حرب السوريين الصامتة.. من نحن؟ أم ماذا سنأكل؟

سامر القطريب

لم يحدث القتال خلال السنوات الماضية في سوريا على الجبهات فقط بل حدث في “أجسادنا” من خلال الانضباط والمراقبة والتحكم، مثال ذلك عندما انقسمت حلب إلى شرقية وغربية وعندما قصف النظام المخلوع الغوطة الشرقية بالكيماوي والبراميل المتفجرة، حينئذ كان جسد السوري مثالا لـ “الحرب الصامتة” وللانضباط والمراقبة، الخوف من السلطة وعنفها كان عامل الانضباط في تلك “الحرب”، عشنا كسوريين حربنا الصامتة واليوم نعيشها من خلال المؤسسات، واللغة، وفوارق القوة “الطبقات” الاقتصادية والاجتماعية. يمثل سقوط نظام الأسد لحظة “انفجار” لموازين القوى، فبعد عقود من “السلطة المطلقة” التي كانت تتحكم في الحياة والموت، نجد أنفسنا أمام مشهد مليء بالعنف والكراهية (ليس على أرض الواقع) ولكن على أرض وسائل التواصل الاجتماعي لأن الجسد مازال منضبطا في واقعه.
في الواقع تخضع أجسادنا لرقابة فيزيائية واجتماعية مباشرة (نظرات الجيران، قوانين العمل، الحياء الاجتماعي، الخوف من العقاب إلخ..). هذه الرقابة تفرض “الهدوء” كشكل من أشكال الانضباط. أما في الواقع الافتراضي تتحرر الأجساد من الرقابة المكانية، لكن تظل “الذات” محبوسة في صراع الخطاب، لذلك ما نراه من عنف هو “انفجار” للقوى التي يكبتها الانضباط في الواقع الحقيقي.
جاءت العملية العسكرية الأخيرة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية لتنزع مسمار الأمان عن قنبلة خطاب الكراهية في مساحة لا متناهية للتعبير عن الغضب المكبوت. “من ليس معنا هو ضدنا” أصبحت الشعار الجديد للتصنيف في الخطاب اللغوى العنيف. الصراع الحالي في سوريا هو صراع على من يملك الحق في تعريف “سوريا الجديدة”، ومن يملك سلطة وضع القوانين. خطاب الكراهية غالباً ما يركز على تصنيف الناس (عرق، دين، توجه). هذا التصنيف هو جوهر في ممارسة السلطة؛ لأنك بمجرد أن “تُسمي” شخصاً وتضعه في قالب، فقد مارست عليه نوعاً من القمع المعرفي.
ولكن إذا كان كل ذلك يحدث على السوشيال ميديا فهل الواقع أكثر هدوءا؟
يتحدث كثير من السوريين أن الحياة في الواقع مختلفة عما يتم تداوله من خطابات عنف على وسائل التواصل، ويصفون الحياة الطبيعية والتفاعل اليومي القائم على تبادل المصالح بين السوريين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم، إذا أين هي الحقيقة؟
في الواقع تخضع أجسادنا لرقابة فيزيائية واجتماعية مباشرة (نظرات الجيران، قوانين العمل، الحياء الاجتماعي، الخوف من العقاب إلخ..). هذه الرقابة تفرض “الهدوء” كشكل من أشكال الانضباط. أما في الواقع الافتراضي تتحرر الأجساد من الرقابة المكانية، لكن تظل “الذات” محبوسة في صراع الخطاب، لذلك ما نراه من عنف هو “انفجار” للقوى التي يكبتها الانضباط في الواقع الحقيقي.
يقول ميشيل فوكو نحن نعيش في حالة رؤية دائمة، “الجميع يراقب الجميع”. هذا الضغط يجعل الناس في حالة استنفار قتالي دائم؛ فإما أن تهاجم لتثبت وجودك وانتماءك لجماعة معينة، أو تصبح ضحية للمراقبة والنقد. العنف هنا هو “أداء” أمام الجمهور وليس مجرد شعور شخصي.
بناء على ذلك قد يكون “الهدوء في الواقع” ليس بالضرورة دليلاً على السلام، بل قد يكون دليلاً على “تمام السيطرة” وانضباط الأفراد التام، في حين يظهر “القتال” الحقيقي في الخطاب الرقمي لأنه المساحة التي لا تزال القوى تتصارع فيها لتشكيل “الحقيقة” أو ما كما يحب السوريون تسميتها اليوم “السردية”.
ما تراه من عنف وكراهية على الإنترنت ليس “فوضى”، بل هو نظام يحدد من يحق له الكلام؟ ما هي المواضيع المسموح بها؟ العنف اللفظي هو وسيلة لإقصاء “الآخر” وجعله غير مرئي أو غير شرعي، تماماً كما كان يُعامل “المجانين” أو “المجرمين” في العصور السابقة عبر عزلهم خطابياً.
في سوريا يبدو السلام مجرد “حرب صامتة”، فما كان يُسمى “استقراراً” قبل الثورة كان حالة حرب مكبوتة تمارسها أجهزة الدولة لدى “النظام المخلوع” ضد الجسد والمجتمع. وبسقوط النظام نكتشف أن تلك الحرب لم تنتهِ أبداً، بل انتقلت من “تحت الجلد” إلى وسائل التواصل. الخطاب العنيف الذي تراه الآن هو “المسكوت عنه” لسنوات طويلة، بدأ الآن يعبر عن نفسه كقوى متصارعة على الحقيقة.
في سوريا اليوم، هناك صراع حول “الحقيقة التاريخية”: من هو البطل؟ من هو الخائن؟ ما هو شكل الدولة؟
وأصبحت وسائل التواصل لدى السوريين “ساحة قتال معرفية”. كل طرف يحاول بناء “نظام حقيقة” خاص به وإقصاء الآخر. العنف الرقمي الذي نلاحظه هو الأداة التي تستخدمها هذه القوى الناشئة لترسيم حدود سلطتها في غياب سلطة مركزية.
الهدوء كآلية للبقاء
السوريون في الداخل، وبعد سنوات من الموت، قد يميلون إلى “الهدوء” كآلية للبقاء. الجسد المتعب يبحث عن الأمان، وهذا “هدوء الضرورة”. يتحدث أحد السوريين اللاجئين في تركيا عن رغبته بالعودة إلى حياته البسيطة في ريف حلب لتربية الماشية والعمل بالزراعة بعد أن سقط النظام. في حين تخبرني صديقة عن زواج قريبها من “الحسكة” بفتاة من مدينة “سلمية”، أي زواج بين طائفتين.
نعود إلى الحياة على الإنترنت، المكان الوحيد الذي يمكن فيه ممارسة “إرادة القوة” من دون خوف مباشر من الاعتقال أو التوقيف أو العقاب إلى آخره.. الإنترنت هو “المختبر” الذي تُمارس فيه الحروب التي لا يستطيع الناس خوضها في الواقع بسبب التعب أو الخوف.
عندما يصبح الصراع على “من نحن؟” وليس على “ماذا سنأكل؟”، يصبح الوصول إلى عقد اجتماعي هادئ مهمة شاقة لأن التنازل هنا يبدو كأنه “خيانة للذات”.
في العقد الاجتماعي العادي، نتنازل عن بعض المصالح لنعيش بسلام. لكن في سوريا (كما يظهر في خطاب الكراهية الرقمي)، الصراع هو على الهوية والمعنى.
ولكن هذا الهدوء في الشارع السوري قد يكون “مقاومة صامتة” من الناس العاديين ضد تطرف الخطاب الرقمي وضد أي تسلط، الناس في الواقع يمارسون “عقداً اجتماعياً معاشاً” (تبادل تجاري، جيرة، مصالح يومية، زواج) يتجاوز صراعات الأيديولوجيا. هذا “الهدوء الحقيقي” هو القاعدة التي يمكن البناء عليها في هذه المرحلة، لأنه يثبت أن “ممارسة الحياة” أقوى من “خطاب الحرب”.
المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى