطة تحول بارزة على الصعيد الاقتصادي، إذ أعاد الأمل إلى شرايين عدة مناطق صناعية كانت قد عانت طويلاً من التوقف والدمار، فقد مثل وجود “قسد” هناك، سواء عبر السيطرة المباشرة أو الإشراف الناري، عائقاً أمام إعادة تشغيل المصانع وترميم البنى التحتية في المناطق الصناعية المتوزعة على الشقيف والليرمون وصالات الحرفيين، رغم مرور أكثر من عام على سقوط النظام المخلوع.
ومع خروج “قسد”، تتجه الأنظار اليوم نحو إعادة الحياة إلى المنطقة الصناعية في الليرمون، والتي تعد من أبرز المراكز الصناعية في حلب، وتختص بصناعات النسيج والألبسة الجاهزة إلى جانب عدد من الصناعات التحويلية الأخرى، ما يجعلها ركيزة أساسية في أي خطة لإحياء الاقتصاد شمالي سوريا، وإعادة تثبيت مكانة حلب كعاصمة الصناعة السورية.
يسلط موقع تلفزيون سوريا الضوء على واقع منطقة الليرمون الصناعية بعد انسحاب “قسد”، ويستعرض حجم الأضرار التي تعرضت لها، إضافة إلى الخطط المفترضة لإعادتها إلى العمل مجدداً، في وقت يترقب فيه الصناعيون وأهالي المدينة عودة عجلة الإنتاج إلى الدوران، بما يعيد لحلب مكانتها الصناعية، ويمنح آلاف الشبان فرص عمل جديدة تخفف من واقع البطالة الذي تعاني منه حلب.
لمحة تاريخية عن المنطقة الصناعية في الليرمون
قالت مصادر محلية متابعة للشأن التاريخي في حلب لموقع تلفزيون سوريا إن منطقة معامل الليرمون، أو ما يعرف اليوم بالمنطقة الصناعية في الليرمون، تقع بين دوار شيحان ودوار الليرمون على المحلق الشمالي لمدينة حلب، وهذه المنطقة كانت قبل عقود أرضاً جرداء وعرة، تقع أسفل جبل الأشرفية (المعروف أيضاً بجبل الداوودية) من جهة الشرق، وجبل الخالدية من جهة الغرب، وقد بدأ البناء فيها كمنطقة معامل خلال فترة الانتداب الفرنسي، أي خلال النصف الأول من القرن العشرين، حيث شيد أول معمل صناعي فيها وهو معمل السنكري المتخصص بصناعة التنك (الصفائح المعدنية)، إلى جانب محطة وقود ومشفى المقاصد الخيرية المعروف لاحقاً بمشفى شيحان.
وتضيف المصادر أن الليرمون كانت منطقة صناعية غير منظمة في بداياتها، وأقرب حي سكني لها حينها كان حي السبيل، بينما لم يكن حي الخالدية قد أُنشئ بعد، وبسبب بعدها عن مركز المدينة في ذلك الوقت، واجه أصحاب المعامل صعوبة في تأمين العمالة المحلية، فاعتمدوا بشكل أساسي على اليد العاملة القادمة من بلدات الريف الشمالي والشمالي الغربي، مثل حريتان وكفر حمرة وغيرها، لتغطية احتياجات المصانع من اليد العاملة.
أما اسم “الليرمون” فيرتبط بحسب الروايات الشعبية والتاريخية بكلمة “لير آمون”، وتعني قرص القمر المستدير، فكلمة “لير” تدل على الاستدارة، ومنها جاءت كلمة “ليرة” التي كانت عملة رومانية قديمة، بينما “آمون” هو اسم الإله الذي عبد في الألف الثاني قبل الميلاد وانتقلت عبادته إلى مصر حين سيطر الأموريون (الحلبية القدماء) عليها، وتشير بعض الحكايات المتداولة في حلب إلى أن معبد “لير آمون”، الذي اشتق منه اسم المنطقة، قد يكون مدفوناً تحت أحد المعامل الحالية، وهو ما يفسر طمس العديد من الآثار القديمة بفعل التوسع الصناعي.
وفي الخمسينات من القرن الماضي، بدأت المنطقة الصناعية في الليرمون بالتوسع عبر إنشاء معامل لتعبئة زيت الزيتون القادم من عفرين واعزاز ومارع وغيرها شمال حلب، ومن أبرزها معمل صايم الدهر، ومع مرور الوقت، شهدت المنطقة نمواً ملحوظاً، حيث أُنشئت معامل للبلاستيك، وأخرى لصناعة الأحذية التقليدية، إضافة إلى معامل شانيل للنسيج في الستينات، ثم دخلت معامل إنتاج المشروبات الغازية (الكازوز) لتزيد من تنوع النشاط الصناعي في المنطقة، وبذلك، تحولت الليرمون تدريجياً إلى واحدة من أهم المناطق الصناعية في مدينة حلب، تجمع بين تاريخ عريق يمتد لعقود طويلة، وأهمية اقتصادية جعلتها ركيزة أساسية في المشهد الصناعي بحلب.
واقع المدينة الصناعية في الليرمون
قال أبو زكريا (عامل في معمل للألبسة جاهزة) المنطقة الصناعية في الليرمون ليست مجرد تجمع للمصانع، بل هي رمز لعراقة حلب الصناعية ودليل على قدرتها على النهوض من جديد إذا ما توفرت الخدمات المناسبة لها، ويضيف لموقع تلفزيون سوريا أن “حجم الأضرار التي لحقت بالمنطقة الصناعية في الليرمون منذ العام 2012 كان كبيراً، إذ تضررت خطوط الإنتاج، وتوقفت شبكات الكهرباء والمياه، وتعرضت بعض المنشآت للدمار، بسبب القصف الجوي والبري لقوات النظام المخلوع، ووقوع القسم الأكبر من المنطقة ضمن خطوط الاشتباك بين المعارضة السورية سابقاً، وقوات النظام المخلوع، وتقدم قسد نحوها لاحقاً”.
ويتابع “حجم الضرر الكبير الذي لحق بالمنطقة الصناعية في الليرمون يجعل إعادة تشغيلها مهمة معقدة تتطلب جهوداً كبيرة وتسهيلات حكومية أكبر لتشجع الصناعيين على إعادة إعمار منشآتهم لتعود دورة الإنتاج إلى العمل من جديد”، ويؤكد أبو زكريا، أن نسبة المنشآت الصناعية المدمرة دماراً جزئياً، أو تلك المدمرة بالكامل تزيد عن 70 بالمئة من العدد الكلي للمنشآت.
خطط إنعاش عاجلة
قال مدير المكتب الإعلامي في غرفة صناعة حلب، عمار العزو، إن الغرفة تعمل بشكل مكثف على توفير كافة الخدمات الضرورية لإعادة الحياة إلى منطقة الليرمون الصناعية بعد طرد “قسد” منها، مؤكداً أن الغرفة نظمت اجتماعاً خدمياً نوعياً حضره المعنيون بالشأن الخدمي والاقتصادي إلى جانب عدد من الصناعيين أصحاب المنشآت الصناعية في المنطقة، وذلك لوضع خطة عاجلة لإعادة تشغيل المصانع وتهيئة البنية التحتية.
وأوضح العزو في تصريح لموقع تلفزيون سوريا أن مطالب الصناعيين تركزت على توفير الكهرباء بشكل مستمر على مدار الساعة، وفتح الشوارع المغلقة، وترحيل الأنقاض والسواتر الترابية، إضافة إلى تأمين خدمات الاتصالات والإنترنت والنقل، وضمان سرعة إصلاح الأعطال الطارئة في شبكات الكهرباء والمياه، باعتبارها أساساً لعودة عجلة الإنتاج إلى الدوران.
وأشار العزو إلى أن منطقة الليرمون الصناعية تعد من أقدم وأعرق وأهم المناطق الصناعية في مدينة حلب، حيث كانت مركزاً رئيسياً لصناعات النسيج والألبسة الجاهزة والصناعات التحويلية الأخرى، ما يجعلها ركيزة أساسية في أي خطة لإحياء الاقتصاد المحلي، وكشف أن الغرفة ستقوم بإنشاء صندوق خاص لدعم المنطقة، إلى جانب التبرع بنحو 100 جهاز إنارة مزودة بكاميرات مراقبة سيتم تركيبها بالتعاون مع شركة الكهرباء لتعزيز الأمن والخدمات، كما يجري العمل مع الوزارات المعنية لمنح المنطقة مزايا وإعفاءات تحفيزية تشجع على الاستثمار وإعادة تشغيل المصانع.
وبين العزو أن عملية إزالة السواتر وفتح الشوارع قد بدأت بالفعل وستنتهي خلال أيام قليلة، مؤكداً أن دعم المنطقة الصناعية سيكون على سلم أولويات المحافظة، من خلال التنسيق التام مع الوزارات والجهات الخدمية لتوفير احتياجاتها، بما يعيد لحلب مكانتها الصناعية التي تستحقها.
وفي السياق ذاته، باشرت الورشات التابعة لمؤسسة الكهرباء عمليات إصلاح الأعطال وإجراء الصيانات اللازمة، حيث من المقرر وضع خمسة مراكز تحويلية جديدة في الخدمة خلال الربع الأول من العام الحالي، إضافة إلى إعادة تأهيل واستثمار محطة الليرمون الكهربائية لضمان استقرار التغذية، كما تعمل مؤسسة المياه على إصلاح الأعطال في الشبكات، وأكدت استعدادها للتدخل الفوري لحل أي مشكلة طارئة، بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية للمصانع.
ويأتي هذا الحراك الخدمي والاقتصادي في إطار خطة شاملة لإعادة إحياء القطاع الصناعي في المناطق المحررة حديثاً وفق العزو، وسط آمال الصناعيين بأن يشكل خروج “قسد” من المنطقة بداية مرحلة جديدة تنتعش معها الصناعة في حلب وتبدأ مرحلة جديدة من التعافي.
2700 منشأة صناعية
وبحسب عمار العزو، مدير المكتب الإعلامي في غرفة صناعة حلب، المنطقة الصناعية في الليرمون كانت قبل العام 2011 تضم نحو 2700 معمل، تتصدرها معامل النسيج، تليها ورشات ومعامل صناعة الألبسة الجاهزة التي كانت تخصص القسم الأكبر من إنتاجها للتصدير، ثم معامل المواد الغذائية والكيميائية، أما اليوم، فلم يبقَ من هذا العدد الكبير سوى نحو 300 معمل فقط تعمل بشكل جزئي، في حين تعرضت البقية للتدمير أو التوقف التام، وأكد العزو أنه لمس لدى معظم أصحاب المنشآت الصناعية المدمرة رغبة حقيقية في إعادة ترميم وتأهيل معاملهم، لكن ذلك يتطلب خطة دعم جدية من الحكومة السورية لتوفير التمويل والإعفاءات اللازمة.
التقى موقع تلفزيون سوريا عدداً من أصحاب الورش والمعامل في منطقة الليرمون الصناعية، حيث بدت المطالب متشابهة، هؤلاء الصناعيون سبق أن تلقوا وعوداً من النظام المخلوع بعد سيطرته على الأحياء الشرقية نهاية العام 2016 بإعادة الحياة إلى المنطقة الصناعية، لكن تلك الوعود لم تتحقق، بل شهدت المنطقة مزيداً من التراجع نتيجة تحكم ميليشيات النظام المخلوع والفرقة الرابعة سابقاً في إمدادات المواد الأولية، وفرض ضرائب إضافية على التجار والصناعيين، فضلاً عن استمرار انقطاع الكهرباء وصعوبة إدخال المواد الخام.
وتتقاطع مطالب الصناعيين اليوم حول ضرورة فتح الطرق وإزالة السواتر وتأمين النقل للعمال، إضافة إلى دعم حكومي عبر إعفاءات ضريبية وتسهيلات في استيراد المواد الخام، بما يتيح لهم المنافسة من جديد. كما يشددون على أهمية توفير الاتصالات والإنترنت لتسهيل عمليات البيع والتسويق وربط المنطقة الصناعية بالأسواق المحلية والخارجية.
وبحسب صناعيين، يمكن اختصار ما تحتاجه عجلة الإنتاج كي تعود للدوران في الليرمون بعدة عوامل:
. توفير الكهرباء والمياه بشكل مستقر مع إنشاء مراكز تحويلية جديدة وصيانة الشبكات.
. فتح الطرق وإزالة السواتر والأنقاض لتسهيل حركة العمال والبضائع.
. إعادة تأهيل البنية التحتية من اتصالات وإنترنت ونقل عام.
. تقديم إعفاءات وتسهيلات حكومية لدعم الصناعيين وتشجيع الاستثمار.
. إنشاء صندوق دعم مالي لتعويض الأضرار وإعادة تشغيل المصانع المتضررة.
. برامج تدريب وتأهيل للعمالة المحلية لضمان عودة اليد العاملة الماهرة إلى السوق.
تؤكد شهادات الصناعيين في منطقة الليرمون أن الرغبة في إعادة تشغيل المصانع وإحياء النشاط الاقتصادي ما زالت قوية وراسخة، رغم سنوات التوقف والدمار، وفي الوقت الذي يطالب فيه الصناعيون بخطة دعم حكومية جدية وإجراءات عملية ملموسة، يبقى مستقبل هذه المنطقة الصناعية العريقة مرتبطاً بمدى قدرة الحكومة على توفير بيئة عمل مستقرة وآمنة، تعيد إليها دورها التاريخي كأحد أعمدة الاقتصاد، ويبدو أن نجاح هذه الجهود لا يعني فقط إعادة عجلة الإنتاج إلى الدوران، بل يمثل أيضاً بداية مرحلة جديدة من التعافي وإعادة البناء، خصوصاً بعد أن أصبحت حلب خالية من وجود “قسد”، التي شكلت عائقاً أمام أي محاولة جدية للنهوض الاقتصادي في حلب، وبذلك، تبدو الليرمون اليوم أمام فرصة حقيقية لاستعادة مكانتها، وفتح صفحة جديدة في مسيرة الصناعة الحلبيّة نحو التعافي والازدهار
المصدر: تلفزيون سوريا


